د.شريف بن محمد الأتربي
ليس من الصعب أن نكتشف الطالب الذي يحصل على أعلى الدرجات، لكن الأصعب أن نكتشف الطالب الذي يمتلك قدرة استثنائية قد لا تظهر كاملة في الاختبار. وبين الاثنين مساحة واسعة من المواهب والقدرات التي قد تمر داخل المدرسة دون أن يلتفت إليها أحد. ومع عودة الطلاب إلى مدارسهم، يكتسب الحديث عن الموهبة والتفوق أهمية أكبر، خصوصًا في ضوء ما يطرحه نظام التعليم العام الجديد من اهتمام برعاية الموهوبين، وتوفير البرامج والمسارات التي تتناسب مع قدراتهم واحتياجاتهم.
والسؤال الذي يستحق أن نطرحه هنا ليس فقط: كيف نكتشف الموهوب؟ وإنما: ماذا نفعل له بعد أن نكتشفه؟
هذه هي القضية الحقيقية. فالاكتشاف وحده لا يصنع موهبة، والاحتفاء بالطالب المتفوق في حفل أو منحه شهادة تقدير لا يعني أننا قدمنا له تعليمًا مناسبًا. الموهبة تحتاج إلى بيئة ترعاها، ومعلم يستطيع أن يلاحظها، ومنهج يمنحها مساحة للنمو، وتجارب أكثر تحديًا، وفرصًا للتجريب، والبحث، والإبداع. وإلا فإننا قد نكتشف الموهبة ثم نعيدها إلى الفصل نفسه، والمحتوى نفسه، والإيقاع نفسه، ونطلب منها أن تنتظر بقية زملائها.
وهنا تبرز واحدة من أهم الأفكار التي ينبغي أن نعيد النظر فيها: هل العدالة التعليمية تعني أن يتقدَّم جميع الطلاب بالسرعة نفسها؟
ربما كانت الإجابة تاريخيًا تميل إلى ذلك؛ فالصف الدراسي له عمر محدد، والمقرر له زمن محدد، والاختبار له موعد محدد، والطلاب جميعًا ينتقلون تقريبًا في الإطار الزمني نفسه. لكن الطالب المتفوق قد يكون قادرًا على استيعاب بعض المعارف والمهارات في وقت أقل بكثير، وقد يحتاج إلى تحديات تتناسب مع قدراته بدل أن يبقى منتظرًا حتى يلحق به الآخرون.
ولهذا فإن السماح للمتفوق، وفق ضوابط ومعايير واضحة، بأن يتقدم بصورة أسرع ليس امتيازًا يمنح له على حساب الآخرين، وإنما استجابة تربوية لاختلاف قدراته. فالعدالة لا تعني أن نجعل جميع الطلاب يسيرون بالسرعة نفسها، وإنما أن نعطي كل طالب فرصة للنمو بالسرعة التي تتناسب مع قدرته واستعداده.
لكن كيف تتحول هذه الفكرة من مبدأ نظري إلى إجراء فعلي داخل المدرسة؟ هنا نحتاج إلى أدوات قياس واضحة وموضوعية، لا تترك الأمر لتقدير شخصي قد يختلف من معلم إلى آخر. فالطالب الذي يحصل على شهادة معتمدة في اختبار «الآيلتس» وهو لا يزال في المرحلة المتوسطة أو الثانوية قد أثبت بالفعل مستوى في اللغة الإنجليزية يفوق ما يقدمه المقرر الدراسي، فلماذا يستمر في الجلوس في حصص لغة إنجليزية مصممة لمن لم يصل إلى مستواه بعد؟ والطالب الذي أتم حفظ القرآن الكريم وحصل على شهادة معتمدة بذلك قد أظهر قدرة استثنائية على الانضباط والحفظ والالتزام، وهي قدرات تستحق أن تُترجم إلى مسار مختلف لا إلى مجرد ثناء عابر. والطالب الذي يحمل شهادة معتمدة في الرياضيات، أو نتيجة متقدمة في أولمبياد علمي، قد أثبت جاهزية لمحتوى أعلى من صفه الدراسي. هذه الشهادات، وغيرها من الشهادات المعتمدة في مهارات محددة، يمكن أن تكون بوابة عملية لإعفاء الطالب من مقرر أنهاه فعليًا، أو لدمجه في مسار متقدم، أو لاحتساب ما أنجزه ضمن متطلباته الدراسية، بدل أن يُعاد تعليمه ما يتقنه أصلًا.
