إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
في عمق المشهد الفني المتجدد يظل دعم المواهب الفنية الشابة والصاعدة بمثابة الشريان الحقيقي الذي يمد الفن بالحياة ويمنحه قدرة لا تنضب على تجديد دماء الإبداع واستكشاف آفاق جمالية غير مطروقة.
إن الاحتفاء بهذه الطاقات الواعدة ليس مجرد خطوة تشجيعية عابرة أو خيارا ثانوياً، هو استثمار رصين في عقول تملك الجرأة الكافية على التجريب وتجاوز الأطر الأكاديمية الصارمة وتختزن في أعماقها أساليب مبتكرة ومواهب دفينة تنتظر الفرصة لتفصح عن نفسها بجمالية آسرة وتترك بصمتها الخاصة في ذاكرة المشهد التشكيلِي.
ومن هذا المنطلق يواصل جاليري نايلا دعمه للفنانين الشباب من خلال إقامة المعرض السنوي «آرت الرياض» الذي بات محطة فنية مرتقبة تُعنى كلياً باستقطاب هذه الفئة الشبابية وترجمة تطلعاتها التشكيلية وتوجيه شغفها نحو بوصلة الاحتراف. وفي نسخه المتتالية نجح المعرض في أن يكون البوتقة التي تصهر التجربة الشابة بالخبرة العرضية الاحترافية متوجاً هذه النسخة بافتتاح متميز وحضور جماهيري ونقدي مكثف تلاقت فيه أفكار وثقافات أربعة وثلاثين فنائاً وفنانة يمثلون نبض الجيل الصاعد وهم: أفراح بافيطيم، بسمه الصقعبي، جواهر آل الشيخ، حسن سالم، ديباشيس روت، ربا ابوشوشة، رنيم حجازي، روان الغفيلي، سلمى مقدادي، عائشة زايد، عبدالعزيز طاهر، عبدالله الحمدي، عبدالله طلال، غادة باسودان، غدير ابو بوخا، فاطمة محي الدين، فاطمه أحمد، فاطمه محمد الزهر، كلوي فان دير كيندر، لمياء العريفي، لولو الغفيلي، محمد بن عبيد، محمد الريس، مضر دوارة، منال السويلم، ندى العويد، نورة الخراشي، نوره البوعينين، نوره الطريفي، هند الكليبي، هيا العتيبي، وجدان، يارا الخليفي، غيم.
ما إن تطأ أقدام الزائر عتبة المعرض حتى يجد نفسه منغمساً في رحلة فنية تأخذه بين ممرات تفوح منها رائحة الألوان ودفء الوسائط المتعددة، حيث تتنفس الجدران البيضاء الناصعة بتنوع بصري ينبض بالتفاصيل والتضاد الجمالي. تبدأ الدورة البصرية عند لوحات تشخيصية دافئة تستوقفك بتعبيرات وجوهها النبيلة وصمتها البليغ تتأمل فيها ملامح دقيقة نُفذت بطبقات ناعمة ومدروسة من الأكريليك والألوان الزيتية لتهمس بأسرار الهوية وذاكرة المكان وكأن تلك الوجوه تنظر إليك بعيون مليئة بالقصص والسكينة تضيئها قناديل قديمة منسوجة بظلال وضاءة تُحيل الزائر مباشرة إلى حنين الأمس وعمق الانتماء الإنساني.
وتتسع الخطوات لتأخذك المسارات نحو مساحات تجريدية تتصاعد فيها درجات التباين الضوئي والتعبير الحر حيث تتجاور الكتل اللونية البارزة بسماكات مختلفة على سطوح الكانفاس لتخلق إيقاعاً موسيقياً بصرياً تتصارع فيه الألوان الحارة من الأحمر الصريح والأصفر التناغمي مع هدوء المساحات المحايدة والعتمة التجريدية لتترك للمشاهد مطلق الحرية في استقراء المشاعر العميقة وتأويل التراكيب الهندسية التي انطلقت بعيداً عن قيود المحاكاة المباشرة للشكل التقليدي.
وفي زاوية أخرى من هذا الفضاء الفسيح والممتد تتجلى أعمال تستحضر المدارس التعبيرية بأسلوب معاصر ينضح بالحيوية الشبابية حيث تتجسد الشخصيات في لوحات قوامها الاستطالة الرشيقة والتبسيط الجمالي المستوحى من فنون البوب والغرافيك الحديث رُسمت فيه الوجوه بأناقة استثنائية وعيون مغمضة تُوحي بالتأمل والهدوء الداخلي تزينها تفاصيل مرحة من إكسسوارات ونظارات شمسية عريضة وعصابات شعر ملونة ذات أشكال صيفية ممزوجة بلمسات ناعمة تعكس روح الحياة الحديثة وشغف الشباب بجماليات الموضة والأسلوب البصري المبسط.
