د. يحيى جابر
حصلت المملكة العربية السعودية على جائزة الأمم المتحدة للنماذج العالمية الرائدة لإصلاح الأراضي المتدهورة وتعزيز النظم البيئية، فجهود الدولة- رعاها الله- تم رصده عالمياً، من خلال مليون هكتار من الأراضي المتدهورة أُعيد تأهيلها، وأكثر من 159 مليون شجرة زُرعت، والمساحة المستعادة ارتفعت من 18 ألف هكتار إلى 250 ألف هكتار عام 2024، ثم إلى مليون هكتار مع بداية عام 2026، فيما تستهدف المملكة إعادة تأهيل 2.5 مليون هكتار وزراعة 215 مليون شجرة بحلول عام 2030، ضمن طموح وطني أوسع لزراعة 10 مليارات شجرة، بما يعادل إعادة تأهيل نحو 40 مليون هكتار، وهذه الأرقام تلخص جانبًا مهمًا من التحول البيئي الذي تشهده المملكة، وهو التحول الذي تُوّج في 26 من أغسطس عام 2026 ما ساهم في حصول المملكة العربية السعودية على هذه الجائزة المهمة، تقديرًا لجهودها في تنمية الغطاء النباتي واستعادة الأراضي المتدهورة وتعزيز النظم البيئية، «المصدر ـ وكالة الأنباء السعودية، المملكة العربية السعودية، خبر حصول المملكة على جائزة الأمم المتحدة للنماذج العالمية الرائدة لإصلاح الأراضي، 26 من أغسطس عام 2026؛ وزارة البيئة والمياه والزراعة، المملكة العربية السعودية، خبر تأهيل أول مليون هكتار وزراعة 159 مليون شجرة، عام 2026»، وتكتسب الجائزة الأممية أهميتها من أنها جاءت بعد نتائج ميدانية قابلة للقياس، وليس بناءً على مستهدفات مستقبلية فقط، فقد أشادت الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر بما حققته المملكة، ووصفت إعادة تأهيل مليون هكتار بأنها دليل على إمكانية استعادة الأراضي حتى في أكثر البيئات تحديًا، مؤكدة أن التجربة السعودية جمعت بين الحلول القائمة على الطبيعة والابتكار والتكامل بين السياسات والممارسات والقياس والتحقق، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، المملكة العربية السعودية، خبر تأهيل أول مليون هكتار وزراعة 159 مليون شجرة، عام 2026».
الدولة تضع البيئة في قلب التنمية
وراء هذا التحول قرار وطني واضح جعل البيئة جزءًا من التنمية وليس ملفًا هامشيًا، فقد أطلقت المملكة مبادرة السعودية الخضراء في عام 2021، بهدف زراعة 10 مليارات شجرة، أو ما يعادل إعادة تأهيل نحو 40 مليون هكتار في مختلف أنحاء المملكة، وهي مستهدفات ضخمة تعكس حجم التحول المطلوب في الغطاء النباتي واستعادة الأراضي، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، المملكة العربية السعودية، عام 2026»، وهنا تظهر أهمية اهتمام الدولة، فالمشروعات البيئية واسعة النطاق تحتاج إلى قرار سياسي طويل المدى، وتمويل، وتشريعات، وأجهزة تنفيذية، وبيانات، وشراكات، ومتابعة، ولذلك فإن الوصول إلى مليون هكتار لم يكن نتيجة حملة مؤقتة، وإنما نتيجة تراكم مؤسسي امتد عبر منظومة حكومية متكاملة، وصولًا إلى نتائج أصبحت محل تقدير دولي، 2026، وهو ما منح المملكة مساحة أكبر لعرض تجربتها البيئية والدفع بالعمل الدولي في قضايا تدهور الأراضي والجفاف والتصحر، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، المملكة العربية السعودية، تسليم رئاسة مؤتمر الأطراف لمنغوليا، أغسطس 2026»، واللافت أن الوزير خلال رئاسة المملكة للمؤتمر لم يتعامل مع قضية الأراضي بوصفها ملفًا بيئيًا محليًا، بل طرحها باعتبارها قضية مرتبطة بالأمن الغذائي والمائي والتنوع الأحيائي والتكيف مع التغير المناخي، وأكد أهمية بناء شراكات بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، المملكة العربية السعودية، كلمة وزير البيئة والمياه والزراعة خلال افتتاح الدورة السابعة عشرة للمؤتمر، أغسطس 2026».
