سعدون مطلق السوارج
هناك تقارير مالية تُقرأ لمعرفة ما حدث، وتقارير أخرى تستحق أن تُقرأ لمعرفة ما الذي يتشكَّل.
والتقرير السنوي لصندوق الاستثمارات العامة لعام 2025 ينتمي بوضوح إلى النوع الثاني.
فالأرقام التي حملها التقرير لا تبدو، عند قراءتها منفردة، أكثر من مؤشرات على عام مالي قوي: إيرادات ارتفعت، وأرباح تضاعفت، وأصول مُدارة اتسعت، واستثمارات محلية تراكمت، وحضور دولي تمدد. لكن وضع هذه الأرقام إلى جوار بعضها يكشف صورة أكبر بكثير من حصيلة سنة مالية؛ صورة مؤسسة استثمارية أصبحت واحدة من أهم الأدوات التي تتحرك من خلالها عملية إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة التقرير.
فالقصة ليست أن صندوق الاستثمارات العامة حقق أكثر من 65 مليار ريال من صافي الربح، ولا أن إيراداته بلغت نحو 450 مليار ريال فحسب. القصة الأعمق أن رأس المال الذي تحرك داخل هذه المؤسسة خلال السنوات الماضية لم يعد يؤدي وظيفة استثمارية منفردة، وإنما أخذ يتحول إلى قوة اقتصادية تصنع الشركات، وتفتح القطاعات، وتبني المنظومات، وتستقطب رأس المال والخبرة العالمية، وتدفع القطاع الخاص إلى مساحات جديدة من النشاط.
وبهذا المعنى، فإن تقرير 2025 لا يروي قصة صندوق نما فحسب؛ بل يروي قصة اقتصاد بدأ ينضج في طريقة صناعة النمو.
حين يصبح الرقم دالًا على التحول
أعلن صندوق الاستثمارات العامة ارتفاع إيراداته خلال 2025 بنسبة 9 % على أساس سنوي لتصل إلى 450 مليار ريال، بينما تضاعف صافي الربح إلى أكثر من 65 مليار ريال، مدعومًا بنمو مساهمات الشركات الناضجة ضمن محفظته. ووصلت الأصول المُدارة إلى قرابة 3.4 تريليون ريال، مقارنة بنحو تريليوني ريال في 2021، ونحو 500 مليار ريال في 2015. كما حقق الصندوق 5.8 % إجمالي عائد للمساهمين على أساس سنوي منذ 2017 .
لكن قراءة هذه الأرقام باعتبارها مجرد نمو في حجم مؤسسة مالية ستكون قراءة ناقصة.
فالصندوق يضع هذه النتائج ضمن مهمة مزدوجة: تحقيق العوائد المالية المستدامة، وفي الوقت نفسه قيادة التحول الاقتصادي في المملكة. ولذلك فإن نجاح التجربة لا يُقاس بما يظهر في قائمة الأرباح وحدها، وإنما بما ينتقل من الاستثمار إلى الاقتصاد الأوسع: قطاعات جديدة، وشركات جديدة، وسلاسل قيمة، وبنية تحتية، وتقنية، ومعرفة، ووظائف، وأسواق لم تكن موجودة بالحجم نفسه من قبل.
وهنا تتغير زاوية النظر إلى الرقم.
450 مليار ريال ليست مجرد إيرادات مؤسسة؛ إنها نتيجة لاتساع منظومة اقتصادية تقف خلفها محفظة متنوعة من الشركات والاستثمارات.
وأكثر من 65 مليار ريال من صافي الربح ليست مجرد نتيجة مالية؛ إنها إشارة إلى أن الدور التنموي للصندوق لا يجري على حساب الانضباط الاستثماري، وأن الاستثمار طويل الأجل يستطيع أن يجمع بين صناعة الأثر وتحقيق العائد.
أما 3.4 تريليون ريال من الأصول المُدارة، فهي تحكي قصة انتقال الصندوق خلال عقد واحد تقريبًا من مؤسسة ذات حجم محدود نسبيًا إلى مستثمر سيادي ذي قدرة واسعة على التأثير في اتجاهات الاقتصاد.
من الاستثمار في القطاعات إلى صناعة المنظومات
لكن ربما يكون الرقم الأكثر دلالة في التقرير هو 750 مليار ريال.
