ناهد الأغا
وراء كل أثرٍ ثقافيٍّ خالد، تقف روح بشرية توّاقة؛ مبدعٌ آمن أن ما يعتمل في داخله من مشاعر وأفكار يستحق أن يولد من جديد، فصاغه كلمةً تلمع، أو لوناً يخلب، أو نغماً يخترق السكون، أو شكلاً يأسر العين، حتى إذا اكتمل الإبداعُ بين يديه، صار صاحبُه جسراً تمشي عليه القلوب إلى عوالم ما كانت لتُكتشف لولا شجاعة الحلم..
ثمة لحظاتٌ في تاريخ الأمم تختزل المعنى كله؛ لحظاتٌ يتوقف فيها المرء ليتأمل: ماذا يعني أن تُعلن دولةٌ عن مشروعها الثقافي الكبير في أثناء زيارةٍ رسمية على أعلى المستويات؟
ومن هذا الأفق، أعلنت وزارة الثقافة السعودية عن إنشاء المركز الثقافي في العاصمة الفرنسية باريس؛ منصةً رسمية للعمل الثقافي السعودي في فرنسا، وامتداداً استراتيجياً للجهود التي تقودها الوزارة لتفعيل الحضور الثقافي السعودي في العواصم العالمية الكبرى، حيث تُرسم ملامح المشهد الإنساني، وتُكتب فصول التأثير الحضاري..
لقد شهدت العلاقات الثقافية بين المملكة العربية السعودية وفرنسا تاريخاً طويلاً من الاهتمام المتبادل، تمثل في رحلات المستشرقين الفرنسيين إلى الجزيرة العربية، واهتمام المؤسسات الأكاديمية الفرنسية بدراسة التراث العربي والإسلامي، وترجمة المؤلفات العربية إلى اللغة الفرنسية، وفي العقود الأخيرة، تطور التعاون الثقافي بين البلدين ليشمل مجالات أوسع، من بينها المعارض الفنية، والبرامج الأكاديمية المشتركة، والترجمة المتبادلة للأعمال الأدبية، والمشاركة السعودية في الفعاليات الثقافية الفرنسية..
ويأتي هذا المشروع منسجماً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي جعلت من الثقافة ركيزة أساسية في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح، وأكدت على أهمية تعزيز الحضور الثقافي السعودي دولياً، وتمكين المبدعين السعوديين من الوصول إلى المنصات العالمية..
وإذا كانت باريس قد عُرفت عبر تاريخها بأنها عاصمة للأنوار، فإن المركز الثقافي السعودي فيها سيضيف إلى هذا النور قبساً من نور الجزيرة العربية؛ نوراً يحمله المبدعون السعوديون بعلمهم وفنهم وإبداعهم، ليؤكدوا أن الثقافة هي اللغة الأبقى أثراً في بناء العلاقات بين الأمم، وأن الحوار الحضاري هو السبيل الأمثل لتعزيز التفاهم والتعايش في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.
والمبدع السعودي اليوم في صميم القاعدة؛ فهو الشاعر الذي يحمل في قصيدته حنين البادية ودهشة المدينة، والروائي الذي يكتب حكايات الإنسان بكل تناقضاته الغنية، والفنان التشكيلي الذي يحوّل لون الرمل وذهبَ الشفق إلى لوحاتٍ تنطق، والموسيقي الذي يمزج الإيقاعات التراثية بأسئلة العصر، والمخرج السينمائي الذي يلتقط بعدسته تفاصيل الحياة بصدقٍ آسر..
وحين يقف أبناء المملكة اليوم في باريس، أو في أي عاصمةٍ من عواصم الأرض، مرفوعي الهامات، واثقين بما يحملون من إبداع، فإن في صدورهم يسكن حبٌّ كبير غرسه فيهم قائدهم، فعلّمهم أن العظمة لا تُستجدى، وأن الوطن لا يُعشق بالشعارات، بل يُعانق بالعطاء الذي يليق بسموّه..
وهكذا، يظل هذا الحدث الثقافي العظيم واحداً من أصدق تعبيرات الحب الكبير؛ حبٌّ يبدأ من قلب ولي العهد، ويسكن في روح الوطن، ويمتد إلى العالم إبداعاً خالداً، ليكتب في سجل الخلود سطراً من نور عنوانه: الأمير محمد بن سلمان حفظه الله، الذي حمل وطنه إلى حيث يسكن النور..
باريس... أيّ لقاءٍ تنتظرين؟ إنه لقاءٌ عنوانه الحب الكبير؛ شعلةٌ تنطلق من قلب ولي العهد، فتسكن وجدان المبدعين، ثم تعبر البحار إبداعاً خالداً، وشاهداً على أن المملكة العربية السعودية تمنح العالم أجمل ما تملك: ثقافتها، وإنسانها، وروحها.