أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
ما زلنا مع إشكالات الترجمة العَرَبيَّة في العصر الحديث، التي وصفناها بأنها مرآة صادقة للُّغة العَرَبيَّة المعاصرة، والوحدة العَرَبيَّة «المعاصرة» أيضًا. وعرضنا في المساقات الماضية بعض ما جاء في ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، نموذجًا. وذلك حول مادَّة (جازان)، للمستشرق الأميركي (جورج س. رنتز George Snavely Rentz، -1987)، من ترجمة (إبراهيم زكي خورشيد).
قال (ذو القُروح)، طيَّب الله قُروحه:
-ثمَّ اقرأ- وافهم إنْ استطعتَ، ولن تستطيع- هذه الجملة من الترجمة، بأخطائها الإملائيَّة: «وحدث في عهد الزيادية أن أخضع النجاحيَّة [في طبعة الشارقة: النجاحَّية] والمهدية، هم فوريق من المخلاف إن لم يكن الإقليم كله، لسلطان زبيد الإسمى[كذا بهمزة قطع وألف مقصورة!] أو الفعلى[كذا: بألف مقصورة!].»(1) وخيرًا لك دائمًا أنْ تعود إلى النصِّ الإنجليزي، لتفهم المراد:
Under the Ziyadids, the Nadjahids, and the Mahdids, parts of the Mikhlaf, if not the whole region, were at times brought under the nominal or real suzerainty of Zabid…(2)
فمعنى قول المترجِم: «هم فوريق من المخلاف»: «هما فرعان من المخلاف». ومن عدم الدِّقَّة في هذه الترجمة أنه لمَّا كتبَ (رنتز)(3):
Ahmad Djayzan (or al-Djayzani, …
ترجمَ المترجِمُ النَّصَّ هكذا: «أحمد جيزاني (أو الجيزاني...».
- فهل كان أمينًا في نقل ما كتب المؤلِّف؟
- إنَّما كتب المؤلِّف: «أحمد جيزان (أو أحمد الجيزاني،...». مشيرًا إلى أنَّه ربما نُسِب إلى (جيزان) بالإضافة: «أحمد جيزان». بدليل أنَّه سيذكر أنَّ بعض أحفاد هؤلاء الأعلام كانوا يلقَّبون بـ«ذَوِي جيزان». وفي موضع آخَر، جاء في نصِّ (رنتز)(4):
The principal crops are millets (dhura and dukhn) and sesame; other grains, cotton, and indigo are also grown… The climate is trying
فترجمه المترجِم هكذا: «والمحصولان الرئيسيان هما الذرة والدُخن والسمسم؛ وثمة حبوب أخرى تنمو وقطن ونيلة أيضًا... وجو جيزان عسير ترتفع فيه درجات الحرارة». فأوَّلًا هل (الدُّخْن) و(الذُّرَة) و(السِّمْسِم)، محصولان؟ أم ثلاثة؟! ثمَّ إنَّ من المعروف أنَّ كلمة (عسير) هي اسم منطقة مجاورة لمنطقة (جازان). أفما وجدَ المترجِم كلمةً أخرى غير «عسير»، تجنُّـبًا للَّبس، مثل: صعب، قاسٍ، شديد الحرارة؟! وفي موطن ثالث كتب المترجم: «وتشمل ولاية جيزان، وتسمى أحيانًا تهامة عسير». فصارت (جازان) «ولاية»! وهي «تسمى أحيانًا تهامة عسير»! ولم نسمع أنَّ جازان بمجملها تُسمَّى «تهامة عسير»، وإنْ كانت بعض أجزاء منها قد تُعَدُّ داخلة في ما يُسمَّى (تهامة عسير). غير أنَّ الكلام يظلُّ مضطربًا متداخلًا. فإذا رجعتَ إلى النصِّ الإنجليزي وجدتَه أقلَّ التباسًا. بل لقد حذفَ المترجِم منه ما يجلِّي التباسه، حيث جاء هكذا:
Djayzan province, sometimes called Tihamat Asir [see Asir and the accompanying map], …(5)
فلم يَقُل المؤلِّف: إنَّ جازان «ولاية»، بل: إقليم، أو منطقة. كما أنَّه أحال القارئَ إلى مادة (عسير) في «دائرة المعارف»، وإلى الخارطة المرافقة، ليتبيَّن المواقع والحدود. فقام المترجم بحذف هذا كلِّه؛ ولتدخُل )جازان( في )عسير(، ولا بأس!
