صالح الشادي
حين يجلس المرء إلى مسؤول، أو يصافح ثري، أو يتبادل الحديث مع مدير، تنطلق في عقول الناظرين شعاعات من الوهم البصري والنفسي، فيرون فيه صورة مصغرة لذلك المسؤول، كأن السلطة تنتقل بالتلاصق الجسدي، وكأن القرار يتسرب كالسائل من إناء إلى آخر. هذا الوهم قديم في نفس الإنسان، يرجع إلى عقلية الجماعة حيث يصبح قريب الرئيس رئيسا، وجليس الشيخ شيخا.
لكن الحقيقة العقلانية تقول إن المسؤولية ليست ثوبا يلبس بالمجاورة، بل هي أمانة تؤدى بالكفاية، ومسؤولية تقاس بالجهد، لا بالقرب.
ولنكن صريحين مع أنفسنا، هناك مثلث نفسي يدير هذه المعادلة.
فالمحتاج الطالب يأتيك وعيناه تحملان سماء من الأمل، وجيبه خاو، وقلبه مملوء بالثقة، لا يرى فيك وسيطا، بل يرى بابا يوصد في وجهه كل يوم، فجاء إلى هذا الباب ليكون آخر الأبواب.
وهو معذور، بل إن ظروفه الصعبة تجعل من الطبيعي أن يتشبث بأي خيط، وأي ظل قريب من الضوء.
أما أنت، أيها المقرب، فخطر حقيقي يكمن في أن تصدق أنت نفسك هذا الظن، فتبدأ في الوعد بما لا تملك، وتصنع من قربك سلطة وهمية، وعندها تنهار الثقة لأن الناس سيكتشفون أنك لست النافذة، بل مجرد زجاج يعكس ضوء الآخرين.
ثم يأتي دور المسؤول، ذلك الرجل الذي قد يكون مضطرا للجلوس خلف مكتبه وهو يدرك أن عيون الناس كلها عليه، لكنه يدرك أيضا أن النظام مؤسسة، وأن القانون خط أحمر لا يستطيع تجاوزه حتى ولو كان يود لو يستطيع.
والحقيقة التي يجب أن تقال بأدب هي أن القرار بيد صاحبه، والمال بيد خازنه، والرأي يخضع للتقييم والمصلحة العامة.
أنت لست مسؤولا عن حل مشكلات العالم، لأن المشكلات أكبر من مجرد معرفة، ودورك الحقيقي إن أردت النبل هو أن تكون صادقا مع الناس منذ البداية، فتقول لهم إن أبوابك مفتوحة لتسمعهم وتنقل صوتهم، ولكنك لا تملك لهم إلا الدعاء والنصح، وربما فتح باب الحوار فقط.
ليس عيبا أن تعترف بقصور قدرتك، فالعيب كل العيب أن تدعي ما ليس فيك فتخيب ظنون من وثقوا بك. ويبقى السؤال الأصعب: أين موقف النظام والقانون من كل هذا؟ إن الفرص في أي مؤسسة سليمة تناسب أصحاب الكفاءات، وليس أصحاب العلاقات.
فالإدارة العادلة هي التي تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، دون النظر إلى من يعرفه أو من يجالس.لكن الحياة ليست دائما مثالية، فهناك استثناءات طارئة، وحالات إنسانية قصوى تتطلب وقوفنا إلى جانب بعضنا البعض، ليس كخرق للنظام، بل كرأفة إنسانية تضيق بها سعة القانون، وهنا فقط، في هذه المساحات الضيقة والطارئة، يجب أن تمتد الأيادي لتخفيف الألم، وأن تصبح المجاورة معنى حقيقيا للتعاون لا للسلطة.
وقد صدق الله حيث يقول: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا»، وهذه الآية الكريمة تضع حدا فاصلا بين ما نطيق وما لا نطيق، وتذكرنا أن الاستطاعة الإنسانية محدودة بقدر ما خلقت عليه، وأن تكليف النفس فوق وسعها هو ظلم لها، وادعاء القدرة على ما ليس في اليد هو غرور ينتهي بالخيبة.
