ثامر بن سعران السبيعي
الممر البحري لا يخنق يوم يغلق. يخنق قبل ذلك بأسابيع، في طبقة لا تظهر في نشرات الأخبار: قسط تأمين يعاد تسعيره، وسفينة تنتظر خارج نطاق الخطر ريثما تتضح الصورة، وناقلة تحول إلى مسار أطول بأيام إضافية ووقود إضافي. لا أحد أعلن منعا، ولا أحد فرض رسما، ولا أحد خالف نصا. ومع ذلك ارتفعت كلفة العبور فعليا على كل شاحنٍ في العالم.
هذه هي المنطقة الرمادية التي أدارت النزاعات البحرية فيها ظهرها للقانون طويلا. فالقاعدة الحاكمة كانت تتحدث عن «حرية الملاحة» بوصفها وصفا، لا بوصفها حالة لها حدود يعرف متى خرجت عنها. وما لا يعرف بما يبطله، لا يمكن إثبات الإخلال به. وما لا يثبت الإخلال به، لا يسعر ولا يطالب بتعويض عنه.
مبدأٌ صمد أربعة قرون بلا دالّة
في ربيع عام 1609 صدرت في لايدن رسالةٌ صغيرة مجهولة الاسم عنوانها Mare Liberum. كانت في الأصل فصلاً من عملٍ أكبر لهوغو غروتيوس، لكنّ الفصل الخاص بحرية البحار انتشر وحده. وحجّته أن البحر - بخلاف الأرض - لا يمكن حيازته عملياً، وأن استعماله لا ينفد، فلا يقبل التملّك.
كُتبت الرسالة أثناء التفاوض على هدنةٍ بين الهولنديين والإسبان، وكانت مسألة وصول الهولنديين إلى أسواق الهند الشرقية مطروحةً على الطاولة. فمن قرأها مرافعةً مصلحية فقد أصاب. لكنّ ذلك يمسّ نسبها لا حجّتها؛ فكثيرٌ من قواعد القانون الدولي وُلدت في أحشاء مصلحةٍ ثم استقلّت عنها.
ثم جاء الردّ من ويليام ويلوود في عامي 1613 و1615. ومحصّل ردّه أن البحر يقبل التحديد بحدود، ويقبل الحيازة، وتقوم عليه ولايةٌ قضائية. والمهم أن ويلوود لم ينقض المبدأ، بل نازع في نطاقه. ولهذا صمد النصّان معاً داخل تقليدٍ واحد: أحدهما يقرّر الحرية، والآخر يذكّر بأن للحرية حدوداً. لكنّ أحدهما لم يفعل ما هو أهمّ: لم يقل أيٌّ منهما بماذا نعرف أن الحرية انتُهكت.
هذه هي الملاحظة البنيوية: ظلّ مبدأ حرية الملاحة أربعة قرون مبدأً معلَناً غير مُشغَّل. تقوله الدول جميعاً، ولا يقول أحدٌ ما الذي يبطله. فيبقى محلَّ تقدير، ويستشهد به الطرفان في النزاع الواحد، كلٌّ لصالحه.
فقرةٌ واحدة في وثيقةٍ من إحدى وعشرين اتفاقية
في يومَي الثالث والعشرين والرابع والعشرين من أغسطس 2026 جرت زيارة دولة إلى باريس. التقى ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بالرئيس إيمانويل ماكرون، وترأّس القائدان الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الإستراتيجية السعودي–الفرنسي، وشهدا تبادل عددٍ من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم. وقد أُسّست تلك الشراكة خلال زيارة الرئيس الفرنسي إلى المملكة في ديسمبر 2024، واعتُمد في هذه الزيارة إعلانٌ للتعاون الدفاعي، ووُقّعت إحدى وعشرون اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت الدفاع والصحة والتقنيات والطاقة والذكاء الاصطناعي والاستثمار.
