د.عبدالإله آل سودا
تعود لفظة corpus (كوربس) في أصلها اللاتيني إلى معنى «الجسد»، وهو معنى أعمق من مجرد الكتلة المادية؛ إذ يحيل إلى كيان تتآلف أجزاؤه وتنتظم علاقاته بحيث يُنظر إليه بوصفه كلًّا متماسكًا. ومن هذا الأصل بقيت اللفظة حاضرة في لغة الطب والتشريح، كما في الجسم الثفني corpus callosum))، حيث تدل على بنية عضوية محددة داخل الجسد. ثم اتسعت الدلالة، فانتقلت اللفظة إلى ميادين المعرفة والقانون واللغة والأدب، وصار من الممكن أن يُنظر إلى مجموعة من النصوص أو الأعمال كما يُنظر إلى «جسد» له حدود وأجزاء وعلاقات داخلية. فإذا أردنا التعبير بالإنجليزية عن مجموع أعمال غازي القصيبي مثلاً؛ نقول:
Ghazi Algosaibi corpus للدلالة على مجمل أعمال غازي القصيبي، ونقول a corpus of English للدلالة على مدوّنة من النصوص الإنجليزية. وهكذا انتقلت الكلمة من الجسد المادي إلى الجسد النصي؛ من كيان يُفحص تشريحيًا إلى كيان يُفكَّك لغويًا أو أدبيًا أو معرفيًا. ولعل هذا التاريخ الدلالي يفتح بابًا أوسع من مجرد البحث في أصل كلمة؛ إذ يقودنا إلى سؤال منهجي جوهري: ماذا نسمّي المادة التي يضعها طالب الماجستير أو الدكتوراه أمامه ليشتغل عليها؟ أهي مصدر؟ أم متن؟ أم مدوّنة؟ أم بيانات؟ وماذا يحدث لهذه المادة حين لا تعود شيئًا نرجع إليه فحسب، بل تصبح مجالًا مضبوطًا يستنطقه سؤال بعينه؟
ليس هذا السؤال من فضول الاصطلاح، لأن الاسم الذي يُطلَق على المادة ليس وصفًا محايًدا يُلحق بها بعد اختيارها، وإنما هو فعل معرفي يحدّد منذ البدء طبيعة العلاقة التي سيقيمها الباحث معها، ويرسم حدود المنهج الذي سيسلكه، ويؤثر في نوع الأدلة التي سيستخرجها منها وفي أفق النتائج التي يستطيع الدفاع عنها. وما يبدو لأول وهلة اختلافًا بين ألفاظ متقاربة: «مصدر»، و«متن»، و«مدوّنة»، و«مادة دراسة»، و«بيانات»؛ يكشف عند التدقيق عن مستويات مختلفة من النظر إلى الشيء نفسه: مرة من حيث موقعه في سلسلة المعرفة، ومرة من حيث طبيعته، ومرة من حيث الوظيفة التي يؤديها داخل البحث.
ولنأخذ ديوان المتنبي مثالًا. يمكن أن يكون الديوان مصدرًا أوليًا، إذا كان الباحث يرجع إلى شعر المتنبي نفسه في مقابل الدراسات النقدية التي تناولته؛ ويمكن أن يكون متنًا أو مدوّنة نصية، إذا كان الباحث يعامل قصائده بوصفها جسدًا نصيًا يريد استخراج ظواهره وأنماطه؛ ويمكن أن يغدو -وفق الاصطلاح الذي أقترحه هنا- بُحَاثَـة، وذلك حين تُضبط منه أجزاء أو ظواهر بعينها، ثم تُستنطق للإجابة عن إشكالية محددة. فالمادة نفسُها قد تبقى واحدة، غير أنّ وضعها المعرفي يتبدل بتبدل السؤال الذي يوجَّهُ إليها، والوظيفة التي تؤديها في بنية البحث.
وأوسع هذه التسميات وأرسخها في الخطاب الأكاديمي مصطلح المصدر الأولي أو المصدر الأساسي (Primary Source). وهو لا ينصرف في المقام الأول إلى ماهية المادة، وإنما إلى موقعها في سلسلة إنتاج المعرفة. فالمصدر الأولي هو المادة التي يواجهها الباحث مباشرة بوصفها أصلًا بالنسبة إلى السؤال الذي يدرسه: قد تكون مخطوطة، أو وثيقة تاريخية، أو ديوان شعر، أو رسالة شخصية، أو مقابلة ميدانية، أو تسجيلًا، أو نتائج تجريبية أصلية. وفي مقابلها تأتي الدراسات والتفسيرات التي عالجت تلك المادة، وهي ما يوصف عادة بالمصادر الثانوية (Secondary Sources). ولهذا فقولنا إن ديوان المتنبي «مصدر أولي»؛ لا يخبرنا بعدُ كيف سيحلله الباحث، وإنما يخبرنا بموقع الديوان من بنية الاستدلال؛ فهو -هنا- الأصل الذي يعود إليه البحث، لا كلام باحث آخر عن ذلك الأصل.
