د.محمد بن عبدالرحمن البشر
بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وإن شئت القول تفكيك الاتحاد السوفيتي، أصبحت دول البلطيق حرة يمكنها اتخاذ ما تراه من قرارات، وفيما يبدو أن اتخاذ القرار بتفكك ذلك الاتحاد لم يكن مدروسا بشكل جيد، ولم يكن هناك خطة مرسومة لما سيحدث فيما بعد، فقد تم تفكيكه من قبل الرئيس السابق يلسن بطريقة عشوائية، إن صح القول، فخسرت روسيا الكثير، لقد سارعت أوروبا والغرب بشكل عام إلى ضم تلك الدول الفتية الجديدة إليها مع ما يترتب على ذلك من تكلفة مادية، غير أن الرؤية كانت أبعد من ذلك، لقد أصبحت هذه الدول جزءا لا يتجزأ من الاتحاد الأوروبي في معظمها، وأصبحت أيضا أداة لاستنزاف روسيا وإضعافها، باعتبار أن روسيا عدوا ومنافسا للغرب منذ الحرب العالمية الثانية، وكلنا نعلم ماذا كان موقف تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الذي كان يرى إكمال الحرب بإنهاء روسيا مع كونها عاملا رئيسا في انتصار الحلفاء، وأيضا موقف الرئيس الأمريكي روسفلت، الذي كان يعارض الفكرة، وبقيت الأمور كما هي.
كان الرئيس الحالي لروسيا الرئيس بوتين، رئيسا للاستخبارات آنذاك، ويبدو أنه لم يكن راضيا على ما حدث، وكان عليه التعامل مع النتائج كما هي، فلا حول له ولا قوة، لم تكن أوكرانيا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي جزءا من أوروبا، ولم تكن أيضا جزءا من الناتو، وكانت تحكم أوكرانيا حكومة موالية لروسيا، ويبدو أن الغرب رأى أن الوقت مناسب لتوجيه أوكرانيا غربا، بدل بقاء وجهتها الشرقية، فتم ترتيب ما سمي بالثورة البرتقالية، وتم تحريك النزعة القومية، فاندفعت الجموع بشكل كبير إلى الساحات الكبرى في كثير من المدن والقرى، مطالبة بانتخابات جديدة، ومن خلال الضغط الشعبي تم تحقيق الغاية، وتمت الانتخابات، وفاز المنادون بالتغيير مرتكزين على القومية، لكن هناك جزءا غير يسير من الأرض الأوكرانية يقطنها مواطنون لهم أصول وثقافة روسية، ومع الاندفاع نحو التشدد القومي، ومحاولة إنهاء الثقافة الروسية في ذلك الإقليم، ظهرت بوادر مقاومة مدعومة من روسيا، وزادت شيئا فشيئا، وقابلها استخدام مفرط لقمعها، قبل اشتداد سطوتها، فحدث ما يشبه الحرب الأهلية.
كانت روسيا تراقب الوضع عن كثب، وكان الغرب أيضا يراقبه من الجهة الأخرى، ويبدو أن صبر روسيا قد نفد بعد أن أدركت أن الغرب يرغب في ضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، وعزمت على دخول المنطقة ذات الأغلبية الروسية، فكان ذلك وظنت أنها قادرة على إنهاء مهمتها خلال أسبوعين، ولم تدرك مدى الاستعداد غير المتناهي لدعم أوكرانيا من قبل الغرب، فكانت الغلبة لروسيا في بادئ الأمر، ثم عادت أوكرانيا وصار التقدم من نصيبها، وبعد عناء ومرور أكثر من سنة، عادت روسيا إلى التقدم بفضل سرعتها في التعلم، وبناء مصانع جديدة، وتقنيات حديثة، وإدخال المسيرات في ميدان المعركة، التي كانت غافلة عنها سنين عديدة، مما حدا بها إلى التوجه إلى إيران لشراء بعض من مسيراتها البائسة، في وقت كانت فيه أوكرانيا تستخدم أفضل التقنيات فيما يخص المسيرات، كما أنها طورت مسيرات هجومية بعيدة المدى، واعتراضية ذات كفاءة، وكان الضرب من الجهتين محسوباً حتى لا ينفلت الزمام، ويصبح القتال أكثر اتساعا، وظل ذلك مدة طويلة، وكان التقدم الروسي بطيئا بشكل لافت.
في الفترة الأخيرة يبدو أن الحرب استعرت، وشب ضرامها، فانتقلت من أهداف عسكرية منتقاة إلى حرب ضروس تستهدف مصادر الطاقة، وسكك الحديد، والموانئ، وحتى المحال التجارية، والتجارة الإلكترونية، وغيرها، وقد أصبحت الحرب أخطر على العالم، أكثر مما كان يتوقعه الطرفان، ووقود هذه الحرب هو الشعب الأوكراني والروسي، الذي قتل منهما مئات الآلاف، واستنزف اقتصاد البلدين، وتحملت أوكرانيا ديونا لا قبل لها بها، ستكون أسيرتها سنين عديدة قادمة، ولا شك أن الحرب الإيرانية قد أوجدت ظروفا لم تسمح للولايات المتحدة بتوفير المضادات اللازمة لأوكرانيا بالمال الأوروبي، ويبدو أن المستقبل سيكون أكثر خطرا إذا ما استمر الوضع كما هو عليه.