منصور بن صالح العُمري
يعلم قادة السعودية أن الدول، مثل البشر، قد تخطئ في التقدير، وقد تجنح بها لحظةٌ عابرة إلى موقفٍ لا يعبّر بالضرورة عن حقيقة العلاقة ولا يستحق أن تُهدم من أجله جسورٌ بنتها السنون؛ ولذلك اتسعت السياسة السعودية، في كثير من منعطفاتها، للتسامح والتجاوز وإبقاء أبواب العودة مفتوحة، ما دام الخطأ عارضًا، والاختلاف محكومًا بحدود الاحترام، والمصالح الكبرى أبقى من نزوة المواقف.
لكن التسامح شيء، والتهاون في الحقوق شيء آخر.
فحين يتحول الخطأ إلى ديدن، والتجاوز إلى منهج، ويُساء فهم الحِلم حتى يُحسب ضعفًا، أو تمتد التصرفات إلى ما يمس مكانة الدولة وسيادتها وأمن مواطنيها ومصالحها العليا، فهنا تقف السياسة عند حدٍّ لا يملك أحد تجاوزه؛ لأن الدولة التي تتسامح فيما تملك أن تتسامح فيه، لا تملك أن تتسامح فيما اؤتمنت عليه.
وهنا تحديدًا يخطئ من يسيء قراءة السعودية.
يظن أن طول الصبر غفلة، وأن اتساع الصدر عجز، وأن تأخر الرد افتقادٌ للقدرة عليه؛ ولا يدرك أن من القوة أن تملك الرد ثم تختار توقيته، ومن الحكمة أن تترك للآخر فرصة مراجعة نفسه قبل أن تجعل الوقائع هي التي تراجعه.
فالسعودية، بتجربة دولة امتدت قرابة قرن، تعرف أن العلاقات بين الدول لا تُدار بحرارة الخطب، ولا تُصان المصالح بصخب المنابر، ولا تُبنى المواقف الكبرى على انفعال الساعة؛ فالحماسة قد تكون وقودًا للجماهير، لكنها ليست دائمًا بوصلةً للدول. والدولة العاقلة لا تسأل قبل القرار: ماذا سيقال عنّا غدًا؟ بل تسأل: أين سنكون بعد عشر سنوات من هذا القرار؟
وحين كانت بعض العواصم تتسابق إلى الميكروفونات، كانت الرياض تحسب خرائط الغد. وحين كان آخرون يبحثون عن نصرٍ في نشرة الأخبار، كانت تبحث عن مصلحةٍ تبقى بعد أن تنتهي النشرة.
ومن هنا أخطأ كثيرون في قراءة السياسة السعودية.
حسبوا الصمت عجزًا؛ لأنهم لم يعرفوا أن بعض الصمت انتظارٌ حتى تتكلم الوقائع. وظنوا التريث خوفًا؛ لأنهم اعتادوا أن يقيسوا القوة بارتفاع الصوت، لا بقدرة الدولة على اختيار معاركها. ورأوا في مدّ الجسور تنازلًا، وفي إبقاء الأبواب مواربةً ترددًا، ولم يدركوا أن السياسة التي تحرق كل جسورها قد يأتي عليها يوم تبحث فيه عن معبر فلا تجده.
وكانت الرياض تقول، بلغة المصالح لا بانفعال الشعارات: لا تجعلوا الأوطان رهائن للمغامرات، ولا تستبدلوا حساب الدول بحماسة اللحظة، ولا تفتحوا أبوابًا لا تعرفون كيف تغلقونها، ولا تخوضوا طريقًا لم تسألوا أنفسكم قبل دخوله: وماذا بعد؟
لكن بعض الساسة تُغريهم حرارة اللحظة عن برودة الحساب.
يخاصمون هنا، ويصعّدون هناك، ويبدّلون مواقفهم تحت ضغط الحوادث، ويظنون أن كل تصفيقٍ رصيد، وكل خطابٍ قوة، وكل خصومةٍ بطولة. ثم تتراكم الفواتير بصمت: مصالح تتآكل، وخيارات تضيق، وأوراق تُستهلك، وقرارات يناقض آخرها أولها، حتى يصبح صاحب القرار أسيرًا للقرارات التي اتخذها يوم كان يظن نفسه سيدها.
وعندئذ تبدأ الحقيقة في الظهور بلا حاجة إلى خطيب.
فالسياسة لا تعاقب الخطأ فورًا دائمًا؛ بل لعل أشد عقوباتها أن تترك لصاحبه الوقت الكافي ليستكمله.