لكننا في المقابل بحاجة إلى الحذر من اختزال الموهبة في الدرجات والشهادات وحدها. فالطالب الذي يحصل على 100 % في جميع المواد، أو يحمل شهادة معتمدة في مهارة بعينها، ليس بالضرورة هو الموهوب الوحيد في المدرسة. فالشهادات أداة ممتازة في المجالات القابلة للقياس كاللغة والحفظ والرياضيات، لكن هناك مجالات لا تصدر فيها شهادات: طالب يطرح أسئلة غير معتادة، أو يمتلك قدرة على حل المشكلات، أو يبني نموذجًا تقنيًا، أو يكتب بصورة متميزة، أو يظهر قدرة استثنائية في الفن أو القيادة أو التفكير النقدي. وإذا كان اكتشاف الموهبة يعتمد على نتائج الاختبارات والشهادات فقط، فقد نكتشف جزءًا من الموهوبين ونفقد جزءًا آخر لا تكفي الأدوات المعيارية وحدها لرصده.
وهنا يصبح المعلم خط الدفاع الأول عن الموهبة التي لا تصدر بها شهادة. فالمعلم الذي يعرف طلابه يستطيع أن يلاحظ ما لا يظهر في الأرقام. يستطيع أن يكتشف الطالب الذي يفكر بطريقة مختلفة، والذي لا يكتفي بالإجابة وإنما يسأل عن سببها، والذي يبحث عن حلول بديلة، والذي يملك شغفًا بمجال معين. ولذلك فإن تدريب المعلم على اكتشاف الموهبة لا ينبغي أن يكون برنامجًا إضافيًا، بل جزءًا من الممارسة المهنية اليومية، إلى جانب الشهادات المعتمدة، لا بديلًا عنها.
لكن اكتشاف الموهبة، بالشهادة أو بملاحظة المعلم، يحتاج أيضًا إلى مدرسة لديها القدرة على الاستجابة. فما قيمة أن يحمل الطالب شهادة «آيلتس» متقدمة أو يقول المعلم: «هذا الطالب موهوب»، ثم لا يجد برنامجًا مناسبًا، أو مسارًا معتمدًا لاحتساب ما أنجزه، أو وقتًا للإثراء، أو مصادر تعلم إضافية، أو شراكة مع جهة متخصصة؟ الموهبة التي لا تجد بيئة مناسبة قد تتحول مع الوقت إلى ملل، والملل قد يتحول إلى تراجع في الدافعية، وربما إلى سلوكيات تفسر خطأ على أنها مشكلة انضباط.
ولهذا فإن الطالب الموهوب لا يحتاج دائمًا إلى المزيد من العمل، وإنما إلى عمل مختلف. ليس من المنطقي أن نعاقب الطالب المتفوق بمزيد من الواجبات لأنه أنهى عمله بسرعة، بينما المطلوب أن نعطيه تحديًا أعمق، أو مشروعًا أكثر تعقيدًا، أو مشكلة حقيقية يبحث عن حل لها، أو إعفاءً حقيقيًا من محتوى أثبت بشهادة أنه يتقنه. الفرق بين زيادة كمية العمل وزيادة عمق التعلم هو الفرق بين إثراء حقيقي وإشغال للطالب.
وهنا يمكن أن تتغير صورة المدرسة نفسها. المدرسة التي ترعى الموهبة لا تجعل الطالب المتفوق يعيش تجربة تعليمية منفصلة عن بقية زملائه طوال الوقت، وإنما توفر له فرصًا للإثراء والتعمق والتسريع والتخصص، مع الحفاظ على انتمائه إلى المجتمع المدرسي. فالموهبة ليست سببًا لعزل الطالب، وإنما فرصة لإثراء المدرسة كلها.
كما أن الأسرة لها دور مهم، لكن عليها أن تفرق بين رعاية الموهبة والضغط على الموهوب. فالطفل الذي يملك قدرة استثنائية ليس مشروعًا دائمًا لجمع الشهادات والجوائز. يحتاج إلى أن يعيش طفولته، وأن يخطئ، وأن يلعب، وأن يكتشف نفسه. والمبالغة في توقعات الأسرة، وتحويل كل اختبار معتمد إلى سباق جديد، قد تحول الموهبة من مصدر متعة إلى مصدر ضغط.
