د. تنيضب الفايدي
بعض المواقع اندثرت أو فقدت شهرتها وأهميتها تاريخياً، فلاتعرف الآن بين أصحابها، وهي هامة جداً؛ لأنها جزء من الوطن الغالي ويرتبط بعضها بالسيرة أو حوادث تاريخية، كما يضمُّ معالم تاريخية، فنشرها بين الأجيال الحالية والمستقبلية أصبح ضرورة، وقد مارس الكاتب أعواماً عديدة بمتابعة جميع آثار الوطن الغالي، حيث بدأ ينشرها مع الصور في جريدة المدينة المنورة صفحة كاملة، ثم في مجلة الحج حيث ينشر كلّ شهر بحثاً عن تلك المآثر والآثار واستمرت أحد عشر عاماً.
ومن تلك الأماكن أفيعية والتي كانت محطة معروفة على درب زبيدة، ودرب زبيدة من أهم طرق التجارة والحج في العصر الاسلامي، وسبب تسمية هذا الطريق بدرب زبيدة ؛ لأن لها أعمال كثيرة في إقامة بعض المنشآت على هذا الطريق، حيث يُنسب لها ما يقارب 11 محطة ومنـزلاً على الطريق. ولها أعمال جليلة حتى في مكة المكرمة ومن أهم أعمالها حفرها عين زبيدة التي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم. فبعد فتح العراق وانتشار الإسلام في الشرق استخدم هذا الطريق منظماً حيث حفرت الآبار على طول الطريق، و جُهزت مناهل المياه، وأنشئت البرك والأحواض، وأماكن الرعي ومكان الاستراحات للقوافل والأسواق، وهكذا بدأ الطريق يزدهر بالتدريج حتى وصل في العصر العباسي المبكر في أوج ازدهاره، نظراً لوجود الأمن، ولأنه أصبح حلقة اتصال مهمة بين عاصمة الخلافة للعباسيين في بغداد والحرمين الشريفين وبقية أنحاء الجزيرة العربية.
ودرب زبيدة ينطلق من الكوفة إلى مكة المكرمة باتجاه الجنوب مخترقاً المناطق المعروفة اليوم: الحدود الشمالية، حائل، القصيم، المدينة المنورة، ثم إلى مكة المكرمة، ويلتقي طريق الكوفة مع طريق البصرة في موضع معدن النقرة حيث يتفرع منه طرق رئيس يتجه إلى مكة المكرمة (وهو استمرار لدرب زبيدة) وطريق رئيس آخر يتجه إلى المدينة المنورة. ويخترق درب زبيدة الجهة الشرقية من منطقة المدينة المنورة والمحطات الرئيسة والاستراحات والمنازل الواقعة في نطاق المنطقة على امتداد هذا الطريق هي: الجفنيّة، الماوان، الصقعاء، الربذة، حمضان (الروثة)، الوسنة، السليلة، البريكة (الضبّة)، العمق، معدن بني سليم، ضليع الشق (كراع)، وأفيعية، خبراء الحاج (الكبوانة)، ومن ثم يتجه الطريق إلى فيضة المسلح بمنطقة مكة المكرمة، وعلى امتداد طريق تشاهد آثار مباني المحطات والمنازل، والبرك والآبار، والسدود، والأعلام؛ وتتميز المناطق التي يجتازها الطريق بتوفر المراعي وتنوع المعالم الجغرافية من جبال وحرار وأودية ومراع.
وتقع قرية أفيعية حالياً - وتسمى تاريخياً وجغرافياً أفاعية- في منطقة صحراوية تحت نطاق محافظة الحائط التابعة لمنطقة حائل، وتبعد عن مدينة حائل مسافة تقدر بنحو 170 كيلومتراً باتجاه الجنوب الغربي، وكانت محطة أثرية هامة على درب زبيدة وتضم معالم مائية وتاريخية عريقة تعود للعصر العباسي.