فالصندوق أعلن أن استثماراته المحلية بلغت قرابة 750 مليار ريال بصورة تراكمية خلال الفترة من 2021 إلى 2025. وهذا الرقم، إذا قُرئ باعتباره مجرد إنفاق، يفقد جانبًا مهمًا من معناه.
أما إذا قُرئ باعتباره رأس مال تأسيسيًا، تبدأ الصورة في الاكتمال.
رأس المال حين يدخل قطاعًا ناشئًا لا يعمل منفردًا؛ فهو يخلق حوله حاجة إلى الموردين، والخدمات، والتقنية، والتمويل، واللوجستيات، والمهارات، والبنية التحتية. وحين تتوسع الشركة، يتسع معها السوق. وحين ينضج السوق، يصبح أكثر قدرة على جذب القطاع الخاص والاستثمارات والشراكات.
وهنا يصبح الاستثمار السيادي أشبه بحجر يُلقى في الماء، لكن قيمته لا تقاس بالحجر وحده؛ وإنما بامتداد الدوائر التي يصنعها حوله.
وهذه إحدى أهم دلالات التجربة السعودية: الصندوق لا يتحرك فقط نحو امتلاك الأصول، وإنما يشارك في بناء البيئة الاقتصادية التي تستطيع الأصول والشركات والأسواق أن تنمو داخلها.
وهذا ما يفسر التركيز المتزايد على مشاركة القطاع الخاص، وعلى الشراكات مع المؤسسات العالمية، وعلى تطوير الشركات التابعة وتحويلها إلى كيانات أكثر نضجًا وقدرة على المنافسة.
من حجم الاستثمار إلى حجم الأثر
ثم تأتي دلالة أكثر عمقًا في التقرير: مساهمة الصندوق بأكثر من 1.286 تريليون ريال في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي للمملكة بين 2021 و2025، بما يعادل نحو 11 % من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في عام 2025.
وهنا نغادر لغة الصناديق والأسواق إلى لغة الاقتصاد الحقيقي.
فالصندوق يمكن أن يملك أصولًا ضخمة دون أن يكون أثره الاقتصادي بالضرورة بالحجم نفسه. لكن عندما يصبح بالإمكان قياس مساهمته في الناتج غير النفطي بتريليونات الريالات، فإننا أمام انتقال واضح من امتلاك رأس المال إلى إنتاج الأثر.
وهذه النقلة مهمة في فهم التحول السعودي كله.
فنجاح التنويع الاقتصادي لا يعني أن يصبح النفط أقل أهمية فقط؛ بل يعني أن تنمو إلى جانبه مجموعة واسعة من مصادر القيمة: الصناعة، والسياحة، والتقنية، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والترفيه، والخدمات المالية، والرياضة، والذكاء الاصطناعي وغيرها.
والصندوق، من خلال محفظته الواسعة، يعمل في قلب هذه العملية.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح أمام التقرير ليس: كم تبلغ قيمة الصندوق؟
بل:
كم تبلغ قيمة الاقتصاد الذي يتشكل حول استثماراته؟
هيوماين.. الاستثمار في القدرة لا في المنتج
لعل إطلاق شركة هيوماين خلال 2025 يقدم أوضح الأمثلة على هذا التحول في فلسفة الاستثمار.
فالذكاء الاصطناعي ليس قطاعًا عاديًا يمكن التعامل معه باعتباره نشاطًا منفصلًا عن بقية الاقتصاد. إنه تقنية تدخل في الصناعة والطاقة والخدمات المالية والنقل والتعليم والإدارة والإنتاج.
ولهذا فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يعني شراء تقنية جاهزة فقط؛ وإنما يعني محاولة امتلاك القدرة على إنتاج التقنية وتطويرها وتوطينها وتوسيع استخدامها.
ومن هذه الزاوية، يصبح إطلاق هيوماين أكثر دلالة من مجرد تأسيس شركة جديدة. إنه يعكس محاولة لبناء قدرة وطنية في أحد المجالات التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وهنا يظهر الفرق بين أن تستثمر في المستقبل، وأن تستثمر في القدرة على صناعة المستقبل.
التمويل.. الوجه الآخر للقوة
ولا يمكن قراءة تجربة الصندوق دون الالتفات إلى تطور أدواته التمويلية.
