«الجزيرة» - وائل العتيبي:
ليس التراث ما بقي من الماضي فحسب؛ ففي اللحظة التي تعيد فيها الفنون البصرية قراءته، يتحول من ذاكرة محفوظة إلى مادة حيّة لصناعة المعنى والجمال والهوية. وبين عدسة تستعيد روح المكان، ومنحوتة تستخرج من الحجر والمعدن صدى الأرض والإنسان، تفتح جلسة «الفنون البصرية والربط بالتراث الثقافي السعودي» سؤالًا يتجاوز حدود الفن إلى الثقافة والهوية: كيف يمكن للموروث السعودي أن يحضر في المشهد المعاصر دون أن يفقد جذوره؟
هذا السؤال تطرحه الجلسة التي ينظمها نادي «صوّان التراث» في مركز سرد الثقافي مساء السبت 29 أغسطس، من الساعة السابعة حتى الثامنة والنصف مساءً، بمشاركة الدكتورة لجين يوسف ميرزا، الأكاديمية والمصورة الفوتوغرافية المتخصصة في الفنون البصرية وعضو النادي المؤسس، التي تدير الحوار، والفنانة والنحاتة السعودية وفاء حمد القنيبط، التي تقدم تجربة فنية تقوم على تحويل المواد الطبيعية والرموز المستمدة من الثقافة إلى أعمال معاصرة تتجاوز قاعات العرض نحو الفضاء العام.وتكتسب الجلسة أهميتها من كونها لا تتعامل مع التراث بوصفه موضوعًا للاحتفاء أو مادة للتوثيق فقط، وإنما بوصفه منبعًا للإبداع البصري المعاصر، يمكن إعادة اكتشاف عناصره ورموزه وحكاياته وتقديمها بأدوات فنية جديدة، بما يفتح المجال أمام علاقة أكثر حيوية بين الماضي والحاضر.
حين تتحول الذاكرة إلى لغة بصرية
في التجربة السعودية المعاصرة، لم يعد حضور التراث مقصورًا على استعادة الأشكال التقليدية أو إعادة إنتاج الرموز كما هي، بل أصبح سؤالًا مفتوحًا حول كيفية تفكيك الموروث وفهم دلالاته وإعادة صياغته بما يتناسب مع الذائقة المعاصرة.
ومن هنا تأتي الفنون البصرية بوصفها إحدى أكثر الأدوات قدرة على إعادة تقديم الذاكرة؛ فالصورة تستطيع أن تحفظ تفاصيل المكان والإنسان والحكاية، بينما يستطيع النحت أن يمنح المادة حضورًا ملموسًا في الفضاء، وأن يحول الحجر والمعدن والخشب وغيرها من الخامات إلى علامات بصرية مرتبطة بالهوية.
وفي هذا التقاطع بين التوثيق والتأويل، وبين الذاكرة والإبداع، تتحرك تجربتا لجين ميرزا ووفاء القنيبط، وإن اختلفت الأدوات؛ فالأولى تنظر إلى الصورة باعتبارها وسيلة لفهم الإنسان والثقافة والمكان، فيما تتعامل الثانية مع المادة بوصفها نقطة انطلاق لاستعادة الجذور وإنتاج أعمال فنية معاصرة.
لجين ميرزا.. الصورة بوصفها ذاكرة وروحًا للمكان
تحمل الدكتورة لجين يوسف ميرزا تجربة أكاديمية وفنية تجمع بين البحث في الفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي والاهتمام بالثقافة والهوية. وتشغل حاليًا منصب أستاذ مساعد في جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن بالرياض، وتحمل درجة الدكتوراه في الفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي من جامعة برايتون البريطانية، إلى جانب درجة الماجستير في الفنون البصرية من أستراليا.