ولمَّا تحدَّث المؤلِّف عن اللَّهجة في المنطقة، نقل كلامه المترجِم هكذا: «وتضم الولاية حدا لغويا مشهورًا: ففي ثغر جيزان وأبو عريش وإلى الجنوب فإن الصيغة القديمة «أم» للدلالة على أداة التعريف لا تزال شائعة.» وقد سُقنا النصَّ كما وردَ، بأخطائه وبلا ضبطٍ بالشكل. ومع ركاكة الصياغة، سيستوقفك الإبهامُ في العبارة «وتضم الولاية حدا لغويا مشهورًا»؟! في مقابل النصِّ الإنجليزي:
The province contains a noteworthy linguistic boundary…(6)
مشيرًا إلى استعمالٍ لَهَجِيٍّ محلِّي محدود، يتمثَّل في التعريف بـ(اِمْ)- لا (أم)- كما جاء في الترجمة. أمَّا «الحدُّ اللُّغوي»، فلا معنى له.
وفي هذه الترجمة العجيبة تقرأ أيضًا: أنَّه «يرد الاسم «جيزان» و«جازان» في حديث منسوب للنبي عليه الصلاة والسلام حيث ينوه بها مع ضَمَد وهو اسم واد إلى الشمال منها مباشرة.» وفي هذا افتراءٌ من المترجِم، من وجهَين: الأوَّل أنَّه لم يرِد لفظ «جيزان» في الحديث النَّبوي، بل «جازان»، كما في نصَّ الحديث، الذي أورده (يحيى بن آدم القرشي، - 203هـ= 818م)(7)، في كتابه «الخَراج»، وهو: «أنَّ رجلًا قال يا رسول الله إنِّي أُحبُّ الجِهاد والهجرة، وأنا في مالٍ لا يُصلِحه غيري، قال: فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلَّم: لا يَأْلِتُكَ اللهُ من عملك شيئًا ولو كنتَ بضَمَد وجازان.» وقد تقدَّم الكلام عليه في مساق سابق. والوجه الآخَر أنَّ (رنتز) لم يذكر ما نسبَه إليه المترجِم. وإليك نَصَّ رنتز(8):
The name Djayzan (Djazan) occurs in a hadith attributed to the Prophet…
ومن يفهم دلالات علامات الترقيم، يُدرِك أنَّ رنتز حين كتب: «الاسم جيزان (جازان) يَرِد في حديث...»، أراد إيراد الاسم كالمستعمل الدارج بين الناس «جيزان»، ثمَّ جعل الصيغة الواردة في الحديث النَّبوي بين هلالَين؛ تنبيهًا إلى أنَّ الاسم هكذا وردت صياغته في الحديث: «جازان». أمَّا المترجِم، فزَعمَ أنَّه «يرد الاسم «جيزان» و«جازان»»، في الحديث! وهما يرِدان هكذا معًا! حتَّى إنَّه لم يكتب «أو جازان»، مثلًا، بل عطفَ.
- مقدِّمًا إلى القارئ معلومةً بخلاف الحقيقة، تاريخيَّا ولُغويًّا، في ترجمةٍ تفتقر إلى الأمانة. فللَّهِ دَرُّه!
- ثمَّ ستقرأ كلامًا غير متَّسقٍ، هكذا: «بدأ أول الجيزانية صاحب المخلاف أحمد بن محمد سيرته العملية سنة 1141هـ...».
- «أول الجيزانية»؟!
