د. عبدالمحسن الرحيمي
ربما أصبح من المشاهد المألوفة أن يحمل الطفل جهازًا ذكيًا قبل أن يحمل كتابه الأول، وأن يتقن الانتقال بين المقاطع قبل أن يكتشف متعة الانتقال بين صفحات قصة. وفي بعض البيوت، يتحول الهاتف أو الجهاز اللوحي، في أعمار مبكرة جدًا، إلى وسيلة سريعة لإشغال الطفل وتهدئته. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح مع بداية عام دراسي جديد لا يتعلق فقط بالوقت الذي أخذته التقنية من أطفالنا، وإنما بقدرة التعليم على استعادة جزء من هذا الانتباه وتوجيهه نحو التعلم والمعرفة وبناء المهارة.
الطالب الذي يعود اليوم إلى المدرسة أو الجامعة يدخل إلى بيئة تعليمية تختلف كثيرًا عن البيئة التي عرفتها أجيال سابقة. فهو معتاد على الوصول السريع إلى المعلومات، والتنقل بين مصادر متعددة، ومشاهدة المحتوى في صورته المرئية والسمعية والتفاعلية، وقد أصبح الهاتف بالنسبة إليه نافذة مفتوحة على عالم لا يتوقف عن تقديم الجديد. وفي المقابل، تعمل المدرسة والجامعة وفق مسار تعليمي يقوم على التدرج والتراكم والصبر، وبين البيئتين تتشكل واحدة من أكثر قضايا التعليم إلحاحًا: كيف نحافظ على عمق التعلم في زمن أصبح فيه الانتباه نفسه مجالًا للمنافسة؟
لا تكمن الإجابة في إبعاد الطالب عن التقنية، فهذا لم يعد خيارًا واقعيًا، وإنما في فهم المهارات التي تشكلت لديه داخل هذه البيئة وإدخالها إلى العملية التعليمية. فالطالب الذي اعتاد البحث يمكن أن يتعلم البحث المنهجي، والذي ينتقل بين مصادر متعددة يمكن أن يتعلم التحقق من موثوقيتها، والذي يتعامل يوميًا مع الصور والمقاطع يمكن أن يطور قدرته على تحليلها وصناعة محتوى أكثر قيمة. وحتى الاعتياد على التعلم عبر الشاشة يمكن تحويله من استهلاك سريع إلى مدخل لاكتشاف المعرفة والتوسع فيها.
وهذا يتطلب إعادة النظر في طريقة تقديم المعرفة، لا تحويل المدرسة إلى منصة ترفيهية. فالمطلوب ليس تقليد المقاطع القصيرة أو منافسة المحتوى الترفيهي بأدواته، وإنما استخدام التقنية للوصول إلى الطالب مع الحفاظ على العمق والانضباط اللذين يقوم عليهما التعلم الحقيقي. فالانتباه قد يجذب الطالب إلى المعرفة، لكن بناء المعرفة يحتاج إلى ما هو أبعد من لحظة جذب عابرة.
وتظهر هنا فجوة تستحق المعالجة؛ فالطالب يستطيع الوصول خلال ثوانٍ إلى كم هائل من المحتوى الجذاب، بينما قد يحتاج إلى جهد أكبر للوصول إلى مصدر علمي موثوق ومناسب لمستواه. وإذا كنا نريد منه أن يبحث ويتعلم ويكتشف، فعلينا أن نوفر له بيئة معرفية تستطيع منافسة سهولة الوصول إلى المحتوى الآخر. وهذا يفتح مجالًا واسعًا أمام المراكز البحثية والشركات والمؤسسات التعليمية لبناء قواعد بيانات ومكتبات رقمية ومحتوى عربي موثوق ومنظم ومتجدد، يجعل المعرفة الجيدة جزءًا طبيعيًا من البيئة الرقمية التي يعيش فيها الطالب.
ولا تتوقف المسألة عند المحتوى، بل تمتد إلى اكتشاف المواهب. فالطالب الذي يستخدم التقنية في التصميم أو البرمجة أو صناعة المحتوى أو البحث أو الألعاب قد يمتلك مهارات لا تظهر بوضوح في الاختبارات التقليدية. وإذا استطاعت المدرسة والجامعة قراءة هذه الممارسات بوصفها مؤشرات على قدرات قابلة للتطوير، فإن البيئة الرقمية يمكن أن تصبح مساحة لاكتشاف المواهب وتوجيهها بدل أن ينظر إليها دائمًا باعتبارها مصدرًا للتشتت.