تبعد أفيعية إلى الجنوب الغربي من آثار ضليع الشق بحوالي 31 كيلاً، وتقع أفاعية في سهل منخفض يتوسط بين جبل أفاعية وجبل أم الغيران. وقيل: أن الأفيعية سميت بكثرة حيّاتها، الأفاعي، وهي ذو النخل، قال نُصيب ينعـت جمله:
وجُنّ جنوناً كادَ يُذهِبُ عقْلَهُ
مع الصُّبح أنْ صَوصاً بذي النّخل ثعلبُ
ونظراً لشهرتها وأهميتها حيث كانت منهل و محطة معروفة في درب زبيدة، فقد جاء اسم أفيعية في كتب الجغرافيا والتاريخ والمعاجم العربية القديمة، خاصةً الذين رصدوا طريق حج الكوفة حيث ذكرها الحربي فيقول: «الأفيعية وادي النجل، والنجل قرية أسفل صفينة بين أفيعية وأفاعية، وهي مرحلة من مراحل طريق مكة، بها ماء مالح». ولعلّ أفيعية هو أفاعية نفسه مكانٌ معروف على درب زبيدة الأثري، ومعروف لدى السكان المحليين بنفس الاسم، وربّما حوّل الألف بالياء أثناء النطق كما حدث في السويرقية حيث أصلها السوارقية، لأن أفيعية غير معروفة لدى الأهالي.
وقد ذكر الحربي أفيعية في الشعر في بيان منازل طريق مكة والمدينة حيث يقول:
ثم توجهنا إلى أفيعية
مقوّضين الخَيْم بعد الأبنية
أمامنا (ـواسا) بالتسوية
كالخيل، لما قدمت، لتعبيه
وبيننا ذات نوال مُغنِيَهْ
تعطى ولا تحسب تلك الأعطيه
ولا تزال للكثير مجزيه
أجرتْ لمن حَجّ مياهاً مرويه
وذكر ابن رستة بأن أفيعية تقع على بعد 32 ميلاً من معدن بني سليم وقال بأنها: «منـزل عامر كثير الماء من البرك والآبار».
ويقول الحربي: «ومن أفيعية إلى المسلح ستة وعشرون ميلاً ونصف، وهو لقوم من آل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وآل الزبير رحمة الله عليه ولقوم من بني سليم، وبها بركة ماء مربعة تعرف ببركة الوادي، وبركة مدورة، وهي أعلى الجبل على مقدار ميل من المنزل بركة هرار، ولها مصفاة، وبأفيعية من الآبار جماعة آبار غليظة الماء».
ووصفها ياقوت الحموي بأنها: «منهل لسليم من أعمال المدينة في الطريق النجدي إلى مكة من الكوفة».
كما يذكرها الحربي في تحديد موقع الكبوانة حيث يقول: « على اثني عشر ميلاً ونصف من أفيعية قريب من المشرق يسرة، بركة تسمى الكبوانة.
ويقول في موضع آخر: «وبين أفيعية والغمرة طريق يختصره من لايريد المسلح، يعدل من الغمرة على أحد عشر ميلاً، عند الميل المكتوب عليه أربعة، من البريد. وعلى ستة أميال من المسلح».
ويقول أيضاً: «وعلى خمسة أميال من أفيعية جبل الراكب، صغير، عليه شبيه بالرجل الراكب، يمنة المصعد. والقراد على ميلين منها، وهي الأكمة، وتسمى اليسار.
وذكرها الهمداني وهو يصف طريق الحاج ومسمياته ومسافاته بتقدير الأميال حيث قال: «ومن أخذ الجادة من مكة إلى معدن النقرة فمن مكة إلى البستان 29 ميلاً، ومنه إلى ذات عرف 24 ميلاً، ومنها إلى الغمرة 20 ميلاً، ومنه إلى الأفيعية 28 ميلاً، ومنها إلى حرة بني سليم 26.5 ميلاً، منها إلى العمق 22 ميلاً، ومنه إلى السليلة 13 ميلاً ونصف ميل، ومنها إلى الربذة 23 ميلاً، ومنه إلى الماوية 26 ميلاً. كما ذكر أفيعية عند ذكر معدن بني سليم: بأنه معدن المحجة لوقوعه على طريق بين العمق وأفيعية.
