أنس تشكالا
في زمن لم يعد فيه الإنسان يحتاج إلى منبر كي يُسمع صوته، يكفيه هاتف صغير واتصال بالإنترنت ليصبح له رأي في كل شيء تقريبًا. خبرٌ عابر، صورةٌ في مكان بعيد، قرارٌ لا يعرف تفاصيله، خلافٌ بين شخصين لا يعرفهما، أو حدثٌ وقع في مجتمع لم يزره قط؛ كلها تتحول خلال دقائق إلى موضوع للنقاش والتعليق والحكم. وكأن الحياة الحديثة أقنعتنا بأن وجودنا لا يكتمل إلا إذا كان لنا موقف معلن من كل ما يحدث حولنا. لكن هل نحتاج فعلًا إلى أن يكون لنا رأي في كل شيء؟
ربما كانت إحدى علامات النضج التي نفتقدها اليوم هي أن نعرف متى نتكلم، ومتى نصمت، ومتى نقول ببساطة: «لا أعرف». فليس كل ما يصل إلى أعيننا يحتاج إلى حكم، وليس كل ما نسمعه يحتاج إلى تعليق، وليس كل سؤال يطرح علينا يحتاج إلى إجابة فورية. أحيانًا يكون الامتناع عن إبداء الرأي أكثر وعيًا من رأي سريع لا يستند إلى معرفة.
لقد تغيرت علاقتنا بالرأي، كان الإنسان في الماضي قد يعرف شيئًا عن محيطه القريب، ثم يبني موقفه على ما يراه ويسمعه ويعيشه. أما اليوم، فقد أصبح العالم كله يدخل إلى غرفتنا في لحظات. نستيقظ على أخبار من قارات بعيدة، ونشاهد أحداثًا لم نعش سياقها، ونقرأ آراء عشرات الأشخاص حولها، ثم نشعر بأن علينا أن نختار فورًا جانبًا من الجانبين. لا تمنحنا المنصات الرقمية وقتًا كافيًا للفهم قبل الحكم؛ فالسرعة جزء من طبيعتها.
وهكذا أصبح الرأي أحيانًا رد فعل أكثر منه موقفًا. نقرأ العنوان فنغضب، نرى صورة فنحكم، نسمع جملة فنقرر نية صاحبها، ثم نكتب تعليقًا قبل أن نعرف ما حدث فعلًا. وبعد دقائق قد يظهر سياق جديد يغير الصورة كلها، لكن الرأي الأول يكون قد خرج إلى العالم ولم يعد من السهل استعادته. المشكلة هنا ليست في كثرة الآراء بحد ذاتها، فالاختلاف والتعبير عن الرأي من مظاهر الحياة الفكرية الصحية. المشكلة تبدأ حين نخلط بين حقنا في إبداء الرأي وامتلاكنا المعرفة الكافية لإبدائه. أن يكون لي الحق في الكلام لا يعني أنني أملك دائمًا ما يكفي من المعلومات لأحكم. وامتلاك منصة للنشر لا يمنح صاحبه تلقائيًا خبرة في كل موضوع يظهر أمامه.
هناك فرق كبير بين أن تقول: «هذا رأيي»، وأن تقول ضمنًا: «أنا أعرف». الأول تعبير عن موقف شخصي، أما الثاني فيحمل ادعاءً بالمعرفة.
وقد يكون الإنسان صادقًا حين يقول «لا أعرف»، بل ربما تكون هذه الجملة في بعض المواقف أكثر علمية وأمانة من صفحات طويلة من الكلام.
لقد أصبحت «لا أعرف» في ثقافتنا المعاصرة كلمة ثقيلة. نريد أن نظهر مطلعين، ومتابعين، وقادرين على التعليق. نخشى أن يبدو صمتنا جهلًا، وأن يُفهم ترددنا ضعفًا، وأن يُفسر اعترافنا بعدم المعرفة على أنه نقص في المكانة. ولذلك نتحدث أحيانًا في أمور لا نعرف عنها إلا عنوانًا، ونناقش قضايا لم نقرأ عنها إلا منشورًا مختصرًا، ونصدر أحكامًا على أشخاص لم نلتق بهم قط.
والأغرب أننا قد نشعر أحيانًا بالحرج إذا لم يكن لدينا رأي. إذا تحدث الجميع عن فيلم، شعرنا بأن علينا أن نشاهده. وإذا انتشر نقاش حول قضية عامة، شعرنا بأن علينا أن نختار موقفًا. وإذا أصبح موضوع ما حديث الناس، بدا لنا أن عدم المشاركة نوع من الغياب. كأن المجتمع الرقمي لا يكتفي بأن يمنحنا حق الكلام، بل يدفعنا إلى استعماله باستمرار.
لكن الإنسان ليس مضطرًا إلى تحويل كل ما يمر أمامه إلى موقف شخصي. يمكنه أن يقرأ خبرًا دون أن يعلّق عليه، وأن يشاهد نقاشًا دون أن ينضم إليه، وأن يسمع رأيًا يخالفه دون أن يدخل في معركة لإثبات خطئه. يمكنه أن يترك بعض الأسئلة معلقة، وبعض القضايا مفتوحة، وبعض الأحداث تمر من أمامه دون أن تمنحه حكمًا نهائيًا.
وهذه ليست سلبية كما قد تبدو. فالصمت أحيانًا ليس غيابًا عن الموقف، بل نتيجة لموقف أكثر عمقًا: أنا لا أملك معلومات كافية، ولذلك لن أتسرع. أو: هذه مسألة لا تعنيني، ولذلك لن أتدخل. أو: أحتاج إلى وقت لأفهم قبل أن أحكم. أو حتى: ليس من الضروري أن يعرف الآخرون رأيي في كل شيء.