وانصرف الاهتمام إلى الأرقام والمشاريع، وهو انصرافٌ طبيعي. غير أنّ الفقرة الأهمّ في الوثيقة لم تكن في أيٍّ من ذلك. فتحت عنوان «مضيق هرمز» ورد نصّ يستحق أن يُقرأ ببطء:
«أدان الجانبان الهجمات التي تستهدف السفن في مضيق هرمز، والتهديدات التي تمس أمن الممرات المائية؛ مشددين على الأهمية البالغة لإعادة حركة الملاحة في المضيق إلى وضعها الطبيعي الذي كانت عليه قبل الثامن والعشرين من فبراير 2026م، من حيث حرية الملاحة، وانتظام حركة الشحن البحري، وعدم فرض أي رسوم مباشرة أو غير مباشرة، أو قيود على العبور، وفق القانون الدولي».
الفقرة نُقلت في التغطيات الإخبارية، وجعلتها بعض الوكالات عنواناً عن معارضة الرسوم. لكنّ الالتقاط بقي لموقفٍ سياسي لا لأداة قياس. قيل إن الطرفين يعارضان الرسوم، ولم يُقل إن التعريف يجعل الإخلال قابلاً للإثبات، ولا إن خطّ الأساس المؤرَّخ ينقل التفاوض من مساءلة النوايا إلى مساءلة الأثر. والفرق بين القراءتين هو موضوع هذه المقالة.
ما الذي تفعله هذه الفقرة؟
تفعل شيئين لم يجتمعا في نصٍّ سياسي بهذا الوضوح من قبل.
الأول: خطُّ أساسٍ مؤرَّخ. الحالة الطبيعية لم تُترك وصفاً إنشائياً، بل عُلّقت بتاريخٍ محدَّد يمكن الرجوع إلى بيانات الملاحة قبله ومقارنتها بما بعده.
والثاني - وهو الأبعد أثراً: تعريفٌ بالسلب. إذ لم تُعرَّف الحرية بما هي، بل بما يبطلها: لا رسوم، لا قيود، وانتظام حركة. والتعريف بالسلب هو ما يحوّل المبدأ من قولٍ إلى أداة، لأنه ينتقل من ممرٍّ إلى ممرّ دون تعديل. ما ينطبق على هرمز بهذه الصياغة ينطبق على باب المندب وعلى قناة بنما وعلى مضيق ملقا.
وموضع الدقّة كلمتان: «غير المباشرة».
لو اقتصر النصّ على الرسوم المباشرة لكان تحصيل حاصل؛ فلا أحد يفرض اليوم رسم عبورٍ معلَناً على مضيقٍ دولي. لكنّ إدراج غير المباشرة داخل التعريف يعني أن الكلفة المتولّدة في طبقة التأمين والانتظار وإعادة التوجيه صارت داخل نطاق القاعدة لا خارجه. وهذا هو بالضبط الموضع الذي يقع فيه الخنق الحقيقي، قبل أن يقع في طبقة المنع بزمنٍ طويل. ومن قصر التعريف على المنع المباشر، ترك أثقل أدوات الخنق خارج النصّ — وتركها متاحةً لمن يريد أن يضغط دون أن يُخالف.
ما الذي يتغيّر عملياً؟
حين يصير للممرّ تعريفٌ بما يبطله، تنتقل ثلاثة أطراف من التقدير إلى العدّ.
الشاحن يصبح قادراً على القول إن كلفة عبوره ارتفعت بمقدارٍ محدَّد عن خطّ أساسٍ معلوم.
والمؤمِّن يصبح قادراً على تسعير المخاطرة على قاعدةٍ منشورة لا على تقديرٍ داخلي غير قابل للطعن.
والمفاوض -وهو الأهمّ- ينتقل من مساءلة النوايا إلى مساءلة الأثر. فبدل أن يقول لخصمه «أنت تهدّد الملاحة» فيجيبه «بل أنا أحميها»، يقول له: حركة الشحن انخفضت بكذا عن خطّ الأساس، وقسط التأمين ارتفع بكذا، فما تفسيرك؟ وهذا سؤالٌ لا يُردّ بالخطابة.