فإذا كان رب العالمين يرفع الحرج عن عباده ويكلفهم بحسب طاقتهم، فكيف بنا نحن البشر نكلف أنفسنا وأهلينا ما لا نستطيع؟ وهنا أقف عند نقطة مؤلمة يعرفها جيدا كل من جرب القرب من المسؤولين، وتلك هي نظرات الإحراج التي يرمقك بها بعض الأصدقاء بعد أن تخيب آمالهم.
ذلك الصديق الذي كان يظن أن صلته بك ستجعل منه أولوية، ثم إذا خرجت الأمور عن إرادتك وتحكم فيها القانون والإجراءات، تجده يبتعد ويهجر ويصبح حديثه معك باردا متكلفا، كأنك خنت عهده أو غدرت بثقة كانت بينكما.
إنه إحراج مزدوج، إحراجك لأنك لم تستطع، وإحراجه لأنه بنى توقعات على غير أساس، ثم جاءت النتيجة مخالفة لما كان يحلم به.
كثير من الأصدقاء يظنون أن المحبة تنقل الصلاحيات، وأن الود يختصر الإجراءات، فينسون أن الوزير أو المدير ليس مقررا يستأثر بالأمر، بل هو موظف في نظام، ووكيل في مؤسسة، يخضع لضوابط لا تنفع معها حتى أخلص العلاقات.
وهؤلاء الأصدقاء عندما يجافونك، فإنهم في الحقيقة إنما يجافون المنطق الذي يفرق بين الود الشخصي والعمل المؤسسي، وينسون أنك أبريت ذمتك حين بذلت الجهد ورفعت الصوت، ولو استطعت لكان الأمر لك طوعا.
فالناس معذورون في حاجتهم، وأنت معذور في قدرتك المحدودة، والمسؤول معذور في حدود نظامه، والصديق الجافي معذور أيضا لأنه تألم لأمنية لم تتحقق، وهو لا يدري أن ألمه ليس سببه تقصيرك، بل سببه ظنه أن القرب وحده كاف لتغيير سنن الدنيا.
والمغفرة لن تأتي من ادعاء القدرة، بل من الوضوح والنزاهة، ومن الاعتراف أننا جميعا مرتهنون لقدرنا المحدود وللقانون الذي لا يحابي.
لا تكن مثل المسؤول، بل كن جسرا شفافا يعرف المارة أنه ينتهي عند الضفة الأخرى، ولا يعدهم بأنه سيأخذهم إلى القمر.
تواضع الجميع هو المفتاح، فالمسؤول يوما كان مواطنا، والمواطن قد يكون مسؤولا غدا، والقانون هو الحصن الذي يحمي الجميع حين يعجز الجميع، لكن الرأفة هي الروح التي تمنح ذلك الحصن نوافذ من الرحمة.
وإذا جافاك صديق لأنك لم تحقق له ما يريد، فتذكر أن المحبة الحقيقية هي التي تصبر على القصور، وأن العشرة النبيلة هي التي تبقى بعد انكشاف الحقيقة، وأن من تركك حين احتجت إلى عذره، فقد علمك درسا في أن الناس يأتون للحاجات، وأن القليل من يبقى للحب وحده.
ولعل أعظم ما نتعلمه من هذه المواقف هو أن نكون صادقين مع أنفسنا أولا، فلا نغتر بحديث الصورة، ولا نظن أن المجاورة تمنحنا حكماً على المصائر، ثم نكون صادقين مع من حولنا، فلا نعد بما لا نملك، ولا نخجل من الاعتراف بأن أيدينا ليست مفاتيح الغيب، وأن الفرص تجري بأسبابها، وأن الأقدار لا تخضع لمجرد أننا عرفنا فلانا أو جالسنا علانا.
ولنبق جميعا في دائرة الاحترام المتبادل، عالمين أن القيمة ليست في أن تكون بجانب المسؤول، بل في أن تكون أمينا مع من آمن بك، وصادقا مع من وثق بك، وكريما مع من احتاجك، دون أن تغتر بالظل أو تنسى حقيقة الجسد، ودون أن ننسى أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فمن وسعه شكر النعمة والاعتراف بالعجز، ومن وسعه العذر للناس كما يعذر نفسه، ومن وسعه الصبر على جفاء من ظن فيك فوق طاقتك.