ومن هنا يظهر قصور استعمال «المصدر الأولي» وحده للإجابة عن كل سؤال يتعلق بالمادة البحثية. فإذا كان البحث أدبيًا أو لغويًا وأصبحت مجموعة من النصوص هي المجالَ المباشرَ للتحليل؛ برز مصطلح «المدوّنة» أو «المدوّنة النصية» (Corpus). وفي استعماله العام يمكن أن يدل corpus على مجموعِ أعمال شخص أو يدل على مجموعة نصوص يُنظر إليها كوحدة، ولذلك يصح الحديث عن مدوّنة شاعر أو كاتب، بل عن مجموع إنتاج موسيقي أو فكري. أما في لسانيات المدوّنات واللسانيات الحاسوبية، فإن مصطلح المدوّنة (Corpus) يكتسب معنى اصطلاحيًا أكثر تحديدًا؛ إذ لا يُراد به مجرد مجموعة من النصوص جُمعت في مكان واحد، بل مجموعة نصية يُنشئها الباحث أو يعتمدها وفق غرض بحثي معلوم ومعايير محددة للاختيار والتنظيم. فإذا أراد، مثلًا، دراسة لغة الصحافة السعودية في عقدٍ معين، لم يكن كل ما يجمعه من نصوص صحفية مدوّنةً بالمعنى المنهجي الدقيق، حتى يحدد الفترة الزمنية، وأنواع الصحف أو المواد الصحفية الداخ لة في الدراسة، وحجم النصوص، وطريقة اختيارها، ومدى تمثيلها للظاهرة التي يريد بحثها. وقد يُراعى في بناء المدوّنة التوازن بين أنواع النصوص أو مصادرها، والتمثيل بحيث تعكس المادةُ المختارةُ المجالَ اللغوي المراد دراسته على نحو مناسب. وغالبًا ما تُهيَّأ هذه النصوص في صورة رقمية تسمح للحاسوب بالبحث فيها، وحساب تواتر الكلمات والتراكيب، واستخراج السياقات والأنماط اللغوية ومقارنتها. ومن ثَـم فالفرق بين المجموعة النصية (Collection) والمدوّنة (Corpus) أن الأولى قد تكون مجرد تجميع للنصوص، أما الثانية فهي مجموعة نصوص اختيرت ونُظِّمت وضُبطت وفق تصميم بحثي يجعلها صالحة للتحليل المنهجي.
وهنا ينبغي التمييز بين المعنى العام لكلمة corpus وبين معناها الاصطلاحي الدقيق في لسانيات المدوّنات؛ فليس كل ما يُسمّى corpus مدوّنةً حاسوبية بُنيت وفق معايير التمثيل والتوازن وأُعدّت للتحليل الإحصائي. فعندما يقال Ghazi Algosaibi corpus، فالمقصود مجمل أعمال غازي القصيبي منظورًا إليها بوصفها وحدةً أو مجموعةً متكاملة، من غير أن يستلزم ذلك أنها جُمعت وفق تصميم إحصائي أو أُعدّت للمعالجة الحاسوبية. وكذلك قد تَرِد كلمة corpus في اسم مشروع علمي، كما في Corpus Coranicum، من غير أن يكون المقصود بها مدوّنة التحليل (analysis corpus) بالمفهوم التقني المستخدم في لسانيات المدوّنات. ومن ثمّ فإن corpus لفظة أوسع دلالة من «المدوّنة الحاسوبية»؛ فهي تحتفظ في استعمالاتها المختلفة بفكرتها الأصلية، أي مجموعة من المواد يُنظر إليها بوصفها كيانًا مترابطًا أو وحدةً قابلة للدراسة، ثم تتحدد دلالتها الأدق ووظيفتها المنهجية بحسب الحقل والسياق الذي تَرِد فيه.
ويتضح ذلك عند مقارنة ثلاثة استعمالات؛ ففي عبارة مثل Ghazi Algosaibi corpus تكون corpus وصفًا عامًا لمجموع الأعمال بوصفها كيانًا يمكن النظر إليه في كليته. أما في مدوّنة التحليل (corpus) في لسانيات المدونات، فهنا ندخل المستوى الإجرائي حيث يبني الباحث مدوّنة تمثل الخطاب أو الظاهرة التي يريد تحليلها، ثم قد يقابلها بمدوّنة مرجعية (reference corpus) ليعرف مثلًا هل لفظة أو تركيب أو سمة أسلوبية أكثر بروزًا في مدونة بحثه منها في استعمال لغوي أوسع. فإذا كان التعبير يتكرر في مدونة البحث بمعدل أعلى بكثير من المدونة المرجعية، أمكن للباحث الانتقال من الانطباع إلى دليل قابل للقياس. ومن هنا نشأت المدونات العامة الكبيرة، إلى جانب المدونات الخاصة التي يبنيها الباحث وفق حاجته ويحللها ببرمجيات متخصصة.