فخلال 2025، وصل الصندوق إلى مصادر تمويل متنوعة، من بينها إصدار أول سندات خضراء مقومة باليورو، وتأسيس برنامج للأوراق التجارية، إلى جانب محافظته على تصنيفاته الائتمانية المرتفعة: Aa3 من موديز مع نظرة مستقرة، وA+ من فيتش مع نظرة مستقرة، وA-1 للائتمان قصير الأجل من ستاندرد آند بورز مع نظرة مستقبلية مستقرة.
هذه التفاصيل قد تبدو مالية بحتة، لكنها في الحقيقة تكشف جانبًا استراتيجيًا من التجربة.
فالمستثمر طويل الأجل يحتاج إلى رأس مال طويل النفس، ويحتاج في الوقت ذاته إلى مرونة في الوصول إلى الأسواق العالمية. وكلما تنوعت أدوات التمويل، ازدادت قدرة المؤسسة على إدارة توقيت استثماراتها، ومواجهة تقلبات الأسواق، واقتناص الفرص دون الارتهان لمسار تمويلي واحد.
وهكذا لا تصبح قوة الصندوق في حجم أصوله فقط، بل في قدرته على تحريك رأس المال وإدارته وتمويله عبر شبكة مالية عالمية.
العالم ليس ساحة استثمار فقط
ومن اللافت أن الحضور الدولي للصندوق يتوسع بالتوازي مع تعميق الاستثمار المحلي.
فالتقرير أشار إلى نمو الاستثمارات الدولية بنسبة 12 % خلال 2025، وإلى افتتاح مكاتب لثلاث شركات تابعة في أوروبا وآسيا، إلى جانب الشراكات مع مؤسسات مالية واستثمارية عالمية.
والقراءة السطحية قد ترى في ذلك توسعًا خارجيًا.
أما القراءة الأعمق فترى شيئًا آخر: ربط الاقتصاد السعودي بشبكات رأس المال والمعرفة العالمية.
فالسعودية حين تستثمر في الخارج لا تبحث عن العائد المالي وحده؛ إنها تفتح قنوات إلى التكنولوجيا والخبرات والأسواق والشركاء والمؤسسات، ثم يمكن لهذه الشبكات أن تعود بقيمتها إلى الداخل.
ولهذا فإن الاستثمار الدولي والمحلي ليسا خطين متعارضين، بل وجهان لإستراتيجية واحدة: بناء اقتصاد سعودي أكثر اتصالًا بالعالم وأكثر قدرة على استثمار هذا الاتصال لصالح نموه الداخلي.
المؤسسة التي تتغير مع الاقتصاد
واللافت أن التحول لا يحدث في محفظة الصندوق وحدها، بل في الصندوق نفسه.
فخلال 2025 أطلق الصندوق 100 تطبيق رقمي جديد، وفَعّل 43 حلًا عالي التأثير يعتمد على الذكاء الاصطناعي، بما يعكس انتقال المؤسسة الاستثمارية نفسها إلى نموذج أكثر اعتمادًا على البيانات والتحليلات والذكاء الاصطناعي.
وهذه إشارة تستحق التوقف.
فالمؤسسة التي تريد الاستثمار في اقتصاد المستقبل لا تستطيع أن تظل تعمل بأدوات الماضي.
إنها تحتاج إلى أن تتحول هي نفسها.
ولهذا فإن الرقمنة والذكاء الاصطناعي داخل الصندوق ليسا تفصيلًا تقنيًا؛ بل جزء من التحول المؤسسي الذي يواكب التحول الاقتصادي الأوسع.
من مرحلة البناء إلى مرحلة تعظيم القيمة
ربما تكون أهم دلالة في التقرير أنه جاء عند نهاية مرحلة وبداية أخرى.
ففي 2025 اكتملت المرحلة الخمسية لإستراتيجية الصندوق التي بدأت في 2021، لينتقل إلى إستراتيجية 2026-2030، التي تركز على تطوير منظومات اقتصادية محلية تنافسية، وإطلاق الإمكانات الكاملة للأصول الإستراتيجية، وتعظيم العوائد طويلة الأجل.
وهذا التحول بالغ الأهمية.
فمرحلة البناء تحتاج إلى السرعة، وإطلاق الشركات، ودخول القطاعات، وتأسيس البنية الأساسية.
أما مرحلة النضج فتحتاج إلى شيء مختلف: تكامل الاستثمارات، ورفع الكفاءة، وتعظيم العائد، وإنضاج الشركات، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص.
وبعبارة أخرى:
لم يعد المطلوب فقط أن يكبر الصندوق.
