د. عبدالحق عزوزي
شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة أعادت تشكيل مفهوم المواطنة وحدود الانتماء السياسي والقانوني. فقد أسهمت العولمة، والثورة الرقمية، وتطور وسائل النقل والاتصال، واتساع المبادلات الاقتصادية والثقافية، في جعل حركة البشر بين الدول ظاهرة غير مسبوقة من حيث الحجم والتنوع. ولم يعد انتقال الإنسان من بلد إلى آخر حدثاً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من دينامية عالمية تشمل الطلبة والباحثين والعمال ورجال الأعمال واللاجئين، فضلاً عن ملايين الأشخاص الذين يضطرون إلى مغادرة مناطقهم بسبب الحروب أو الأزمات الاقتصادية أو الكوارث المناخية.
وقد أفرز هذا الواقع مفارقة واضحة: ففي الوقت الذي أصبح فيه حق الفرد في مغادرة بلده من المبادئ الراسخة في منظومة حقوق الإنسان، لا يزال الحق في دخول دولة أخرى والاستقرار فيها خاضعاً بدرجة كبيرة لسيادة الدول وسياساتها الوطنية.
ومن هنا برز توتر متزايد بين عالم تتسارع فيه حركة الأشخاص ورؤوس الأموال والمعلومات، ودول ما زالت تتمسك بحدودها القانونية والأمنية التقليدية.
لقد ارتبط مفهوم المواطنة تاريخياً بالدولة القومية، فكان المواطن هو الشخص الذي يحمل جنسية دولة معينة، ويتمتع بحقوقه السياسية والمدنية داخل حدودها مقابل التزامه بواجباته تجاهها. غير أن الهجرات الدولية الواسعة جعلت هذه الصورة أقل قدرة على تفسير الواقع؛ فهناك اليوم ملايين الأشخاص الذين يعيشون لعقود خارج بلدانهم الأصلية، ويدفعون الضرائب، وينشئون المؤسسات، ويسهمون في التعليم والبحث العلمي والاقتصاد والثقافة في الدول المستقبلة، من دون أن يحصلوا دائماً على الحقوق السياسية نفسها التي يتمتع بها المواطنون.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك الأطباء والباحثون والمهندسون الذين ينتقلون للعمل بين القارات، فيصبح الفرد مرتبطاً في الوقت نفسه ببلد الميلاد وبلد الإقامة ومجتمع مهني عالمي. كما أن ملايين الطلبة الذين يتابعون دراساتهم في جامعات أجنبية ويستقر بعضهم لاحقاً في تلك البلدان يجسدون بدورهم نمطاً جديداً من الانتماء المركب، وهو ما أسهم في ظهور مفهوم المواطنة العابرة للحدود.
وتُعد التجربة الأوروبية مثالاً مهماً على تطور مفهوم المواطنة؛ فالمواطن المنتمي إلى إحدى دول الاتحاد الأوروبي يستطيع الإقامة والعمل والدراسة في دول أعضاء أخرى، كما يتمتع، وفق الشروط المعمول بها، بحق المشاركة في بعض الاستحقاقات المحلية والأوروبية في دولة إقامته. وهنا لم تعد المواطنة مرتبطة حصراً بالجنسية الوطنية، بل أصبحت هناك دائرة إضافية من الحقوق والانتماءات تتجاوز الحدود التقليدية للدولة.
وفي الاتجاه نفسه، طورت مجتمعات مثل كندا ونيوزيلندا نماذج تقوم على الاعتراف بالتنوع الثقافي باعتباره مكوناً من مكونات المجتمع وليس بالضرورة تهديداً لهويته. فالمواطن أو المقيم يستطيع الحفاظ على جزء من خصوصيته الثقافية واللغوية، وفي الوقت نفسه المشاركة في بناء الفضاء العام المشترك. غير أن هذه التصورات تواجه تحديات متزايدة مع صعود تيارات شعبوية وقومية في عدد من الدول، تستثمر المخاوف المرتبطة بالهجرة والهوية والأمن للعودة إلى تصورات أكثر انغلاقاً للمواطنة.
كما أصبحت الجنسية المزدوجة تعبيراً واضحاً عن تغير طبيعة الانتماء المعاصر. فعدد كبير من الأفراد لم يعد مضطراً إلى الاختيار بصورة قاطعة بين وطن الأصل ووطن الإقامة، بل يمكنه المحافظة على روابط قانونية واجتماعية واقتصادية وثقافية مع مجتمعين أو أكثر.
وتطرح قضية اللاجئين تحدياً أكثر تعقيداً؛ فالإنسان الذي يفر من الحرب أو الاضطهاد يفقد عملياً جزءاً أساسياً من الحماية التي يفترض أن توفرها له دولته، ويصبح معتمداً على القانون الدولي وعلى تضامن الدول والمؤسسات الإنسانية. وقد بينت موجات النزوح الناتجة عن الصراعات في سوريا وأفغانستان والسودان وأوكرانيا وغيرها أن حماية اللاجئين لم تعد قضية إقليمية، بل مسؤولية دولية مشتركة تتطلب آليات أكثر عدلاً في استقبالهم وإدماجهم وحفظ كرامتهم.
وفي إطار كرسي الأمم المتحدة لتحالف الحضارات الذي لنا شرف ترؤسه، نسعى إلى الإسهام في إثراء هذا النقاش من خلال تشجيع البحث العلمي والحوار حول الصلات بين الهجرة والمناخ والمواطنة والكرامة الإنسانية، والدعوة إلى مقاربات تجعل التضامن والمسؤولية المشتركة أساساً للتعامل مع التحولات المقبلة. فالنزوح المناخي، مثل الهجرة واللجوء، لم يعد مجرد ملف تقني أو أمني، بل أصبح قضية إنسانية وحضارية وأخلاقية.
إن عالم اليوم يدعونا، في نهاية المطاف، إلى إعادة التفكير في المواطنة باعتبارها مفهوماً متطوراً لا يلغي الدولة الوطنية وسيادتها، ولكنه يوسع دائرة الحقوق والمسؤوليات. والتحدي الحقيقي هو بناء توازن عقلاني بين حق الدول في إدارة حدودها وحق الإنسان في الكرامة والحماية، وبين ضرورات الأمن وقيم التضامن.