من 18 ألف هكتار إلى مليون
الخط الزمني للإنجاز يكشف حجم التحول بصورة أكثر دقة من أي وصف إنشائي، فقد بدأت المملكة إعادة تأهيل الأراضي بمساحات بلغت نحو 18 ألف هكتار، ثم وصلت إلى 250 ألف هكتار عام 2024، قبل بلوغ مليون هكتار في بداية عام 2026، وهذا يعني إضافة نحو 750 ألف هكتار إلى الرقم المسجل في عام 2024 خلال فترة قصيرة، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، المملكة العربية السعودية، عام 2026»، وإذا كان الرقم الأول يقيس مساحة الأرض، فإن الرقم الثاني يقيس حجم الغطاء النباتي، فقد تجاوز عدد الأشجار المزروعة 159 مليون شجرة، باستخدام مصادر مياه متجددة، وهو ما يوضح أن التشجير يجري ضمن اعتبارات مرتبطة بالموارد المائية، وليس باعتباره مجرد زيادة عددية في الأشجار، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، المملكة العربية السعودية، منجزات أسبوع البيئة السعودي لعام 2026»، والأهم أن الوزارة أعلنت أن المستهدف بحلول عام 2030 يبلغ 2.5 مليون هكتار من الأراضي المعاد تأهيلها و215 مليون شجرة، ما يعني أن المليون هكتار الحالية تمثل نحو 40 % من المستهدف المرحلي، بينما يمثل عدد الأشجار المحقق نحو 74 % من مستهدف 215 مليون شجرة، وهذه المقارنة توضح تقدم المسارين بصورة مستقلة، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، المملكة العربية السعودية، عام 2026؛ برنامج الأمم المتحدة للبيئة، عام 2026».
الحياة الفطرية تدخل المعادلة
لا تقف نتائج التحول عند الأشجار والأراضي، فقد أعلنت وزارة البيئة والمياه والزراعة إعادة توطين أكثر من 10 آلاف كائن فطري مهدد في بيئاته الطبيعية، كما ارتفعت مساحة المحميات البرية لتشكل 18.1 % من مساحة المملكة، ووصل عدد المتنزهات الوطنية إلى 500 متنزه، وهي أرقام تكشف أن استعادة الأراضي تسير بالتوازي مع حماية الحياة الفطرية والموائل الطبيعية، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، أسبوع البيئة السعودي لعام 2026»، وهذه العلاقة مهمة علميًا، لأن الحيوان لا يمكن أن يعود إلى بيئة فقدت قدرتها على توفير الغذاء والماء والمأوى، وبالتالي فإن إعادة توطين الأنواع الفطرية تحتاج إلى استعادة الموائل أولًا أو بالتوازي معها، وهنا تتحول الشجرة من عنصر منفرد إلى جزء من منظومة تضم التربة والمياه والنبات والحيوان.
الرقابة والتقنية.. الوجه الآخر للإنجاز
ومن أهم ما يميز التحول البيئي السعودي وجود منظومة قياس ورقابة إلى جانب المشاريع الميدانية، فقد أصدرت الجهات المعنية نحو 40 ألف تصريح للمنشآت ذات الأثر البيئي، بزيادة بلغت 660 %، ونفذ مركز الالتزام البيئي نحو 173 ألف جولة رقابية، كما جرى نشر 240 محطة لمراقبة جودة الهواء، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، أسبوع البيئة السعودي لعام 2026»، وأهمية هذه الأرقام أنها تكشف أن حماية البيئة لا تعتمد على التشجير وحده، فهناك رقابة على المنشآت، ورصد لجودة الهواء، وقياس للالتزام، ومتابعة للأراضي المستعادة، وهو ما يحول العمل البيئي إلى منظومة إدارة متكاملة، وقد أنشأت الوزارة منصة لرصد الأراضي المعاد تأهيلها، واستفادت من تقنيات الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية، بما يساعد على متابعة المواقع التي دخلت برامج الاستعادة وقياس التغيرات التي تحدث فيها، وهي خطوة مهمة لأن نجاح الاستعادة يحتاج إلى قياس مستمر بعد انتهاء التنفيذ، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، منجزات منظومة البيئة والمياه والزراعة، عام 2026».
