تغريد إبراهيم الطاسان
يعود الطفل من مدرسته، فننتظر أن يحدثنا عن درس جديد، أو صديق تعرّف إليه، أو موقف جميل عاشه في يومه. لكنه أحيانًا يعود بقصة مختلفة: دفعه زميل، سخر منه آخر، تشاجر مع طفل في الفسحة، أو وقف عاجزًا أمام مجموعة شعر أنها أقوى منه.
وهنا يبدأ السؤال الذي تختلف حوله الأسر والمدارس: هل مثل هذه المواقف جزء طبيعي من الحياة المدرسية، يتعلم الطفل من خلالها الدفاع عن نفسه وبناء شخصيته، أم أنها تجارب قد تهزم ثقته بنفسه وتجعله أكثر خوفًا وانسحابًا؟
الحقيقة أن الطفل لا يحتاج إلى مدرسة تخلو تمامًا من الخلافات، فهذا غير واقعي، وربما ليس مفيدًا أيضًا. فالاختلاف، والتنافس، وحتى بعض المشاحنات العابرة، تمنحه فرصة ليتعلم كيف يعبّر عن غضبه، ويضع حدوده، ويدافع عن حقه، ويتفاوض، ويعتذر، ويتسامح.
الشخصية لا تُبنى في بيئة معقمة من المشكلات، وإنما في بيئة تسمح بحدوثها ثم تعلّم الطفل كيف يتعامل معها.
لكن المشكلة تبدأ حين نخلط بين الخلاف الذي يعلّم الطفل، والعنف الذي يكسره.
ليس صحيحًا أن نقول لطفل يتعرض للضرب أو الإهانة المستمرة: «دعه يتعلم كيف يكون رجلًا»، أو أن نعدّ صمته وضعف قدرته على الرد مرحلة ضرورية لبناء شخصيته.
كما أن التدخل في كل خلاف بسيط بين طفلين، وتحويله إلى قضية بين أسرتين وإدارتين، لا يبني طفلًا قويًا أيضًا. في الحالتين نحن نسلب الطفل فرصة النمو: مرة حين نتركه وحيدًا أمام الأذى، ومرة حين نخوض معاركه كلها نيابة عنه.
هنا يأتي السؤال الأهم: هل مدارسنا آمنة نفسيًا لأطفالنا؟
الأمان المدرسي ليس بوابة وحارسًا وكاميرات فقط. الأمان الحقيقي أن يدخل الطفل المدرسة وهو يعرف أن كرامته محفوظة، وأن هناك معلمًا يراه، ومرشدًا يسمعه، وإدارة تتدخل حين يتجاوز الخلاف حدوده الطبيعية. وأن يستطيع أن يقول: «أنا خائف» أو «فلان يضايقني» دون أن يُتهم بالضعف أو الوشاية.
نحتاج في مدارسنا إلى الانتقال من ثقافة «من بدأ؟ ومن ضرب من؟» إلى سؤال أعمق: ماذا يتعلم الطفل من هذا الموقف؟ فحتى الشجار يمكن تحويله إلى درس في ضبط الغضب، واحترام الحدود، وتحمل المسؤولية وإصلاح الخطأ.
والأسرة شريك أساسي في ذلك؛ فلا تربي ابنها على أن يضرب كل من يختلف معه، ولا تربيه على الاستسلام، ولا تصدقه في كل رواية دون أن تسمع الطرف الآخر. المطلوب طفل يعرف كيف يدافع عن نفسه دون أن يتحول إلى معتدٍ، وأن يطلب المساعدة دون أن يشعر بأنه ضعيف.
وأحيانًا لا يكون الخلاف بين الأطفال هو المشكلة، بل ما يحدث بعده؛ فالصغار قد يتشاجرون اليوم ويلعبون معًا غدًا، بينما يحتفظ الكبار بالغضب طويلًا. لذلك من الحكمة أن نمنح الأطفال مساحة ليصلحوا ما بينهم، وألا نحوّل خلافًا صغيرًا إلى خصومة كبيرة؛ فتدخل الكبار أحيانًا يفسد ما يستطيع الصغار إصلاحه وحدهم.
المدرسة الناجحة ليست التي لا يتشاجر فيها الأطفال، فهذا يكاد يكون مستحيلًا؛ بل المدرسة التي لا يخرج فيها طفل من الشجار مهزومًا من الداخل، وتستطيع أن تجعل من خلاف صغير فرصة لبناء شخصية أكبر.