وفي العلاقات الإنسانية تحديدًا، قد يكون الامتناع عن الرأي نوعًا من الاحترام. ليس كل خلاف بين شخصين يحتاج إلى جمهور، وليس كل مشكلة عائلية تحتاج إلى محللين من الخارج، وليس كل قرار يتخذه شخص نعرفه يحتاج إلى نصيحتنا. أحيانًا نتدخل لأننا نعتقد أننا نساعد، بينما نحن في الحقيقة نضيف صوتًا آخر إلى ضجيج الشخص الذي يحاول أن يفهم حياته.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي جعلت هذه المسألة أكثر تعقيدًا. فالمنصات الرقمية تكافئ التفاعل، وكلما كان الرأي أكثر حدة، زادت فرص انتشاره. الجملة المتوازنة لا تنتشر دائمًا مثل الجملة الصادمة، والرأي المتأني قد لا يجذب الانتباه مثل الحكم القاطع.
وهكذا نتعلم، دون أن نشعر، أن اليقين أكثر جاذبية من التردد، وأن السرعة أكثر إثارة من التحقق، وأن الصوت المرتفع قد يبدو أقوى من الحجة الهادئة.
لكن الحياة ليست منصة للتفاعل المستمر، هناك فرق بين أن يكون الإنسان حاضرًا في العالم وبين أن يكون حاضرًا في كل نقاش. ليست كثرة التعليقات دليلًا على عمق الوعي، كما أن كثرة الكلام لا تعني بالضرورة كثرة المعرفة. أحيانًا يكون أكثر الناس حكمة هو الذي يستطيع أن يرى مساحة كبيرة من جهله، ولذلك لا يتعجل في ملئها بالكلام. وهنا نحتاج إلى إعادة الاعتبار إلى فضيلة نادرة: التريث.
التريث لا يعني الخوف من إبداء الرأي، ولا يعني أن يصبح الإنسان بلا موقف. على العكس، قد يجعل مواقفه أكثر قوة؛ لأنه يمنحه فرصة للتفكير، والتحقق، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، وفهم التفاصيل التي تختفي وراء العناوين. الرأي الذي يتشكل بعد معرفة ليس كالرأي الذي يولد من الانفعال.
وليس معنى ذلك أن نصمت أمام كل شيء. هناك قضايا تحتاج إلى كلمة، ومواقف تحتاج إلى شجاعة، وظلم لا ينبغي أن يمر بلا اعتراض. لكن الحكمة ليست في الصمت الدائم ولا في الكلام الدائم؛ الحكمة في أن نعرف متى يكون الكلام مسؤولية، ومتى يكون الصمت مسؤولية أيضًا. فليس كل ما يحدث حولنا شأنًا لنا، وليس كل شأن لنا يحتاج إلى إعلان، وليس كل إعلان يحتاج إلى معركة. يمكن أن نختلف دون أن نحول الاختلاف إلى خصومة، وأن نرفض دون أن نهين، وأن ننتقد دون أن نظن أننا نملك الحقيقة كلها.
وربما نحن بحاجة اليوم إلى نوع جديد من التربية: أن نعلّم أبناءنا ليس فقط كيف يعبرون عن آرائهم، بل كيف يكوّنونها، ومتى يؤجلونها، ومتى يراجعونها، ومتى يقولون «لا أعلم». فالوعي لا يعني أن تمتلك جوابًا لكل سؤال، بل أن تعرف أي الأسئلة تحتاج إلى بحث، وأيها لا تملك معطياتها، وأيها لا يستحق منك جوابًا أصلًا.
وفي عالم سريع، قد يبدو الإنسان الذي يتأنى بطيئًا. وفي عالم يحب الأحكام السريعة، قد يبدو المتردد ضعيفًا. وفي عالم يطلب منك أن تختار جانبًا فورًا، قد يبدو من يقول «أحتاج إلى أن أفهم أولًا» خارجًا عن المألوف. لكن ربما يكون هذا الخروج عن المألوف ضرورة؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياته كلها في حالة رد فعل. نحن لسنا مطالبين بأن نكون لجنة تعليق على العالم. لسنا بحاجة إلى رأي في كل صورة، وحكم في كل قصة، وتعليق على كل حدث، وتفسير لكل سلوك. بعض الأشياء يمكن أن نتركها لأصحابها، وبعض القضايا لأهل الاختصاص، وبعض الأخبار للتحقق، وبعض الأسئلة للزمن.
والأجمل أن الإنسان حين يتوقف عن الشعور بأنه مطالب بالكلام في كل لحظة، يستعيد شيئًا من حريته. يصبح قادرًا على القراءة دون أن يكتب تعليقًا، والاستماع دون أن يدخل في جدال، ومشاهدة اختلاف الآخرين دون أن يشعر بأنه مطالب بإقناعهم، والمرور على بعض التفاصيل دون أن يحملها معه إلى بقية يومه. ربما لا تكمن الحكمة في أن يكون لنا رأي دائمًا، بل في أن نعرف أيّ رأي يستحق أن نقوله، وأيّ رأي يحتاج إلى أن نؤجله، وأيّ رأي لا نحتاج إليه أصلًا.
ففي عالم يزداد فيه الكلام كل يوم، قد لا تكون المشكلة أننا لا نملك ما نقوله، بل أننا نسينا أن نسأل قبل أن نقول: هل يستحق هذا الأمر رأيي أصلًا؟ وليس كل ما نستطيع قوله، جديرًا بأن نقوله.