- هكذا تجد في الترجمة. وإنَّما هو تصحيف «الخيراتيَّة»! وكثيرًا ما يصحِّف المترجِم أو الطابع كلمة «الخيراتي» إلى «الجيزاني»:
The first Khayratid master of the Mikhlaf, Ahmad b. Muhammad, also began his career in 1141/1728-9 as governor there for the Zaydis…(9)
كما أنه- لذلك الخلل الكتابي الذي رأيناه في مساق سابق، من عدم التفريق بين الألف المقصورة والياء- سيتعثَّر فهمك للمراد من نصِّ المترجِم اللَّاحق، الذي جاء فيه: «وكان خيرات جد أحمد فى عودته من مكة إلى أبو عريش قد أجرى عليه معاش من موارد ثغر جيزان رتبه له الإمام الزيدى المتوكل إسماعيل بن القاسم.» وستجد نفسك مضطرًّا أيضًا إلى العودة إلى النصِّ الأصليِّ لتفهم: مَن الذي أَجْرَى المعاش؟ ومن الذي أُجْرِي عليه؟
Ahmad)s grandfather Khayrat, on coming from Mecca to Abu Arish, had been assigned a stipend from the revenues of Djayzan port by the Zaydi Imam al-Mutawakkil Ismail b. al-kasim (d. 1087/ 1676)…(10)
فالذي أُجْرِي عليه الرَّاتب من موارد ميناء (جازان) هو: (خيرات)، والذي أَجْرَى الرَّاتبَ: الإمامُ الزَّيديُّ (المتوكِّل).
ثمَّ اقرأ قول المترجِم: «وكان الشريف الجيزانى حمود أبو مسمار أداة في اعتقال قوات محمد على باشا شيخ الهضبة الوهابى طامى بن شعيب الرُفَيْدى...». وبصرف النظر عن «الجيزانى... محمد على باشا... الوهابى طامى... الرُفَيْدى»، فإنَّك ستجد الغموض يكتنف حكاية «شيخ الهضبة الوهابى» هذا! حتَّى إذا وقفتَ على النصِّ الإنجليزيِّ وجدتَه مُبِينًا عن المعنى، هكذا:
The Khayratid Sharif Hamud Abu Mismar was instrumental in bringing about the capture by Muhammad Ali Pasha)s forces of the Wahhabi highland chieftain,Tami b. Shuayb al-Rufaydi…(11)
أي: أنَّه «كان للشَّريف الخيراتي [وليس «الجيزاني»!] (حمود أبي مسمار) دَورٌ فعَّال في أَسْرِ قوات (محمَّد علي باشا) زعيمَ الوهَّابيِّين في المرتفعات، (طامي بن شُعيب الرُّفَيدي).»
- ولذا لا مبالغة في القول: إن معظم الترجمات العَرَبيَّة لا تزيد القارئ العَرَبي بالمصادر الأجنبيَّة إلَّا جهلًا وخبالًا!
ـــــــــــــ
* مرفأ:
تَـهُبُّ الأَرْضُ قَاطِـبَـةً وظَلُّوا
بِـقَـعْـرِ الـقَــاعِ أَوْتَــادًا ثِـقَـالا
ألا حُـبٌّ يُـحَرِّكُهُـمْ؟ ولا فِـي
جَـهَـامِ الحَرْبِ بَـرْقُـهُـمُ تَـلَالا؟
فلا تَـرْحَلْ لِبُـغْـيَـتِـهِمْ ودَعْـهُمْ
عِـيَـالًا بِـئْـسَ لِلـبَـاغِـيْ عِـيَالا
كَـأَنَّ دِمـاءَهُمْ أَمْـسَتْ عَـصِـيْرًا
لِـشَارِبِـهَا، حَـلَالًا.. أو حَــلَالا
تَـبَـلَّـدَ فـي جَـرَاثِـمِـهِمْ تُراثٌ
خُـرَافِـيٌّ عَلَـيْـهِ الـدَّهْـرُ طَــالا!
ـــــــــــــ
(1) تُقارَن ترجمة: دائرة المعارف الإسلاميَّة، طبعة (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109- 115، بطبعة (الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري ، 1998)، 11: 3292- 3299.
(2) Rentz, George Snavely, (1991), The Encyclopaedia of Islam, Prepared by a number of leading orientalists, Under the patronage of the international union of academies. (Leiden: E. J. Brill), 2: 517.
(3) م.ن.
(4) 2: 516.
(5) م.ن.
(6) 2: 517.
(7) (1987)، كتاب الخراج، تحقيق: حسين مؤنس، (القاهرة/ بيروت: دار الشروق)، 115.
(8) 2: 517.
(9) (10) م.ن.
(11) 2: 517- 518.
** **
(العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)