المطلوب أن تكبر القيمة التي يصنعها كل ريال يستثمره.
وهذه هي النقلة التي تجعل إستراتيجية 2026-2030 امتدادًا منطقيًا لما تحقق، وليست مجرد خطة جديدة منفصلة.
حين يصبح رأس المال أداة لصناعة القدرة
إذا أردنا اختصار التقرير كله في فكرة واحدة، فلن تكون الأرباح.
ستكون تحول وظيفة رأس المال.
ففي النموذج التقليدي، يدخل رأس المال إلى الاقتصاد بحثًا عن عائد.
أما في التجربة التي تكشفها أرقام صندوق الاستثمارات العامة، فإن رأس المال يدخل الاقتصاد ليبحث عن العائد، وفي الوقت نفسه يفتح قطاعًا، ويبني شركة، ويجذب شريكًا، ويخلق سوقًا، ويستدعي المعرفة، ويمكّن القطاع الخاص، ثم يعود أثر ذلك كله إلى الاقتصاد في صورة نمو وقيمة وإنتاجية.
وهنا يصبح رأس المال أكثر من أداة مالية.
يصبح أداة لإعادة تشكيل القدرة الاقتصادية.
وهذه ربما هي القراءة الأكثر أهمية لتقرير 2025 .
فالأرقام الكبيرة ليست غاية في ذاتها.
450 مليار ريال من الإيرادات لا تختصر القصة.
65 مليار ريال من صافي الربح لا تختصرها.
3.4 تريليون ريال من الأصول المُدارة لا تختصرها.
750 مليار ريال من الاستثمارات المحلية لا تختصرها.
و1.286 تريليون ريال من المساهمة التراكمية في الناتج غير النفطي لا تختصرها وحدها.
إنما تكمن القصة في العلاقة بين كل هذه الأرقام.
علاقة تقول إن رأس المال السيادي السعودي انتقل من مرحلة بناء الحجم إلى مرحلة بناء القيمة؛ ومن الاستثمار في القطاعات إلى تطوير المنظومات؛ ومن تأسيس الشركات إلى إنضاجها؛ ومن استقطاب الشركاء إلى توسيع منظومة الشراكة؛ ومن النظر إلى العالم كسوق لرأس المال إلى التعامل معه كمصدر للمعرفة والخبرة والتقنية والفرص.
ما الذي يقوله التقرير فعلًا؟
التقرير، في جوهره، لا يقول إن صندوق الاستثمارات العامة أصبح أكبر فقط.
بل يقول شيئًا أكثر أهمية:
إن الاقتصاد السعودي نفسه أصبح يمتلك أدوات أكثر قدرة على صناعة النمو.
وهذه نقطة فارقة.
فالثروة لا تُقاس فقط بما تملكه الدولة من أصول، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الأصول إلى اقتصاد منتج ومتجدد. والقوة الاستثمارية لا تظهر فقط عندما ترتفع قيمة المحفظة، وإنما عندما تستطيع المحفظة أن تخلق حولها منظومة من الشركات والأسواق والمهارات والاستثمارات.
ومن هنا يمكن فهم الأهمية الأوسع لما حدث خلال السنوات الماضية.
السعودية لم تعد تكتفي بإدارة مواردها؛ إنها تعمل على إعادة هندسة طريقة توليد القيمة منها.
وهذه عملية أعمق من التنويع بالمعنى التقليدي.
إنها انتقال من اقتصاد تتصدره محركات محدودة إلى اقتصاد تتعدد فيه المحركات، وتتصل فيه القطاعات، ويصبح القطاع الخاص شريكًا أكبر، وتصبح التقنية جزءًا من البنية الاقتصادية، ويصبح رأس المال السعودي أكثر قدرة على الحركة داخل المملكة وخارجها.
كلمة الصندوق.. وكلمة المرحلة
ولعل من اللافت أن هذا المعنى لم يأتِ من قراءة خارجية للتقرير فقط، بل عبّر عنه مسؤولو الصندوق أنفسهم بوضوح.
فمرام الجهني، كبير الإداريين والأمين العام لمجلس إدارة الصندوق، لخّصت اتجاه المرحلة بالقول إن الصندوق سيعمل على تطوير «ست منظومات اقتصادية محلية متكاملة» بهدف تحقيق قيمة مستدامة، بالتوازي مع الاستثمار الدولي في الفرص ذات العوائد المرتفعة.