ويقول د. الراشد: «ويعدّ موقع مهد الذهب من محطات الحج التي ازدهرت في العهد العباسي، وبعدها يسير الطريق ناحية الجنوب الغربي فيستمر مسافة قصيرة في وادي سيلا ثم يمر قرب جبل ريان، ومن هذا الموضع يتفرع عدد من الطرق، فمنه إلى المدينة، ومنه إلى مكة المكرمة عن طريق صفينة وحاذة، أو عن طريق الأفيعية».
وقال البلادي: «بالضم ثم الفتح والعين المهملة: قال ياقوت: منهل لسليم من أعمال المدينة في الطريق النجدي إلى مكة من الكوفة، وجاء في المناسك: الأفيعية سميت بكثرة حياتها، الأفاعي.
ويحدث كثيراً الخلط بين أفيعية وأفاعية، وهما متقاربان، وبها بركة ماء مربعة تعرف ببركة الوادي، وبركة مدورة، وهي أعلى الجبل، وعلى مقدار ميل من المنزل بركة هرار، ولها مصفاة: وبأفعية من الآبار جماعة آبار غليظة الماء.
وكما قلت بأن أفيعية كانت منهلاً ومحطة تاريخية على درب الحج الكوفي (درب زبيدة) فقد أقيمت عليها مثل المحطات الأخرى الخانات لراحة الحجيج، والبرك والسدود والقنوات لسقياهم، والقلاع والحصون للدفاع عنهم، وحفظ أمنهم، وقد تحتوي أفيعية على بقايا أثرية تعود للعصر الإسلامي المبكر، فمن آثار (أفيعية) أفاعية الباقية بركة مربعة الشكل كبيرة الحجم يصل حجمها حوالي 41×41 متراً وتتغذى البركة من شعيب وهدان. ونظراً لأن البركة مندفنة تماماً عدا أطرافها العلوية فإنه يصعب معرفة عمقها، ويبرز جدارها الخارجي الذي يبلغ سمكه إلى حوالي 1.05متر، ويلاحظ أن البركة مزودة بأكتاف نصف دائرية على أضلاعها الأربعة يبلغ مجموعها 24، ويدعم كل ركن من أركان البركة من الخارج كتف شبه دائري. ويبدو أن سلم البركة وضع في منتصف الضلع الشرقي للبركة. وهناك فتحة في الركن الشمالي الشرقي للبركة مما يبدو أنه مصب دخول المياه. أما المواد التي بنيت منها البركة فهي من الأحجار البركانية المثبتة بالمونة، ويمكن ملاحظة بقايا الطبقات الجصية الناعمة والسميكة على جدار البركة من الداخل. ويتراكم حفار البركة على شكل تلال من ثلاث جهات عدا الناحية الشمالية. ولم نلاحظ عند زيارتنا لهذا الموقع أي دلالات على وجود بقايا أثرية للمنازل القديمة بالقرب من البركة.
ونجد في تقرير المسح الأثري لدرب زبيدة وصفاً لبركة ذكر اسمها باسم (بركة هدان)، ولعل هذا الاسم استنبط من اسم شعيب وهدان الذي تصب مياهه في البركة. والواقع أن الأهالي لا يزالون يذكرون هذه البركة باسم (أفاعية) وهو اسمها القديم، وعلى أي حال فإن تقرير المسح الأثري عن هذا الموقع يفيد بوجود مصبين رئيسين للبركة، أحدهما في الركن الشمالي الغربي والآخر في الركن الجنوبي الشرقي، وكلاهما مزود بسد يزيد عن 100 متر في الطول للمساعدة على تحويل مياه السيول والأمطار نحو البركة، كذلك عثر على مقربة من بركة أفاعية الرئيسة على بركة أخرى تقع على بعد 3 أكيال إلى الشرق من البركة.