وعلى مقربة من هذه التجارب الحضرية ينتقل البصر تلقائياً إلى عالم آخر يعيد قراءة التراث والتاريخ الإقليمي بأسلوب مهيب يفيض بالوقار حيث تستقر لوحات بانورامية تُجسد القلاع الطينية والآثار القديمة تحت سماء مزخرفة أنسجتها أنماط هندسية دقيقة وألوان زاهية تتقاطع فيها ظلال المباني مع الضوء الشمسي الدافئ الذي ينسكب على تفاصيل الحجارة والأبواب الخشبية القديمة. تنجح هذه الأعمال في نسج حوار متوازن بين أصالة الماضي الثري وروح الفرشاة العصرية التي تستخدم خطوطاً حادة وألواناً ترابية تثبت جمالية البيئة المحلية وعمق جذورها التاريخية في المخيلة التشكيلية.
وفي اتجاه آخر، تثبت أعمال الأساليب الانطباعية والتأثيرية حضورها القوي عبر لوحات تصور المشاهد الحضرية والحياة اليومية للمجتمع من مقاهٍ حيوية تعج بالحركة وأسواق شعبية تفيض بالدفء حيث تتراقص ضربات الفرشاة السريعة لتلتقط لحظات عابرة من تجمعات الناس وضوضاء الأماكن المفضلة مصحوبة بمعالجات لونية مبهجة تتراوح بين الألوان الباردة والدافئة تعكس شغف الفنان بالشوارع والناس والتفاصيل الإنسانية البسيطة التي تشكل نسيج الحياة اليومية.
تستمر اللوحات في سرد حكاياتها البصرية فيستوقف المتلقي ذلك التنوع البديع في استخدام الوسائط حيث يمتزج الرسام بالنحات وتلتقي الألوان بالخامات الخشنة كالرمل والخرق والمواد التجميعية لتبني لوحات تركيبية ذات ملمس بارز يحفز حاسة اللمس قبل البصر. هذه الأعمال تجعل المشاهد يتأمل في فلسفة المادة وكيف يمكن للشيء المهمل أو البسيط أن يتحول تحت فرشاة الفنان الشاب إلى قطعة فنية تحمل في طياتها دلالات عميقة عن الزمن والتحول والإعادة كما لا تغيب المدارس السريالية التي تعتمد على مفردات الحلم وتجميع عناصر غير متوقعة في مساحة واحدة مما يخلق حالة من الدهشة والاستغراب ويحث الزائر على التفكير المتأمل في الرموز ودلالاتها الفلسفية والنفسية.
تتنقل اللوحات أيضاً بين التباينات الحادة في الدرجات اللونية، فمن اللوحات التي تعتمد على مدرسة اللون الواحد واستكشاف درجات الظل والنور بدقة عالية إلى اللوحات الانفجارية التي تعج بالألوان المتضادة مما يعكس الحالة النفسية الشابة والتنوع الفكري الذي يشهده المعرض. هذا التنوع لا يعكس فقط التباين في القدرات التقنية بين الفنانين المشاركين، لكنه يشير بشكل واضح إلى حرية التعبير والتجريب التي كفلها المعرض كمنصة مفتوحة لمختلف المدارس دون فرض اتجاه محدد، مما سمح لـ 34 تجربة بأن تنمو وتتجاور جنبًا إلى جنب في تناغم بصري فريد.
مع نهاية هذه الجولة البصرية الشاملة والملهمة بين جنبات الجاليري يتضح جلياً أن المعارض الجماعية مثل «آرت الرياض» لا تمثل مجرد حدث فني عابر أو مجرد مساحة مؤقتة لعرض اللوحات والأعمال الفنية، هي الحاضنة الفردية والركيزة الأساسية التي تصنع الخطوة الأولى الحقيقية لكل فنان شاب يخطو بثبات نحو عالم الاحتراف الفسيح. إن الوقوف أمام الجمهور المتنوع والمقتنين والمهتمين والنقاد في منصة برعاية جاليري عريق يمنح هؤلاء الفنانين الصاعدين الجرأة الكافية لمواجهة السوق الفني بثقة وثبات ويصقل مهاراتهم الحوارية والجمالية من خلال التفاعل المباشر مع انطباعات المشاهدين وتقييماتهم.
إنها التجربة الحيوية المتكاملة التي تبني ثقة المبدع بنفسه وبمشروعه الفني وتدفعه لمواصلة التجريب والابتكار والبحث عن نسقه الخاص مؤكدة أن الاستمرار في دعم مثل هذه المواهب الشابة هو السبيل الأكيد والمستدام لتغذية المشهد الثقافي والتشكيلي برؤى جديدة تضمن استمرارية الفن وتجدده وديمومته عبر الأجيال.
** **
تويتر: AL_KHAFAJII