اللواء الركن م. سلامة بن هذال بن سعيدان
والمرجعية الدينية والضرورة الوطنية وما يتربص بالمنطقة من مشاريع عدوانية ذات أهداف جيوسياسية وأطماع توسعية دفعت الدول الثلاث إلى تطوير العلاقات البينية والارتقاء بها من مستوى التعاون والتضامن إلى آفاق الوحدة والاندماج في تحالف ثابت الأركان ومكتمل البنيان يدافع عن أعضائه في كل زمان ومكان.
والدول الثلاث تعد دولا محورية يشار إليها بالبنان في محيطها الإسلامي والإقليمي، ويحسب لها حسابا على المستوى الدولي، كما أن مكان انعقاد الاتفاق له حرمته المكانية ودلالاته الدينية والمعنوية، مما يضفي على التحالف مزيدا من الهيبة والمصداقية وقوة الالتزام وكل ما من شأنه ضمان فاعلية الردع والاستعداد لكل الاحتمالات.
وتأسيسا على ذلك فإن هذه الدول تتمتع بنفوذ يؤهلها للتأثير في الآخرين إلى الحد الذي جعل التحالف في حضوره وتأثيره يرقى إلى مستوى تحالف الدول الكبرى بفضل ما يتوافر لدوله من عناصر قوة وطنية ومقومات سيادية وما يربط بينها وبين الدول الشقيقة والصديقة من علاقات وثيقة، تجمع بين البعد الديني والبعد الأمني وتمتزج فيها حكمة السياسة مع أدب الكياسة.
وهذا النفوذ الذي تمتلكه دول التحالف الثلاث لم ينشأ من فراغ، بل يعد نتيجة لما يتوافر لكل منها من عوامل القوة الوطنية على مختلف الأصعدة الثقافية والعلمية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية، فالمملكة ذات مركز ديني وموقع إستراتيجي وثقل اقتصادي ووزن سياسي وباع طويل في مجال الطاقة وقدرات عسكرية وترسانة من الأسلحة المتطورة، وباكستان لديها ترسانة نووية وقوة برية ذات خبرة عسكرية وقوة جوية وصناعة في مجال الدفاع، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي ومتقدمة في مجال التكنولوجيا العسكرية والطائرات المسيرة والصواريخ والسفن والخبرة البحرية، ولديها قوات برية كبيرة وقوة جوية متطورة وصناعة دفاعية محلية.
وتحالف هذه الدول الثلاث لم يكن مقصورا على مظهره دون جوهره وإنما يوجد تحالف جغرافي يمتد من البحر المتوسط مرورا بالشرق الأوسط والخليج وصولا إلى بحر العرب وجنوب آسيا، وهذه المنظومة الجغرافية تدعم التحالف وتضفي عليه عمقا إستراتيجيا وحيزا جيوسياسيا ومجالا أوسع للتعاون والتنسيق بالشكل الذي يجمع بين المظهر والجوهر من خلال ثلاثة مواقع تتحكم في ثلاث مناطق إستراتيجية.
والاتفاق الثلاثي في مكة يعتمد على مبدأ الردع الدفاعي الذي يستدعي تقديم قوة السياسة على سياسة القوة من خلال ترتيب الأولويات والتمييز بين ما يجب احتوائه ومنعه قبل أن يتحول إلى تهديد مباشر وبين ما يمكن رده عسكريا مع الأخذ في الحسبان الاستفادة من الدبلوماسية في الجانب الردعي.
وبما أن الهدف من إقامة التحالف هو صنع السلام والخروج من دوامة الصراعات الظالمة والعداوات الآثمة فإن قادة التحالف أحسنوا صنعا عندما أكدوا أن التحالف محكوم بنصه المعلن ولم يكن ضد أحد بعينه، وهذا القول لا يلغي وجود مصادر الخطر المعروفة والتحسب لمواجهتها دون إعلان حرب سياسية عليها، تتعارض مع مبدأ الردع مع ملاحظة أن التحالف يهدف إلى بناء قدرة ردع إقليمية وقوة دفاعية تسهم في إعادة الاستقرار وضبط الأمن الإقليمي وإحلال السلام محل الصدام في ظل ما تعانيه المنطقة من مظاهر الفوضى السائدة وحالة عدم اليقين الجيوسياسي المتزايدة.
وعودا على بدء فإن الانتماء الديني يندرج تحت مفهوم المرجعية الدينية وهو من أوثق عرى التحالف وأقواها لكونه ينظر إلى الأمور بمنظار الحق والعدل ويزنها بميزان العقل حيث إن الجمع بين الانتماء الديني والانتماء إلى القرن الواحد والعشرين يعني مواكبة العصر وتكتل الدول في أحلاف تحرص على ما فيه خدمة الإنسان وعمار البنيان.
وفي الختام فإن وجود مساحة واسعة تتقاطع فيها المصالح بين الدول الثلاث كفيل بالوصول إلى اتفاق مشترك تدار من خلاله الملفات التي تتعارض فيها المصالح دون أن تؤثر في سياسة التحالف أو تكون على حساب المبادئ والأسس المتفق عليها حيث إن لكل طرف من أطراف التحالف زاوية خاصة ينظر منها إلى الأحداث بحسب موقعه الجغرافي ونظرته الأمنية وعلاقاته الدولية.