إنجاز وطني له بعد دولي
تزامن هذا الإنجاز الوطني العالمي، مع حضور سعودي دولي قوي في ملف مكافحة التصحر، فالمملكة استضافت الدورة 16 لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، وقادت خلال رئاستها للمؤتمر جهودًا دولية لتعزيز استعادة الأراضي ومواجهة الجفاف، ثم سلمت رئاسة الدورة 17 إلى منغوليا في أغسطس 2026، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، المملكة العربية السعودية، أغسطس 2026»، وخلال رئاسة المملكة للدورة 16، شاركت في نحو 50 فعالية دولية، ووصل عدد المبادرات الداعمة لأجندة عمل الرياض إلى 100 مبادرة، وهي أرقام تعكس اتساع الدور السعودي من تنفيذ مشاريع داخل المملكة إلى المشاركة في صياغة أجندة دولية مرتبطة بالأراضي والجفاف والتصحر، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، المملكة العربية السعودية، عام 2026».
الوزير.. من التنفيذ المحلي إلى الحضور الدولي
ويبرز في هذا المسار الدور الذي اضطلع به وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي، الذي تولى قيادة الوزارة في مرحلة شهد فيها القطاع انتقالًا من العمل القطاعي إلى منظومة أوسع تشمل البيئة والمياه والزراعة والاستدامة، كما تولى رئاسة الدورة 16 لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، وقد كان خطاب الوزير في ملف استعادة الأراضي مرتبطًا بصورة مباشرة بالمستهدفات والأرقام، إذ أكد أن رحلة المملكة بدأت بعمل منهجي قائم على الاستراتيجيات والخطط، ثم ارتفع مستوى الطموح مع مبادرة السعودية الخضراء، كما شدد على أهمية التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع في تحقيق النتائج، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، المملكة العربية السعودية، تصريحات وزير البيئة والمياه والزراعة، عام 2026»، وهذا مهم في تقييم الأداء الإداري، لأن الإنجاز البيئي واسع النطاق لا تصنعه جهة واحدة، وإنما يحتاج إلى قيادة تحدد الاتجاه، وأجهزة تنفذ، ومراكز متخصصة تقيس، وقطاع خاص يستثمر، ومجتمع يشارك، ولذلك فإن دور الوزير يظهر في بناء المنظومة وتنسيقها وربط نتائجها بالمستهدفات الوطنية والدولية، كما أن رئاسة المملكة لمؤتمر الأطراف منحت الوزير والجهات السعودية فرصة لنقل التجربة الوطنية إلى المنصة الدولية، وفي الوقت نفسه نقل التجارب الدولية إلى الداخل، وهو مسار يجعل العمل البيئي أكثر ارتباطًا بالمعايير والممارسات العالمية.
