د. راشد بن حسين العبدالكريم
على مر العصور السابقة كانت الكتابة للنخبة، وللمتعلمين، سواء تعليماً منظماً أو من خلال الخبرة. وكانت الكتابة مرتبطة ليس فقط بالمعرفة، بل أيضاً بالقدرة اللغوية. فليس كل من يجيد عملا يجد نفسه قادراً على الكتابة عنه، أو راغباً في ذلك، وقديماً كان أغلب الكتابة يقوم بها (المؤلف)، ولم يكن هناك من يساعده، في كتابته أو تأليف كتبه، ربما يتولى بعض طلابه كتابتها من إملائه، أو نسخها بعد أن يكتبها هو، لكن كانت الكتابة والتأليف عملاً فردياً.
في العصر الحديث انتشرت الكتابة بالمساعدة، وصار هناك ما يسمى (التحرير). وزادت مساحته كثيرا وتفاوتت، فمن التحرير اللغوي إلى التحرير الهيكلي والعلمي، حيث يتدخل المحرر (المحترف) في بناء هيكل الكتاب، وتعديل أسلوبه، ومحتواه العلمي.
في العقود الأخيرة، تدخلت التقنية و (الذكاء الاصطناعي البدائي)، فصار يساعد الكتاب في التصحيح النحوي والإملائي،وقد كان وجود الأخطاء اللغوية في الكتاب عيبا لا يُغتفر عند المؤلفين المتقدمين، العرب منهم على الأقل، ويعد هذا علامة واضحة على عدم أهلية الكاتب للتأليف إلا أن المراجعة اللغوية عند المتأخرين - البشرية، أولًا، ثم الآلية - كانت مقبولة، بل صارت أمرا متعارفا عليه.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي التوليدي فطم الوادي على القَرِيّ. فزالت الحدود بين الكاتب والآلة، أو كادت، فصار تدخل الذكاء الاصطناعي في «عملية التأليف» عميقة ومتشعبة وتتوسع يوما بعد يوم، حتى ظهر مصطلح «الكتابة الهجين» او المهجنة. فبمقدور الذكاء الاصطناعي أن يكتب مقالا أو تقريرا جيدا (على الأقل)، في حال أُوعِز إليه بشكل جيد. ومع أن ما ينتجه من نص يشبه (خاصة للكاتب المحترف) النبتة الصناعية (البلاستيكية)، إلا أنه، مع ذلك، يناسب معايير كثير من قنوات النشر الشعبية، ويناسب سوق العمل الذي يهتم بنوع من المحتوى أكثر من الأسلوب. (في الحقيقة أغلب حياتنا صار إما صناعيا أو متصنعا!)
رغم كثرة الدعاوى، فليس بمقدور الذكاء الاصطناعي (إلى الآن على الأقل) أن ينتج كتابا كاملا ذا قيمة. وفي حال قيامه بذلك فإنه يتطلب جهدا كبيرا جدا من «المؤلف»، فهو يمكن أن يضع هيكلا للكتاب وجدولَ محتويات، وقد يُنتج «قطعا» قصيرة، لكن يحتاج إلى توجيه دقيق، وأوامر مفصلة، ومتابعة وتحرير وتحققٍ من المعلومات، ربما توازي جهد كتابة الكتاب بكامله! وفي النهاية لن يستطيع القيام بهذه المتابعة إلا «مؤلف محترف».
لكن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مساعدا مفيدا للمؤلف والكاتب، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يبحث عن الأفكار الرائجة والتي هي حديث الساعة في المجال الذي يريد المؤلف أن يكتب فيه، ويمكن أن يلخص له أهم الأبحاث في ذلك، وربما ساعده على تحديد (الفجوات) التأليفية، بناء على ذلك، وبسبب قدرته الهائلة على قراءة كم كبير من المحتوى، يمكن أيضا للذكاء الاصطناعي أن يقترح أفكارا للكتابة، ويساعد المؤلف على تطويرها والنظر إليها من زوايا مختلفة. يمكن أيضا للذكاء الاصطناعي أن يدل الكاتب بعض الكتب أو المقالات في أي فكرة يختارها، ويلخصها له. (لكن على الكاتب أن لا يثق كثيراً في معلوماته ولا تلخيصه، فهو جريء وواثق أكثر من اللازم!). الذكاء الاصطناعي بارع في إعادة الصياغة، والتسهيل في العرض، وإعطاء الأمثلة، كما أنه يبدع في تفريع الأفكار، بحيث يساعد الكتاب عند وصوله إلى ما يُسمى (حُبسة الكاتب). يساعد الذكاء الاصطناعي أيضا في المراجعة، فمن أصعب المراحل في التأليف (عندي على الأقل!) مراجعة المسودة النهائية للكتاب. الذكاء الاصطناعي مفيد في هذه المرحلة، فبالإيعاز له، بالأمر المناسب، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يراجع الكتاب فصلاً فصلاً، ويتتبع الثغرات فيما يقرأ، وربما بمقدوره اكتشاف بعض الأخطاء العلمية، أو التنبيه على التناقضات أو التكرار، مما لا يكاد يسلم كاتب من الوقوع فيه.
بالجملة الذكاء الاصطناعي لن يكون بديلا عن الكاتب والمؤلف، لكنه مساعد مفيد، يوفر الوقت والجهد.
الذكاء الاصطناعي مساعد ماهر وذو قدرات خارقة، لكن لن يستفيد منه بشكل صحيح إلا من كان مبدعا، وناقدا، وجادا في التعامل مع الأفكار ومع حِرفة الكتابة.
قد يقول قائل: إن الذكاء الاصطناعي سيجعل الجميع كتابا ومؤلفين، وأقول: إن هذا مبالغ فيه، وربما غير صحيح، فالنصوص يولدها الذكاء الاصطناعي تنقصها إلى حد كبير الروح والطعم والنكهة (صوت المؤلف البشري). تماما كما تحس بالفرق عندما تدخل محلاً لبيع الزهور الطبيعية وآخر لبيع الزهور الصناعية.
ظهرت مشكلة طريفة فيما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وحقوق النصوص والأفكار المولدة بالذكاء. فهل ما «يكتبه» الذكاء حق لمن أنتجه من البشر؟ أم هو مشاع؟! فعندما أطلب من الذكاء الاصطناعي أن يكتب لي مقالاً عن مشكلة ما، ويكتبه لي ويقترح حلاً، فهل هذه الأفكار تكون ملكاً لي؟ وما الأساس الذي انبنت عليه هذا الملكية؟! لم لا يكون حقاً للشركة التي طورت النموذج؟ أو لمن نشر المقال؟ أو يكون حقاً مشاعاً؟ (اسألوا الذكاء الاصطناعي!)
ملاحظة مهمة: (لم يكتب الذكاء الاصطناعي حرفا واحدا في هذا المقال). أظن أنه سيتعيّن على كل كاتب أن يكتب مثل هذا الإفصاح!
** **
- جامعة الملك سعود