وهنا يأتي دور الأسرة بصورة مختلفة. فالأسرة لا تستطيع أن تجعل المنع وسيلتها الوحيدة، كما أن ترك الطفل أمام الشاشة دون توجيه ليس حلًا. ما تحتاجه هو فهم البيئة الرقمية التي يعيش فيها الأبناء، ومساعدتهم على التمييز بين ما يستهلك وقتهم وما يضيف إلى معرفتهم، وبين الاستخدام الذي يفتح لهم بابًا جديدًا والاستخدام الذي يحول الوقت إلى استهلاك متكرر. فالطفل لا يحتاج فقط إلى من يحدد له مدة استخدام الجهاز، وإنما إلى من يساعده على فهم قيمة الوقت والانتباه وما يختار أن يضعهما فيه.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير الإرشاد الأسري والمدرسي والأكاديمي. فالإرشاد لا ينبغي أن ينتظر التعثر الدراسي أو المشكلة السلوكية حتى يبدأ، بل يمكن أن يمتد إلى علاقة الطالب بالتقنية، وعاداته التعليمية، وقدرته على التركيز، وتوازنه بين العالم الرقمي والتفاعل الإنساني، وطريقته في تحويل الأدوات المتاحة له إلى وسائل لبناء المعرفة والمهارة.
وتتزايد أهمية هذا الدور مع اتساع حضور الشاشة في التواصل والترفيه والتعلم معًا. فالمدرسة والجامعة لا تقدمان المعلومات فقط، وإنما توفران مساحة للحوار والعمل الجماعي وبناء العلاقات ومواجهة الاختلاف وتحمل المسؤولية واكتشاف الذات. وهذه الوظائف تزداد أهمية في البيئة الرقمية، لأنها تمنح الطالب خبرات إنسانية لا يمكن اختزالها في الوصول إلى المعلومة.
أما الجامعة، فهي أمام مسؤولية أكبر؛ لأنها المرحلة التي ينتقل فيها الطالب من تلقي المعرفة إلى إنتاجها. والطالب الجامعي الذي يدخل القاعة وهو يحمل سنوات من الخبرة الرقمية يحتاج إلى أن يتعلم كيف يحول هذه الخبرة إلى بحث وتحليل وإبداع وحل للمشكلات. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى الحياة الأكاديمية والمهنية، لم يعد كافيًا أن يعرف الطالب كيف يصل إلى المعلومة، بل أصبح عليه أن يعرف كيف يصوغ السؤال، ويتحقق من الإجابة، ويفهم حدود الأداة، ويستخدمها دون أن يتخلى عن مسؤوليته الفكرية.
ومن هنا تصبح بداية العام الدراسي فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين الطالب والتعليم والتقنية. فالعالم الرقمي لن يتراجع، والمنصات ستواصل تطوير قدرتها على جذب الانتباه، ولن ينجح التعليم بمحاولة عزل الطالب عن هذه البيئة.
ما يحتاجه الطالب هو القدرة على الدخول إليها بوعي، واختيار ما ينفعه، وتحويل ما يتعلمه فيها إلى معرفة ومهارة وإبداع.
وليس المطلوب أن ينتصر التعليم على الشاشة؛ فالشاشة أصبحت جزءًا من حياة الإنسان. المطلوب أن يتعلم الطالب كيف يستخدمها دون أن تصبح هي التي تحدد له ما يفكر فيه، وأن ينتقل من متلقٍ للمحتوى إلى باحث عنه، ومن مستهلك إلى منتج، ومن الانجذاب التلقائي إلى القدرة على اختيار ما يستحق انتباهه.
فالتحدي الحقيقي أمام التعليم ليس إخراج الشاشة من حياة الطالب، وإنما أن يتعلم الطالب كيف يجعلها في خدمة مستقبله، لا أن يصبح مستقبله رهينًا لما تعرضه الشاشة.