وهذا المنطق نفسه - الاعتراف بما أنجزه الطالب فعليًا بدل تكراره - لا ينبغي أن يتوقف عند بوابة المدرسة، بل يجب أن يستمر إلى التعليم العالي. فالطالب الذي التحق بالجامعة وهو يحمل شهادة «آيلتس» معتمدة، أو شهادة متقدمة في الرياضيات، أو إنجازًا موثقًا في مجال تخصصه، يستحق أن تعترف الجامعة بما أنجزه: إعفاءً من مقررات تمهيدية غطاها فعليًا، أو احتسابًا لساعات معتمدة، أو قبولًا مبكرًا في مسار متقدم. وإلا فإننا نبني نظامًا يشجع التسريع في المدرسة، ثم يعيد الطالب نفسه إلى نقطة الصفر بمجرد دخوله الجامعة، وهو تناقض يفرغ فكرة رعاية الموهوبين من قيمتها إذا لم يكن التعليم العالي امتدادًا للفلسفة نفسها لا قطيعة معها.
ومن المهم كذلك أن ننتقل من ثقافة الاحتفاء بالمتفوق إلى ثقافة استثمار التفوق. فالميدالية والشهادة والصورة الجميلة لحظة مهمة، لكنها لا تصنع مستقبلًا وحدها ما لم تُستثمر. السؤال الذي ينبغي أن يلي كل إنجاز، وكل شهادة معتمدة، هو: ماذا بعد؟ كيف نطور هذه القدرة؟ كيف نربطها بفرصة تعليمية حقيقية داخل المدرسة أو الجامعة؟ كيف نمنح الطالب تجربة بحثية أو ابتكارية؟ كيف نوصله بخبير أو جامعة أو جهة متخصصة؟ وكيف نحول موهبته من قدرة فردية إلى قيمة يستفيد منها هو ومجتمعه؟
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام المدرسة، ثم الجامعة من بعدها، في المرحلة المقبلة: ألا يكون اكتشاف الموهبة نهاية عملية، وإنما بداية رحلة.
إن الشراكات العالمية التي توقعها وزارة التعليم مع حكومات وجهات عالمية لها ثقلها وخبراتها في مجال التعليم لا يجب أن تظل مجرد صور في أرشيف الوزارة، بل يجب أن تفعل لتصبح باب من أبواب ثقل تجربة الطالب التعليمية، بل وتحويله من خلالها على الطالب الخبير الذي يمكنه نقل تجربته ومعرفته ومهاراته إلى زملاءه داخل الفصل وخارجه.
وفي ضوء نظام التعليم العام الجديد، يمكن أن يصبح لدينا تصور أكثر مرونة للتفوق؛ تصور لا يجعل جميع الطلاب ينتظرون الإيقاع نفسه، ولا يحصر الموهبة في الاختبار والشهادة وحدهما، ولا يكتفي بتكريم المتفوق، وإنما يوفر له مسارًا معتمدًا وواضحًا لكي يستمر في النمو - من الصف الدراسي إلى قاعة الجامعة.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه مع بداية كل عام دراسي ليس فقط: من هم الطلاب الذين حصلوا على أعلى الدرجات أو أنجزوا أعلى الشهادات؟ وإنما: من هم الطلاب الذين يمكن أن يصنعوا شيئًا مختلفًا إذا وجدوا من يكتشفهم، ويعترف بما أنجزوه، ويرعاهم؟
قد يكون بينهم الطالب الذي لم يحصل على المركز الأول، وقد يكون بينهم من لم يلفت الانتباه أصلًا، وقد يكون بينهم طالب يجلس في آخر الفصل ولا يعرف أحد بعد ماذا يمكن أن يصبح.
الموهبة لا تحتاج فقط إلى من يكتشفها، وإنما تحتاج إلى مدرسة تؤمن بها، ومعلم يراها، ونظام يعترف بما تنجزه ويسمح لها أن تنمو - من أول يوم دراسي إلى أول شهادة جامعية.