أحمد الأسمري
قد تكون قيمة الذكاء الاصطناعي لطالب كفيف في أن يصف له صورة لا يراها، ولطالب أصم في أن يحوّل شرح معلمه إلى كلمات أمامه، ولطفل يواجه صعوبة في التعبير في أن يمنحه وسيلة يقول بها ما يريد.
هذه التفاصيل التي قد تبدو بسيطة هي المقياس الحقيقي لأهمية التقنية. فالتقدم لا يُقاس فقط بقدرة الأنظمة على إنتاج النصوص والصور، بل بما تفتحه للإنسان من أبواب، وما تزيله من عوائق كانت تحد من تعلّمه أو تواصله أو استقلاله.
من هنا، فإن الذكاء الاصطناعي في مجال ذوي الإعاقة ليس ترفاً تقنياً، ولا إضافة شكلية إلى التعليم والتأهيل، بل فرصة إنسانية كبيرة، بشرط أن نعرف أين نضعه، وكيف نستخدمه، وما الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها.
غير أن التقنية لا تعمل وحدها، ولا يكفي أن نضع تطبيقاً في يد الطفل أو المعلم ثم نعدّ ذلك إنجازاً. فكل حالة لها ظروفها واحتياجاتها، وما يناسب طالباً قد لا يناسب غيره، حتى إن تشابه التشخيص.
المعلم يعرف تفاصيل لا تظهر في التقارير، والأخصائي يربط بين الملاحظة والقياس وتاريخ الحالة، والأسرة ترى سلوك الطفل في مواقف لا يراها أحد سواها. وهذه الخبرات لا يستطيع أي نموذج ذكي أن يحل محلها؛ لذلك ينبغي أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداة في يد المختص، يساعده ولا يتقدم عليه.
يمكنه أن يرتب البيانات، ويقترح أنشطة، ويبسط النصوص، ويدعم وسائل التواصل، ويرصد بعض الأنماط في أداء الطالب. وقد يخفف كثيراً من الأعمال المتكررة التي تستنزف وقت المعلمين والأخصائيين. لكنه لا يشخّص حالة بمفرده، ولا يصدر حكماً تربوياً نهائياً، ولا يعرف الطفل معرفة من يتعامل معه كل يوم.
في التربية الخاصة، تزداد الحاجة إلى هذا الوضوح؛ لأن الخطأ لا يقتصر أثره على نتيجة في تطبيق، بل قد يقود إلى توقعات غير دقيقة، أو برنامج تعليمي لا يناسب الطالب، أو قلق غير مبرر لدى أسرته.
المطلوب الآن هو الانتقال من الاحتفاء العام بالتقنية إلى تحديد المهام التي تستطيع فعلاً أن تخدم فيها. ما الأعمال التي يمكن أن تختصرها على المعلم؟ وكيف تساعد الأخصائي في تنظيم ملاحظاته ومتابعة التقدم؟ وما الذي يمكن أن تقدمه للأسرة من غير أن تغرقها في معلومات معقدة أو تضعها أمام استنتاجات غير موثوقة؟
إن نجاح هذه الأدوات في بيئتنا يرتبط بقدرتها على فهم اللغة العربية وخصائصها، والتعامل مع اختلاف اللهجات وطريقة تعبير الأطفال، ومراعاة واقع المدرسة السعودية واحتياجات الأسر. فالأداة المترجمة على عجل قد تبدو متقدمة، لكنها تفقد كثيراً من فائدتها عندما تعجز عن فهم المستخدم الذي صُممت من أجله. وهذا يفتح مجالاً واسعاً أمام المؤسسات التعليمية والجامعات ومراكز الخدمات المساندة والقطاع التقني لبناء حلول سعودية تتصل بالاحتياج الفعلي: أدوات تصف الصور والمشاهد، وبرامج تدعم التواصل، ومحتوى تفاعلياً للتدخل المبكر، وتطبيقات تساعد في تعليم المهارات اليومية، وأنظمة ترتب الملاحظات وتوضح مسار تطور الحالة.
لكن هذه الحلول لن تنجح إذا صُممت بعيداً عن الميدان. يجب أن يشارك الأشخاص ذوو الإعاقة وأسرهم ومعلموهم وأخصائيوهم في بنائها وتجربتها وتقييمها منذ المراحل الأولى. فالمستفيد قد يكشف في دقائق عيباً لم ينتبه إليه فريق التطوير طوال أشهر.
ولا بد أيضاً من التعامل الجاد مع خصوصية البيانات؛ لأن المعلومات المتعلقة بالتشخيص والسلوك والقدرات التعليمية شديدة الحساسية. ولا يجوز أن يكون الحماس للتقنية سبباً في تداولها بلا ضوابط واضحة، أو استخدامها في تدريب الأنظمة من دون معرفة أصحابها وموافقتهم.
الذكاء الاصطناعي ليس عادلاً بطبيعته، ولا نافعاً في كل استخدام. قيمته تتحدد بالطريقة التي نصممه بها، والغاية التي نوجهه إليها، ومدى وصوله إلى من يحتاجه، لا إلى من يستطيع دفع تكلفته فقط.
لسنا مطالبين بأن نأخذ من التقنية كل ما تعرضه، بل أن نختار منها ما يجعل حياة الإنسان أسهل، ويمنحه قدراً أكبر من الاستقلال والقدرة على التعلم والتواصل.
ومجال ذوي الإعاقة من أكثر المجالات استحقاقاً لهذه الفرصة؛ لأن أثر التقنية فيه لا يقاس بحداثة التطبيق، بل بما تفتحه أمام الإنسان من أبواب كانت موصدة.