أما في اسم Corpus Coranicum (المدونة القرآنية) فنحن أمام استعمال آخر ينبغي ألا يُخلط بالاستعمال السابق. فهذه العبارة اسم لمشروع بحثي، وليست مرادفًا تقنيًا لـanalysis corpus. وتحمل كلمة corpus فيه معنى الجسد النصي أو المادة النصية المركزية التي تنتظم حولها أعمال بحثية وفيلولوجية وتاريخية ومخطوطية متضافرة. ومن ثم يمكن أن يكون corpus وصفًا لمجموعة نصية، أو مفهومًا تقنيًا في تحليل المدونات، أو جزءًا من اسم مشروع مؤسسي واسع. والسياق هو الذي يحدد أي هذه الدلالات مراد.
وإذا انتقلنا من النصوص إلى العلوم الاجتماعية والتجريبية وجدنا أن لغة المادة تتغير مرة أخرى. فحين تكون المادة مشاهدات أو قياسات أو استجابات أو سجلات قبل إخضاعها للتحويل والتحليل، يصبح الحديث عن البيانات الخام (Raw Data) أنسب من الحديث عن «مدوّنة». وقد تُستقى هذه البيانات من عينة (Sample) اختيرت من مجتمع الدراسة (Population)، فتظهر سلسلة منهجية مختلفة: مجتمع تُختار منه عينة، وتُجمع من هذه العينة بيانات، ثم تُنقَّح البيانات أو تُرمَّز أو تُحلل. والعينة هنا ليست مرادفًا للبيانات؛ فهي الأشخاص أو الوحدات المختارة للدراسة، في حين أنّ البيانات هي المعطيات المستخرجة منها. وهذا مثال آخر على أن حسن التسمية يمنع خلط مراحل البحث بعضها ببعض.
غير أن جميع هذه الألفاظ: المصدر الأولي، والمدوّنة، والمتن، والبيانات الخام؛ تصف المادة من زوايا مختلفة، ويبقى سؤال آخر: ماذا نسمّي المادة بعد أن يقتطعها السؤال البحثي من عالمها الأوسع، ويضبط حدودها، ويجعلها الموضع المباشر للاستقصاء؟ هنا تظهر الحاجة إلى لفظة عربية تصف الوظيفة البحثية لا الطبيعة المادية، ومن هذه الحاجة يمكن اقتراح مصطلح البُحاثة، وجمعه بُحاثات.
البُحاثة، وفق هذا الاقتراح، ليست اسمًا جديدًا للمصدر الأولي، ولا ترجمة بديلة لـcorpus ، ولا مرادفًا للمتن أو البيانات؛ إنها وصف لحالة المادة حين تُفعَّل بحثيًا. فالكتاب الموجود على الرف مصدر محتمل، ومجموع نصوصه قد يكون مدوّنة، ولكن حين يأتي الباحث فيحدد منها ما يدخل في نطاق دراسته، ويستبعد ما لا يدخل، ويضبط الفترة أو النوع أو الظاهرة، ثم يوجّه إلى هذه المادة سؤالًا مخصوصًا، فقد أصبحت في الاصطلاح المقترح بُحَاثة: أي المادة المحددة التي أصبحتْ موضوعًا مباشرًا للفحص والاستقصاء.
وهذا التمييز بين طبيعة المادة ووظيفتها هو الذي يمنح المصطلح قيمته. فقد تكون البُحاثة مدوّنة شعرية، وقد تكون مجموعة وثائق تاريخية، وقد تكون تسجيلات مقابلات، وقد تكون بيانات تجريبية. إنها لا تقول لنا «ممَّ تتكون المادة؟» بقدر ما تقول: «ما المادة التي عزلها هذا البحث وجعلها موضع استنطاقه المباشر؟». ومن ثم يمكن للمصدر نفسه أن يدخل في بُحاثات مختلفة؛ فديوان المتنبي قد يصبح بُحاثة لدراسة المكان، ثم بُحاثة أخرى لدراسة الحجاج، ثم بُحاثة ثالثة لدراسة الأبنية الشرطية، مع بقاء المصدر الأولي واحدًا. فالذي تغير ليس الكتاب، وإنما السؤال الذي أعاد تشكيل حدود المادة ذات الصلة.