وترتبط علاقتها بالتصوير بجذور عائلية تعود إلى جدها عبدالكريم مرزا، الذي امتلك أول استوديو للتصوير الفوتوغرافي في جدة، المعروف باسم «استوديو الصحافة». ومن هذا الإرث تشكل لديها وعي مبكر بالصورة باعتبارها أكثر من مجرد تسجيل بصري؛ فهي نافذة على الإنسان والمكان، ووسيلة لحفظ تفاصيل قد لا تستطيع الذاكرة وحدها الاحتفاظ بها.
وتقول ميرزا إن التعمق في التراث يمنحها إحساسًا بالعودة إلى الزمن، ويتيح لها التعرف على حياة الأشخاص الذين سبقوها والتحديات التي واجهوها، بما يجعلها أكثر تقديرًا لجهودهم وجمال إبداعهم وثقافتهم. وفي هذا الغوص في قصص الماضي، ترى وسيلة للبقاء على اتصال دائم بماضٍ مجيد وحاضرٍ تليد.
وتتركز تجربتها على تصوير روح الوطن، انطلاقًا من اعتزازها بكونها امرأة سعودية، واهتمامها بتوثيق الجمال والتنوع الثقافي في المملكة، بما يشمل العادات والتقاليد والمناظر الطبيعية ووجوه الناس وقصصهم.
وبذلك يصبح التصوير، في رؤيتها، وسيلة لاكتشاف المملكة من خلال تفاصيلها الإنسانية والثقافية، وليس مجرد تسجيل لمشاهدها. فكل وجه يحمل حكاية، وكل مكان يحتفظ بذاكرة، وكل صورة يمكن أن تكون مدخلًا إلى فهم أعمق للثقافة.
ولا تقف طموحات ميرزا عند حدود التجربة المحلية، إذ تتطلع إلى الوصول إلى العالمية بوصفها مصورة ومبدعة، ومشاركة رحلاتها ورؤيتها للعالم مع الآخرين، وأن تكون مصدر إلهام لرؤية العالم بطرق جديدة، مؤمنة بقدرة التصوير الفوتوغرافي على فهم الثقافات المختلفة وتعزيزها.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تكتسب إدارتها للحوار أهمية تتجاوز الدور التنظيمي؛ فهي تدخل الجلسة محملة برؤية ترى أن الصورة يمكن أن تكون أداة لحفظ الذاكرة وإعادة تفسيرها، وأن التراث ليس ماضيًا مغلقًا، وإنما مادة قابلة للقراءة من جديد.
وفاء القنيبط.. حين تستخرج الأرض ذاكرتها من الحجر والمعدن
أما الفنانة وفاء حمد القنيبط، فتقدم في تجربتها مسارًا آخر للتعامل مع الموروث؛ مسارًا يبدأ من المادة، ومن علاقة الفنان بالأرض، وينتهي بأعمال نحتية تحمل أبعادًا جمالية وثقافية تتجاوز شكلها المادي.
تحمل القنيبط درجة الماجستير في الفنون الجميلة بتخصص النحت والصب المعدني من كلية سافانا للفنون والتصميم، إلى جانب درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة كولومبوس. وشاركت في العديد من المعارض الفردية والجماعية والمنتديات داخل المملكة وخارجها، وحصلت على جوائز محلية ودولية.
كما قدمت برامج تدريبية متعددة في مجال النحت وتطوير الذات، وشاركت عضوًا في لجان تحكيم عدد من المعارض والمسابقات الفنية، وهي عضو مؤسس في عدد من الجمعيات الفنية والثقافية.
غير أن أهمية تجربتها لا تكمن في مسيرتها الأكاديمية والفنية فقط، بل في اختيارها المبكر لمسار لم يكن مألوفًا بالنسبة إلى كثير من الفتيات في محيطها؛ إذ كان حلمها منذ سنوات الدراسة ما قبل الجامعية أن تصبح نحّاتة.
قادها هذا الحلم إلى الولايات المتحدة لدراسة النحت والمجسمات، حيث سعت إلى بناء تجربة فنية مختلفة تضمن لها عند عودتها إلى المملكة ألا تكون فنانة تقليدية، بل صاحبة مشروع له لغته الخاصة.