وهنا تظهر الفجوة. فما فعله هذا البيان لهرمز، لا يوجد اليوم نصٌّ واحد يفعله لباب المندب. والممرّان مختلفان وظيفياً: أحدهما شريان طاقة، والآخر شريان سلعٍ وحاويات. فتعطّلهما معاً لا يجمع الأثرين بل يضاعفهما. ومع ذلك فأحدهما اليوم له تعريفٌ تشغيلي، والآخر لا يزال في طور «حرية الملاحة» بوصفها شعاراً.
ما ينبغي فعله
لا يحتاج سدّ هذه الفجوة إلى معاهدةٍ جديدة ولا إلى مؤسسةٍ جديدة. يحتاج إلى ثلاثة عناصر يمكن إدراجها في أي بيانٍ ثنائي أو إقليمي قادم:
أولاً: خطّ أساسٍ مؤرَّخ ومعلَن لكل ممرّ. تاريخٌ مرجعي محدَّد، تُنشر إلى جانبه بيانات الحركة عنده، فيصير المرجع مشتركاً.
ثانياً: تعريفٌ بالسلب يشمل الكلفة غير المباشرة صراحةً. بالصيغة نفسها التي وردت في بيان باريس، مع النصّ على أقساط التأمين وزمن الانتظار وإعادة التوجيه بوصفها مكوّناتٍ داخل التعريف لا خارجه.
ثالثاً: جهةٌ تُعلن دورياً. وهذا هو العنصر الغائب، وهو ما يفرّق بين قاعدةٍ حيّة ونصٍّ في أرشيف. فالخطّ الذي لا يقيس أحدٌ ضدّه كلَّ ربع سنة يتحوّل خلال عامين إلى فقرةٍ تاريخية.
والملاحظة الجديرة بالتأمل أن الوعاء وُلد في الوثيقة نفسها التي وُلد فيها التعريف. فمجلس الشراكة الإستراتيجية الذي عقد اجتماعه الأول في اليوم عينه هيئةٌ قائمة، لها دوريةٌ ومحاضر أعمال. ومؤشرٌ ربع سنوي معلَن المنهجية يصدر عنه لا يحتاج إنشاءً جديداً، بل بنداً في اجتماعه الثاني. وأن تكون فرنسا عضواً دائماً في مجلس الأمن وقوةً بحرية حاضرة في المنطقة يعني أن خطّ أساسٍ سعودياً - فرنسياً معلَناً ليس بياناً ثنائياً عادياً، بل نصّاً يحمله أحد الخمسة إلى الطاولة الأممية عند اللزوم.
وأياً كانت الجهة، فمصداقية المؤشر تأتي من قابليته للتفنيد لا من الجهة التي تصدره: تُنشر بياناته للجميع، ويُدعى إلى الطعن فيه من يشاء.
والمنطقة العربية أولى الجهات بهذا الدور، لسببٍ بسيط: إنّ أثقل ممرّين في العالم يقعان على سواحلها، وهي أكثر من يدفع كلفة غيابهما عن القياس. ومن يملك خطّ الأساس، يملك الجملة الأولى في أي تفاوضٍ لاحق.
فأربعة قرون مضت على مبدأٍ عظيم بلا دالّة قياس. وفقرةٌ واحدة في وثيقةٍ من إحدى وعشرين اتفاقية أعطته أولى دوالّه. والسؤال الآن ليس هل المبدأ صحيح - فقد حُسم ذلك منذ 1609 - بل من يتولّى تشغيله في الممرّ الذي لم يُشغَّل فيه بعد.
** **
دبلوماسي سابق - ماجستير في العلاقات الدولية ودبلومات في الاقتصاد والقانون الدولي