ونجد في تقرير المسح الأثري لدرب زبيدة وصفاً لبركة ذكر اسمها باسم (بركة هدان) ولعل هذا الاسم استنبط من اسم شعيب وهدان الذي تصب مياهه في البركة. والواقع أن الأهالي لايزالون يذكرون هذه البركة باسم (أفاعية) وهو اسمها القديم، وعلى أي حال فإن تقرير المسح الأثري عن هذا الموقع يفيد بوجود مصبين رئيسين للبركة أحدهما في الركن الشمالي الغربي والآخر في الركن الجنوبي الشرقي وكلاهما مزود بسد يزيد عن 100 متر في الطول للمساعدة على تحويل مياه السيول والأمطار نحو البركة. كذلك عثر على مقربة من بركة أفاعية الرئيسية على بركة أخرى تقع على بعد 3 أكيال إلى الشرق من البركة الأولى، وحددت أطوال البركة بحوالي 29.5 × 51م ومزودة بمصفاة من الناحية الجنوبية مستطيلة الشكل طول أضلاعها 51 × 12.75م.
وهناك جبل يسمى جبل أفاعية، قال البكري: هضبة كبيرة عن يمين المصعد من الكوفة إلى مكة. يقول أحد المؤرخين: «وهو جبل ناري أحمر اللون ويقع جنوب شرقه جبال داكنة تسمى جبال هَدّان، وكلا الجبلين اسمهما كما هو لم يتغير عبر القرون, يمر بين هذين الجبلين واد كبير هو وادي السر».
ويقول في موضع آخر: «بعد مسير 27كم وصلنا هضبة حمراء منفردة على يميننا هي هضبة «أفاعية» المشهورة منذ القدم، وتسمى «أفيعية»، وقرب هذه الهضبة وعلى ضفاف وادي السر تقع المنزلة 23 على درب الحج الكوفي في سفحه الشرقي.
وأخيراً، فإن ترسيخ معلومات مواقع الوطن الغالي وإبراز تاريخها وأهميتها أمام الأجيال الحالية والقادمة أمر ضروري للغاية، وذلك بربط الناشئة بتاريخ بلادهم؛ لأنه يخلد في قلوبهم الحبّ الحقيقي لتلك الديار ومن ثمّ الوطن بأكمله؛ لأنّ القلب السليم يهفو إلى وطنه ويحنّ إليه.
لا يذكر الرمل إلاّ حنّ معترب
له بذي الرمل أوطار وأوطانُ
تهفُو إلى البانِ من قلبي نوازعه
وما بيَ البانُ بل مَنْ دارُهُ البانُ
تتميز أبحاث الدكتور تنيضب الفايدي بالدقة والصحة فاحتفظ بها للجيل الحالي والأجيال القادمة للاستفادة منها وقد تعاد بعض المواقع و الأماكن في درب زبيدة.
المراجع:
المناسك للحربي، معجم البلدان للحموي، صفة جزيرة العرب للهمداني، الأعلاق النفيسة لابن رستة، درب زبيدة للأستاذ الدكتور سعد عبد العزيز الراشد، مهد الذهب للدكتور تنيضب الفايدي، مشروع درب زبيدة (تقرير مبدئي عن المرحلة الأولى لمسح درب زبيدة): جيمس كنودستاد، آثار منطقة المدينة المنورة، المصور الفريد لدرب زبيدة من الغُوير إلى فيد، تأليف: عوض بن صالح السرور، الأدب يخلد معالم الوطن للدكتور/ تنيضب الفايدي، فريق الصحراء.