وأقامت القنيبط معارض في ثلاث ولايات أميركية، من أبرزها معرض «المرأة تحت الغطاء»، الذي تناول الإمكانات والقدرات الكامنة للمرأة المسلمة. كما شاركت في معارض وفعاليات فنية في مصر ودبي وسوق عكاظ والولايات المتحدة.
وقدمت كذلك معرضها التشكيلي النحتي «عهد الوفاء»، الذي أقامت نسخته الأولى في المتحف الوطني بالعاصمة، وافتتحه الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز، أمير منطقة الرياض، قبل أن تقدم النسخة الثانية في جدة بصالة «رؤى الفن» في مركز سلمى للفنون.
المادة ليست خامة.. بل ذاكرة
في ممارستها الحالية، تركز القنيبط على المشاريع النحتية كبيرة الحجم، مستخدمة مواد طبيعية مستخرجة من الأرض، مثل الصخور والمعادن، إلى جانب الحديد والنحاس والزجاج والأخشاب وبقايا المواد الطبيعية.
وتعيد الفنانة هيكلة هذه المواد وتصنيعها، مستعينة بالتقنيات الحديثة في قصها وتشكيلها وإذابتها، ثم تخضعها لعمليات النحت والمعالجة حتى تتحول إلى أعمال فنية فريدة.
لكن المادة بالنسبة إلى القنيبط لا تؤدي وظيفة جمالية فقط؛ فهي تمثل مدخلًا إلى العلاقة بين الإنسان والأرض والمكان، وإلى الكشف عن الروابط التي تمتد بين المبدع والعالم المحيط به.
وفي هذا السياق، اختارت القنيبط النحت على الصخور والمعادن الخام بوصفه فعلًا فنيًا مقاومًا للفناء، مستلهمة جماليات الحرف العربي والأسماء الحسنى، ومستفيدة من دراساتها في تاريخ الفن الإسلامي لبناء أعمال تستند إلى جذور ثقافية عميقة، ولكنها تظهر في صورة معاصرة.
وتجلت هذه الرؤية في عدد من أعمالها ومشاركاتها، من بينها كأس السعودية للخيل 2024، ونسخ مختلفة من ملتقى طويق للنحت، لتصبح أعمالها جزءًا من المشهد المتنامي لتجميل الفضاءات العامة في المملكة.
وهنا يبرز أحد أهم أبعاد تجربتها: إعادة التراث إلى الحياة من خلال الفن، بدل الاكتفاء بحفظه داخل المتاحف والمعارض.
من قاعة المعرض إلى شارع المدينة
تؤمن القنيبط بأن العمل النحتي لا ينبغي أن يبقى حبيس المعارض والأماكن المغلقة، بل يجب أن يخرج إلى الحياة، وأن يصبح جزءًا من المشهد اليومي للمدينة.
ولهذا تتطلع إلى العمل مع البلديات لإتاحة أعمالها في الشوارع والفضاءات العامة، بحيث تتحول المنحوتات إلى عناصر جمالية وثقافية في المدن السعودية، مع إدراكها أن تحقيق ذلك يرتبط بإجراءات وتنظيمات تحتاج إلى استكمال.
وتحمل هذه الفكرة أهمية تتجاوز النحت نفسه؛ فحين تنتقل الأعمال الفنية إلى الفضاء العام، يصبح الفن جزءًا من تجربة السكان والزوار، ويمكن للمنحوتة أن تتحول إلى علامة بصرية مرتبطة بالمكان، وإلى عنصر في المشهد الثقافي والسياحي للمدينة.
وهي رؤية تلتقي مع التحولات التي تشهدها المملكة في التعامل مع الثقافة والفنون بوصفها مكونات أساسية في جودة الحياة، وتنمية المدن، وتعزيز السياحة الثقافية والاقتصاد الإبداعي.