وهنا يظهر الفرق بين دولة تبني موقفها على سؤال: ماذا نريد بعد سنوات؟ وبين سياسة تبنيه على سؤال: كيف نبدو هذا المساء؟
والسعودية لا تحتاج في كل أزمة إلى إعلان أنها كانت على صواب؛ فكثيرًا ما يتكفل الزمن بهذه المهمة، وهو شاهدٌ لا يجامل أحدًا.
لقد بُنيت السياسة السعودية فوق ذاكرة دولة خبرت تحولات المنطقة والعالم، وعرفت أن هدم التوازنات قد يحتاج إلى قرار، أما إعادة بنائها فقد تحتاج إلى جيل، وأن إشعال الحريق أسهل كثيرًا من التنبؤ بمسار ناره.
ولهذا كان ضبط النفس جزءًا من القوة، لا نقيضًا لها.
وحين كانت أصوات كثيرة تتسابق إلى الميكروفونات، كانت الرياض تنظر إلى الخرائط. وحين كان البعض يسرق خلف الكواليس موضع خطوةً له كانت السعودية تقطع المسافات جهاراً. وحين ارتفعت المطالب بقرارات تعرف أول الطريق ولا تعرف آخره، ظل السؤال السعودي الأكثر هدوءًا والأشد خطراً
وماذا بعد؟
ذلك السؤال القصير أنقذ دولًا من مغامرات، وكان تجاهله كافيًا لإغراق دول أخرى في سنوات من الندم
فما أكثر القرارات التي بدت بطوليةً عند صدورها، ثم احتاج أصحابها بعد سنوات إلى شجاعة أكبر للخروج منها. وما أكثر المواقف التي صُفّق لها في أول الطريق، ثم لم يبقَ عند نهايته إلا من يبحث عمّن يحمل عنه فاتورتها.
والسياسة السعودية لا تبني قيمتها على انتظار اعتراف الآخرين بصوابها، ولا تحتاج إلى الشماتة بمن خالفها؛ فالدولة الواثقة لا تجعل من تعثر الآخرين مناسبةً للاحتفال، وإنما تجعل منه شاهدًا آخر على أن المصالح الكبرى لا تُدار بالأهواء، وأن الجغرافيا لا تتغير بخطبة، والاقتصاد لا ينمو بشعار، والقوة لا تُقاس بما تقوله الدولة عن نفسها، بل بما يبقى في يدها من خيارات عندما تنتهي الأزمة.
وهنا تكمن المسألة كلها.
فليس الخطر أن تختلف مع الرياض؛ فالاختلاف بين الدول أمر طبيعي، والمصالح لا تتطابق دائمًا، وإنما الخطر أن تعاند منطق الأشياء، وأن تسيء قراءة الحِلم السعودي، ثم تنسب إلى الآخرين نتائج اختياراتك.
أن تُحذَّر من الطريق فتمضي فيه، وأن ترى إشارات الخطر فتعدّها تخويفًا، وأن تستنفد أوراقك واحدةً بعد أخرى، ثم إذا ضاقت الخيارات بحثت في دفاتر الماضي عمّن تحمّله مسؤولية الحاضر.
وهذه آفة قديمة: أن نصنع الخطأ بأيدينا، ثم نبحث له عن أبٍ في مكان آخر.
والتاريخ أكثر عدلًا من أن يقبل ذلك طويلًا؛ فهو لا يسأل عمّن ألقى أجمل خطاب، بل عمّن قرأ المشهد قراءةً صحيحة، ولا يحصي عدد المرات التي ارتفع فيها الصوت، بل يحصي ما بقي من المكاسب بعدما سكتت الأصوات.
وحين تصل الأمور إلى نهاياتها، وتسقط عن القرارات زينة الشعارات، ويقف كل طرف أمام حصيلة ما اختار، يستعيد المثل العربي القديم كل حكمته:
«يداك أوكتا.. وفوك نفخ».
لا بوصفه شماتةً في أحد، بل قاعدةً قاسيةً في المسؤولية: لا تُحمّل الآخرين عاقبة طريق اخترته، ولا تجعل من النصيحة خصومةً، ثم تطلب منها النجدة بعد فوات الأوان، ولا تلعن النتيجة إذا كانت مقدماتها قد صُنعت بيديك.
ولعل هذا هو الدرس الأهم في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث حتى تغري الدول بالركض خلفها:
ليس كل من تأخر في اتخاذ القرار مترددًا، وليس كل من سبقه إليه شجاعًا؛ فقد يكون الأول قد رأى في آخر الطريق ما لم يره الثاني في أوله.
وفي السياسة، لا تُقاس البصيرة بمن وصل أولًا إلى الحدث، بل بمن عرف قبل الآخرين إلى أين سينتهي.
أما من عرف النهاية بعد أن وصل إليها، فقد تعلّم الدرس فعلًا..
ولكن بعد أن دفع الرسوم.