أمل حمدان الشريف
كثيرًا ما نخطئ حين ننظر إلى نجاح الآخرين من زاوية واحدة؛ نرى ما وصلوا إليه، ولا نسأل أنفسنا عمّا مرّوا به حتى وصلوا.
نرى الرفاهية، ولا نرى السهر.
نرى المكانة، ولا نرى سنوات الكفاح.
نرى الحضور، ولا نرى أيام الغياب التي قضاها صاحبها منشغلًا ببناء ذاته وحياته ومستقبله.
النجاح في صورته الأخيرة يبدو جميلًا وسهلًا، لكنه في حقيقته يحمل ذاكرة طويلة من التعب.
كم من إنسان تراه اليوم واثق الخطوة، لم يكن بالأمس يملك هذه الثقة؟ وكم من شخص يبدو لك مستقرًا، قضى سنوات وهو يحارب القلق، والشك، والعثرات، ويعيد بناء نفسه كلما هدمتها الظروف؟
نحن لا نرى إلا الصفحة التي اختار الآخر أن يعرضها لنا، أما الصفحات التي امتلأت بالتعب والخوف والانكسار والصبر، فتبقى غالبًا خارج إطار الصورة.
ولهذا، لا تجعلوا من نجاح الآخرين معيارًا للحكم على رحلاتهم، ولا تجعلوا من رفاهيتهم الظاهرة دليلًا على أن الطريق كان سهلًا.
فبعض ما نسميه اليوم «رفاهية» لم يكن إلا ثمرة لسنوات من الحرمان.
وبعض ما نراه «حظًا» كان في الحقيقة إصرارًا لم نره.
وبعض ما نظنه «سهولة» كان خلفه ألف ليلة من السهر، وألف قرار صعب، وألف مرة قال فيها صاحبه لنفسه: سأكمل، رغم أن التوقف أسهل.
إن أكثر ما يؤلم في نجاح الإنسان أن الناس يرون النتيجة، ثم ينسون الرحلة.
ينسون أن لكل إنجاز ثمنًا، وأن لكل وصول تضحية، وأن الإنسان لا يصل دائمًا بكامل قوته؛ أحيانًا يصل بما تبقى منه، ثم يبدأ بعد ذلك في ترميم ما استهلكه الطريق.
لذلك، حين ترون شخصًا ناجحًا، لا تسألوا فقط: ماذا يملك؟
اسألوا أيضًا: ماذا دفع؟
فالأشياء التي تلمع في حياة الإنسان اليوم، قد تكون خلفها سنوات لم تكن لامعة على الإطلاق.
وأنا أؤمن أن أجمل ما في النجاح ليس أن يصل الإنسان إلى المكان الذي حلم به، وإنما أن ينظر خلفه ذات يوم، فيدرك أنه رغم كل التعب، وكل الخيبات، وكل الأبواب المغلقة، لم يتخلَّ عن نفسه.
هذه هي الرفاهية الحقيقية.
أن تصل وأنت تعرف قيمة ما وصلت إليه.
أن تستمتع بما صنعت، دون أن تنكر تعبك.
وأن تنظر إلى حياتك اليوم، لا بعين من يملك الكثير، بل بعين من يعرف تمامًا كم كلّفه أن يصل إلى هنا.
فلا تحكموا على حياة أحد من صورتها الأخيرة.
خلف كل نجاح ظاهر، قصة لا يعرف تفاصيلها إلا صاحبها. وخلف كل رفاهية تراها العين، عمرٌ من السهر والكفاح والصبر.