كما تتعامل القنيبط مع النحت بوصفه مجالًا قادرًا على كسر الصور النمطية حول علاقة المرأة بهذا الفن؛ إذ تشير إلى أن كثيرين ينظرون إلى النحت باعتباره مجالًا شاقًا يرتبط بالرجال، نظرًا إلى ما يتطلبه من صبر، وما تفرضه المواد من ثقل وندرة وصعوبة في التعامل.
لكنها ترى في ظهور القطع الصغيرة داخل المعارض فرصة لتقديم أجزاء من أفكار أكبر، وتظل رؤيتها الأساسية أن تجد تلك الأفكار طريقها إلى العالم الخارجي، حيث يمكن للفن أن يعيش بين الناس لا خلف الجدران فقط.
«صوّان التراث».. حماية الذاكرة وإعادة إنتاجها
وتأتي الجلسة ضمن أهداف نادي «صوّان التراث»، الذي دُشّن في الرياض عام 2026، بوصفه ملتقى ثقافيًا للمختصين والممارسين في مجالات التراث والفنون التقليدية، ويهدف إلى الإسهام في إنقاذ الذاكرة الثقافية السعودية وإحياء التراث غير المادي.
ويركز النادي على صون التراث والفنون وحماية الفنون القديمة والموروث الثقافي والشفوي ونقله إلى الأجيال المقبلة، إلى جانب تعزيز الهوية الوطنية وربط الماضي بالحاضر وترسيخ القيم الأصيلة في نفوس النشء والأجيال الجديدة.
كما يسعى إلى دعم الجهود الرامية إلى الحصول على اعترافات دولية بعناصر التراث وتسجيلها لدى منظمات دولية مثل منظمة اليونسكو، بما يعزز حضور الموروث السعودي على خارطة التراث العالمي.
ويتقاطع ذلك مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، خصوصًا فيما يتعلق باستثمار المواقع التاريخية، ودعم الجذب السياحي والتنمية المستدامة، وتعزيز الاقتصاد الإبداعي والثقافي غير الربحي.
التراث.. من الذاكرة إلى المستقبل
في جوهرها، تطرح جلسة «الفنون البصرية والربط بالتراث الثقافي السعودي» قضية تتجاوز حدود المناسبة؛ إنها تبحث في كيفية تحويل التراث من ذاكرة يتم الحفاظ عليها إلى مصدر مستمر للإبداع.
فبين عدسة لجين ميرزا التي تبحث في وجوه الناس وأمكنة المملكة وحكاياتها عن روح الوطن، ومنحوتات وفاء القنيبط التي تستخرج من الصخور والمعادن والحرف والرموز جذورًا ثقافية عميقة، يظهر مساران مختلفان يلتقيان عند فكرة واحدة: أن التراث لا يكتسب قيمته من بقائه على حاله، بل من قدرته على الاستمرار والتجدد.
وإذا كانت الصورة تحفظ ما قد يهدده النسيان، فإن المنحوتة تمنح الذاكرة شكلًا ماديًا قادرًا على البقاء في المكان. وبينهما تتشكل لغة بصرية جديدة تستطيع أن تصل الماضي بالحاضر، وأن تمنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف تراثها من خلال أدوات تنتمي إلى زمنها.
ومن هنا، فإن أهمية هذه الجلسة لا تنحصر في مناقشة علاقة الفنون البصرية بالتراث، وإنما في طرح سؤال أكبر عن الدور الذي يمكن أن تؤديه الثقافة البصرية في صياغة صورة المملكة عن نفسها، وعن قدرتها على تحويل موروثها الغني إلى قوة إبداعية وثقافية وسياحية واقتصادية تمتد من الذاكرة إلى المستقبل.
موعد الجلسة: السبت 29 أغسطس
الوقت: 7:00 – 8:30 مساءً
المكان: مركز سرد الثقافي
العنوان: «الفنون البصرية والربط بالتراث الثقافي السعودي»
مديرة الحوار: د. لجين ميرزا - عضو مؤسس في نادي «صوّان التراث»
المتحدثة: أ. وفاء القنيبط - فنانة ونحاتة سعودية