أما ياسر السلمان، رئيس الإدارة العامة للمالية ورئيس الإدارة العامة للتمويل الاستثماري العالمي المكلف، فاختصر جانبًا من المرحلة المقبلة في عبارة شديدة الدلالة: «تعزيز نضوج شركاته وتحقيق القيمة المستدامة».
وهذان الاقتباسان مهمان؛ لأنهما ينقلاننا من وصف ما حدث إلى فهم ما سيأتي.
فالمشروع لم يعد في مرحلة إثبات القدرة على النمو.
لقد دخل مرحلة إثبات القدرة على تحويل النمو إلى قيمة مستدامة.
الخاتمة: المملكة التي استثمرت في قدرتها
ربما يكون من السهل أن نقرأ تقرير صندوق الاستثمارات العامة لعام 2025 ونخرج منه بعنوان عن الأرباح، أو الأصول، أو الاستثمارات.
لكن ذلك لا يكفي.
فالذي يستحق التوقف أمامه ليس الرقم الذي ارتفع، بل الاقتصاد الذي يتغير خلف الرقم.
فـ450 مليار ريال من الإيرادات، وأكثر من 65 مليار ريال من صافي الربح، ونحو 3.4 تريليون ريال من الأصول المُدارة، و750 مليار ريال من الاستثمارات المحلية، و1.286 تريليون ريال من المساهمة التراكمية في الناتج غير النفطي؛ ليست أرقامًا متجاورة في تقرير مالي، وإنما علامات على مسار واحد: رأس مال يتحول إلى قدرة، والقدرة تتحول إلى اقتصاد.
وهنا تكمن قوة التجربة السعودية.
فالمملكة لم تكتفِ بأن تمتلك موارد كبيرة؛ بل شرعت في بناء المؤسسات التي تستطيع تحويل هذه الموارد إلى فرص. ولم تكتفِ بفتح قطاعات جديدة؛ بل بدأت تبني حولها منظومات متكاملة. ولم تكتفِ بجذب رأس المال العالمي؛ بل تعمل على جذب المعرفة والتقنية والخبرة والشراكات. ولم تكتفِ بالاستثمار في اقتصاد اليوم؛ بل دخلت مبكرًا إلى اقتصاد الغد.
وهذا هو الفارق بين امتلاك الثروة وصناعة القوة الاقتصادية.
الثروة يمكن أن تُستهلك.
أما القدرة فتتراكم.
والمال يمكن أن يحقق عائدًا.
أما المال حين يتحول إلى شركة، والشركة إلى قطاع، والقطاع إلى منظومة، والمنظومة إلى سوق، والسوق إلى معرفة وفرص واستثمارات جديدة، فإنه يصبح شيئًا أكبر بكثير من المال.
يصبح قوة دولة.
ولهذا فإن التقرير السنوي لصندوق الاستثمارات العامة لعام 2025 لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه كشفًا عن عام مضى، بل بوصفه صفحة من سجل التحول السعودي؛ صفحة تقول إن المملكة لا تراهن على حجم رأس المال وحده، وإنما على قدرتها على تحويل رأس المال إلى مستقبل.
وإذا كان الاقتصاد القوي هو الذي يستطيع أن يصنع فرصه، فإن المملكة اليوم لا تستثمر في الفرص القائمة فحسب؛ إنها تستثمر في قدرتها على صناعة الفرص نفسها.
وهنا ربما تختصر الحكاية كلها في جملة واحدة:
المملكة لا تبني صندوقًا يملك رأس المال فحسب؛ إنها تبني رأس مالٍ يملك القدرة على بناء المملكة.
وهذه هي القوة التي لا تُقاس في قائمة مالية وحدها؛ لأنها تظهر في اقتصاد أكثر تنوعًا، وقطاعات أكثر اتساعًا، وشركات أكثر نضجًا، وقدرات وطنية أكثر عمقًا، وحضور عالمي أكثر تأثيرًا.
فحين يصبح الاستثمار صناعةً للقدرة، وتصبح القدرة صناعةً للاقتصاد، يصبح رأس المال أحد وجوه القوة الوطنية؛ وعندها لا يعود السؤال: كم تملك المملكة؟ بل يصبح السؤال الأهم: كم تستطيع المملكة أن تصنع؟
والإجابة التي يتركها تقرير 2025 وراء أرقامه واضحة:
إن المملكة العربية السعودية لا تستثمر في مستقبلها انتظارًا له؛ إنها تبنيه.