أنور الدوامي
قد يلفت انتباهك لأول وهلة لقب «الميكانيكي» عندما يصف وزير نفسه بهذا الوصف، لكن من استمع إلى لقاء معالي وزير المالية المصري الأسبق الدكتور يوسف بطرس غالي مع الإعلامية المتألقة لميس الحديدي سيدرك أنه لم يكن يقصد المهنة نفسها بوصف نفسه ميكانيكيا، بل كان يقصد أسلوب التفكير وطريقة آلية التعامل مع القرارات وتأثيرها وتبعاتها وكيفية النظر لها كنظرة شمولية وبزاوية 360 درجة.
فهو يرى أن الاقتصاد ليس مجرد أرقام أو نظريات، وإنما منظومة مترابطة إذا اختل جزء منها تأثرت بقية الأجزاء، تماما كما يحدث في خطوط الإنتاج والآلات والسيارات وحتى البشر. ولهذا السبب كان ينظر إلى القرارات الاقتصادية باعتبارها عملية ضبط دقيقة لمنظومة كاملة، لا معالجة لجزء واحد منها.
وكمثال هنا على القرارات التي تعالج أزمة على الفترة القصيرة ولا تتضح مساوئها وما تسبب من أزمات على المدى الطويل لأنها لم ينظر لها من منظور ميكانيكي هو، تطبيق سياسة الطفل الواحد في الصين الذي بدأ عام 1979 للسيطرة على النمو السكاني السريع، وفرضت الحكومة حدا أقصى طفلا واحدا لكل عائلة مع وجود استثناءات. تسببت هذه السياسة في أزمة شيخوخة سكانية واختلال بالنوع الاجتماعي ونقص القوة العاملة وأزمة أنظمة التقاعد. ألغيت رسميا في عام 2015 لتسمح الحكومة بطفلين ثم ثلاثة أطفال لاحقا. هذا ينطبق كذلك على دول أوروبا التي يزداد نسبة كبار السن فيها مقابل تراجع أعداد الشباب.
مثال آخر قرار رفع أسعار الفائدة أحيانا لمواجهة التضخم فهو يساعد في كبح جماح الأسعار وتهدئتها لكنه في المقابل يسمع في عديد من الموشرات الأخرى مثل رفع تكلفة الاقتراض وتأثيره على الاستثمار والعقار والاستهلاك، وهنا تظهر الميكانيكا فالقرار الذي يعالج جزءا من الاقتصاد يحرك أجزاء أخرى ولذلك لا بد من النظر إلى الصورة كاملة وتأثيرها على المديين القصير والطويل.
من أكثر ما شد انتباهي حديث الدكتور يوسف عن إصدار السندات الدولية عام 2006 لمدة «ثلاثين عاما». وبحسب ما قال، لم تكن الدولة في حاجة ملحة إلى الاقتراض آنذاك، بل كان الهدف إرسال رسالة للأسواق العالمية بأن الاقتصاد المصري قادر على الاقتراض طويل الأجل بثقة المستثمرين. وأوضح أن التسعير استند إلى عائد سندات الخزانة الأمريكية مضافا إليه هامش قدره 3.5 في المائة. وأن الغاية كانت تعزيز ثقة المستثمرين وتحسين صورة الاقتصاد المصري وبالتالي جلب المستثمرين، وليس مجرد توفير السيولة.
وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذه الرؤية، فإنها تطرح سؤالا مهما، هل تتخذ بعض القرارات الاقتصادية لإرسال رسائل إلى الأسواق العالمية بقدر ما تتخذ لمعالجة أوضاع الاقتصاد المحلي؟ وهل السمعة الاقتصادية للدولة قد تكون في بعض الأحيان «أصل» لا يقل أهمية عن الأموال التي تدخل الخزينة؟
كذلك من الأفكار المهمة في اللقاء حديثه عن العلاقة بين السياسة المالية والسياسة النقدية، فوزير المالية يركز على الإيرادات والمصروفات والدين العام وزيادة الإنفاق لتحفيز النمو، بينما يركز محافظ البنك المركزي على استقرار العملة والتضخم الذي يستدعي رفع أسعار الفائدة وتشديد السياسة النقدية.
كلا الرأيين قد تكون صحيحة من زاوية مختلفة. ورغم اختلاف المهام، فإن نجاح كل طرف يعتمد على التنسيق مع الآخر وتفعيل الميكانيكية، مع الحفاظ على استقلالية البنك المركزي. فالاستقلالية لا تعني عدم التعاون، والتنسيق لا يعني التبعية.
تحدث كذلك الدكتور يوسف بطرس غالي عن الخلافات التي كانت تحدث بينه وبين محافظ البنك المركزي ذلك الوقت الدكتور فاروق العقدة، مشيرا إلى أن خلافاتهم كانت تحسم على مستوى القيادة السياسية.
وهذه نقطة تستحق التأمل فالاختلاف المهني بين المسؤولين ليس بالضرورة مؤشرا على وجود مشكلة، بل إنه دليل على وجود نقاش صحي لا يفسد للود قضية، ما دام أنه ينتهي بقرار واضح تلتزم به جميع الجهات، وأن نجاح الدول لا يقاس بعدم وجود خلاف، وإنما بقدرتها على إدارة هذا الخلاف وتحويله إلى قرارات تخدم المصلحة العامة.
أما مسألة ضياع أموال التأمينات والمعاشات التي ذكر الدكتور في اللقاء أنها شاعت عنه، فقد طرح وجهة نظره، وذكر أن الأموال لم تفقد، وإنما استثمرت ضمن إدارة المالية العامة للدولة. وبغض النظر عن تباين الآراء حول هذه المسألة، فإنها تؤكد أهمية الشفافية والإفصاح المستمر، لأن الثقة لا تبنى بالقرارات وحدها، بل بوضوح المعلومات للمواطن كما وضح الدكتور.
ولو نظرنا إلى تجارب الدول التي حققت نجاحات اقتصادية كبيرة، لوجدنا أن العامل المشترك بينها لم يكن أسماء المسؤولين، بل قوة المؤسسات، والتكامل بين السياسة المالية والسياسة النقدية، ووضوح الأدوار، واستمرارية العمل وفق رؤية طويلة المدى.
استمتعت باللقاء ليس لأنني خرجت مقتنعا بكل ما قيل، بل لأنني خرجت بفكرة مهمة وهي أن الاقتصاد ليس علم أرقام فقط، بل علم قرارات، وثقة، ورسائل، ومؤسسات والأهم «ميكانيكا».
ولهذا وصف معالي الوزير السابق يوسف بطرس غالي نفسه بـ«الميكانيكي» لأنه كان ينظر إلى الاقتصاد كمنظومة متكاملة ولا يحقق النجاح فيها جزء واحد، بل يتحقق عندما تعمل جميع الأجزاء بتناغم.