صبحي شبانة
دخلت الحرب السودانية مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، بعدما تركزت المواجهات تدريجيًا من الخرطوم والوسط إلى كردفان ودارفور، في وقت حققت فيه القوات المسلحة السودانية تقدمًا ميدانيًا على أكثر من محور، بينما كثفت قوات الدعم السريع هجماتها البرية واستخدام المسيرات في محاولة لتعويض خسائرها الميدانية، مع استمرار تبدل موازين السيطرة الميدانية، لم تعد المعركة محصورة في سؤال من يسيطر على العاصمة، وإنما أصبحت مرتبطة بمستقبل السودان نفسه، وبما إذا كانت الحرب ستنتهي بتسوية تحفظ وحدة الدولة ومؤسساتها، أم بتكريس واقع جغرافي وسياسي منقسم متشظ، ومع دخول الحرب عامها الرابع، لم يعد استمرار القتال مجرد نزاع عسكري يمكن حسمه بتغير خطوط الجبهة، فالسودان يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، فيما تتسع رقعة النزوح والاحتياجات الإنسانية، وتتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى ترسيخ انقسام فعلي بين مناطق نفوذ متنافسة، وفي ظل هذا الواقع، يصبح وقف الحرب ضرورة لا تحتمل التأجيل، لكن الأهم أن يكون وقفًا يقود إلى سلام مستدام، وليس هدنة مؤقتة تسمح للقتال بأن يستأنف من جديد.
يبرز الدور السعودي في هذه المرحلة باعتباره أحد أهم مفاتيح أي جهد جاد لإنهاء الحرب، فالمملكة ليست طرفًا في الصراع، لكنها تمتلك ما لا يتوافر لكثير من الأطراف الأخرى: علاقات تاريخية مع السودان، وثقلًا إقليميًا ودوليًا، فضلًا عن الخبرة التي اكتسبها مسار جدة منذ انطلاقه في 2023، حين جلست القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى طاولة التفاوض برعاية سعودية وأمريكية، ولم تكن استضافة جدة للمفاوضات مجرد مبادرة دبلوماسية عابرة، وإنما مثلت محاولة مبكرة لوقف الانزلاق نحو حرب طويلة، ووضع قواعد لحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وقد أصبح إعلان جدة للالتزام بحماية المدنيين أحد أبرز الوثائق التي يمكن البناء عليها في أي عملية تفاوضية جديدة، لأنه وضع التزامات واضحة على طرفي الصراع تجاه المدنيين والقانون الدولي الإنساني.
اليوم وبعد سنوات من القتال، تبدو الحاجة إلى إعادة إحياء هذا المسار أكثر إلحاحًا، ولكن على أساس مختلف يأخذ في الاعتبار التحولات الكبيرة التي طرأت على الميدان، فالمسألة لم تعد مجرد البحث عن اتفاق لوقف إطلاق النار، وإنما البحث عن صيغة متكاملة توقف القتال، وتحمي المدنيين، وتضمن وصول المساعدات، وتحافظ على مؤسسات الدولة، ثم تفتح الطريق أمام عملية سياسية سودانية شاملة، وهذه نقطة جوهرية في أي مقاربة جادة للأزمة السودانية؛ لأن وقف الحرب لا يعني بالضرورة صناعة السلام، قد تتوقف المدافع، لكن أسباب الصراع تبقى قائمة، وقد تتغير مواقع القوات من دون أن تتغير طبيعة الأزمة، ولذلك فإن أي تسوية لا تتعامل مع مستقبل الدولة السودانية ومؤسساتها وترتيباتها الأمنية والسياسية ستظل معرضة للانهيار عند أول اختبار.
إن الدور السعودي في السودان لا يستمد أهميته من حجم المملكة أو ثقلها السياسي فقط، وإنما من طبيعة موقعها في الأزمة، فهي ليست طرفًا في الحرب، وقد احتضنت منذ بدايتها محاولات التفاوض، وتملك علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، وهذه عناصر تجعلها مؤهلة للقيام بدور أكبر في المرحلة المقبلة.