من مليون هكتار إلى 40 مليونًا
وعلى المدى الطويل، تقف المملكة أمام هدف أكثر ضخامة، هو زراعة 10 مليارات شجرة بما يعادل إعادة تأهيل نحو 40 مليون هكتار، وهو هدف يجعل المليون هكتار الحالية بداية لمسار طويل وليس نهاية المشروع، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، المملكة العربية السعودية، عام 2026»، وهنا تظهر أهمية الاستمرارية، لأن الوصول إلى 40 مليون هكتار يحتاج إلى عقود من التخطيط والتنفيذ والقياس والحماية، وهو ما يفسر ربط الملف البيئي برؤية السعودية 2030 والمبادرات الوطنية طويلة المدى، ومن المهم كذلك ألا تختلط المستهدفات، فالمسار الذي كرّمته الأمم المتحدة يرتبط بمستهدف 2.5 مليون هكتار و215 مليون شجرة بحلول عام 2030، بينما يورد البرنامج الوطني للتشجير مستهدفات زمنية خاصة به تشمل 400 مليون شجرة بحلول عام 2030، و4.7 مليارات شجرة بحلول عام 2060، و10 مليارات شجرة بحلول عام 2100، وهذه الأرقام متكاملة ضمن المنظومة الوطنية لكنها ليست رقمًا واحدًا لمشروع واحد، «المصدر ـ برنامج الأمم المتحدة للبيئة؛ المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، عام 2026».
تكريم يعكس الواقع
لا تكمن قيمة التكريم الأممي في الجائزة نفسها بقدر ما تكمن في القصة الرقمية التي سبقتها، 18 ألف هكتار، ثم 250 ألف هكتار، ثم مليون هكتار، وأكثر من 159 مليون شجرة، وأكثر من 10 آلاف كائن فطري مهدد أُعيد توطينه، و18.1 % من مساحة المملكة محميات برية، و500 متنزه وطني، و173 ألف جولة رقابية، و40 ألف تصريح بيئي، و240 محطة لمراقبة جودة الهواء، ثم أهداف أكبر تبلغ 2.5مليون هكتار و215 مليون شجرة بحلول عام 2030، و10 مليارات شجرة ونحو 40 مليون هكتار على المدى الطويل، «المصدر ـ وزارة البيئة والمياه والزراعة، المملكة العربية السعودية، عام 2026»، وهنا أرى أن هذه الأرقام تعكس تحولًا في مفهوم العمل البيئي السعودي، من مشروعات منفردة إلى منظومة وطنية تشارك فيها الدولة والوزارة والمراكز المتخصصة والقطاع الخاص والمجتمع، ومن التشجير إلى استعادة الأرض، ومن حماية النباتات إلى حماية النظم البيئية، ومن العمل المحلي إلى الحضور الدولي، إن اهتمام الدولة بالبيئة، والدعم الذي تحظى به المنظومة من القيادة، والعمل التنفيذي الذي تقوده وزارة البيئة والمياه والزراعة بقيادة المهندس عبدالرحمن الفضلي، لم يعد يقاس بالتصريحات والشعارات، وإنما بما يظهر في المساحات المستعادة، والأشجار المزروعة، والمحميات، والأنواع المعاد توطينها، ومنظومات الرقابة والقياس، والحضور الدولي، وهذا هو الفارق بين سياسة بيئية تعلن أهدافًا وسياسة بيئية تنتج أرقامًا، والجائزة الأممية في 26 من أغسطس عام 2026 جاءت لتضيف شهادة دولية إلى هذه النتائج، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف المسؤولية، فالمليون هكتار أصبح إنجازًا موثقًا، و159 مليون شجرة أصبحت رقمًا وطنيًا، والمطلوب الآن أن تتحول هذه النتائج إلى نظم بيئية مستقرة وقابلة للاستمرار والاستدامة، وأن يصبح كل هكتار مستعاد قاعدة لإنجاز جديد.
وهكذا فإن قصة السعودية مع استعادة الأراضي لا تختصرها جائزة، ولا شجرة، ولا مليون هكتار، وإنما تختصرها منظومة قرار ودعم وتنفيذ وقياس وإرادة قيادة وشعب، بدأت بإرادة وطنية، وتحولت إلى برامج، ثم إلى نتائج رقمية، ثم إلى اعتراف دولي، وفي هذا المسار تتضح قيمة الرؤية التي وضعتها الدولة، ودور الوزارة في تحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ، ودور الوزير في قيادة المنظومة وربط الإنجاز الوطني بالعمل الدولي، لتصبح البيئة السعودية اليوم واحدة من الملفات التي تقاس فيها التنمية بالأرقام، وتُعرض نتائجها على العالم باعتبارها تجربة قابلة للتطوير والبناء عليها.