مبارك بن عوض الدوسري
لم تعد حماية البيئة في عالم اليوم ترفاً أو نشاطاً موسمياً يمكن أن يُستدعى عند الحاجة، بل أصبحت مسؤولية وطنية وإنسانية وتربوية، وواحدة من القضايا التي تتصل مباشرة بمستقبل الأجيال وجودة الحياة واستدامة الموارد؛ ومن هنا تبدو العلاقة بين الكشافة والبيئة علاقة طبيعية ومتجذرة؛ فالكشافة التي نشأت في أحضان الطبيعة، وجعلت من التخييم والخروج إلى الهواء الطلق والتعلم بالممارسة جزءاً أصيلاً من تجربتها التربوية، لا يمكن أن تكون بعيدة عن قضية حماية البيئة والمحافظة عليها واستعادتها؛ وتؤكد المنظمة العالمية للحركة الكشفية هذا المعنى بوضوح، إذ تضع البيئة ضمن مجالات عملها الأساسية تجاه الشباب والمجتمعات، وتؤكد أن الكشافين قادرون على أن يكونوا قادة في الاستدامة والعمل المناخي، وأن مسؤوليتهم لا تتوقف عند الاستمتاع بالطبيعة، وإنما تمتد إلى حمايتها والمحافظة عليها واستعادتها؛ كما تقدم المنظمة من خلال «قبيلة الأرض» مساراً عالمياً يتيح للشباب التعلم والمشاركة واتخاذ إجراءات عملية من أجل الطبيعة والمناخ؛
واللافت في تجربة المنظمة العالمية أنها لا تتعامل مع البيئة باعتبارها شعارات أو حملات تنظيف عابرة، وإنما باعتبارها تربية وممارسة وسلوكاً ومبادرة يقودها الشباب؛ ولذلك أطلقت مجموعة من التحديات البيئية التي يمكن دمجها في البرامج الكشفية الوطنية، من بينها خلال فترة مضت «أبطال من أجل الطبيعة» بالتعاون مع الصندوق العالمي للطبيعة (WWF)، و»تحدي الحد من النفايات البلاستيكية» بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة؛ وهنا تحديداً تبرز مسؤولية الكشافة السعودية، بوصفها جزءاً من الحركة الكشفية العالمية، في أن تنتقل بالعمل البيئي من دائرة المشاركة في الأنشطة إلى دائرة صناعة المبادرات البيئية الكشفية المستدامة التي تتواءم مع احتياجات المملكة وطبيعتها الجغرافية وتطلعاتها الوطنية.
فالمملكة العربية السعودية تعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة في الاهتمام بالبيئة والاستدامة، في ظل مستهدفات رؤية السعودية 2030، ومبادرات نوعية مثل «مبادرة السعودية الخضراء»، التي تتضمن هدفاً وطنياً لزراعة 10 مليارات شجرة، إلى جانب برامج استعادة الأراضي والغطاء النباتي وخفض الانبعاثات والتحول نحو الطاقة النظيفة؛ وفي مدينة الرياض، يقدم برنامج «الرياض الخضراء» نموذجاً بالغ الأهمية يمكن للكشافة أن تكون شريكاً فاعلاً فيه، ليس فقط من خلال زراعة الأشجار، وإنما من خلال تحويل المشاركة المجتمعية إلى تجربة تربوية مستمرة؛ فالبرنامج يستهدف زيادة المساحات الخضراء والتشجير في الأحياء والحدائق والمدارس والمساجد والطرق، ويؤكد في فعالياته على إشراك سكان الأحياء في عمليات التشجير وتعزيز الوعي بالبرنامج؛ ومن هنا فإن السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم ليس: هل للكشافة السعودية دور في حماية البيئة؟ فالإجابة نعم، وبقوة، ولديها بالفعل مبادرات وطنية مهمة، من بينها «المشروع الوطني لنظافة البيئة وحمايتها» ومبادرة «معاً إلى الحياد الكربوني»؛ لكن السؤال الأهم هو: هل نستطيع أن نجعل من هذه الجهود منظومة كشفية بيئية وطنية أكثر اتساعاً وتأثيراً واستدامة؟ ؛ والإجابة في تقديري نعم، إذا ما جرى التعامل مع البيئة باعتبارها أحد مسارات البرنامج الكشفي، وليس مجرد نشاط إضافي؛ فيمكن للكشافة السعودية، على سبيل المثال، أن تستلهم تجربة «قبيلة الأرض» العالمية وتطور لها إطاراً سعودياً يحمل هوية المملكة، ويتيح للبراعم والأشبال والفتيان والمتقدم والجوالة والكشافة من ذوي الإعاقة والقيادات الكشفية مسارات بيئية متدرجة تتناسب مع خصائص كل مرحلة عمرية؛ فالبراعم قد يتعلمون العناية بالنبات والماء والنظافة، والأشبال يمكن أن يخوضوا تجارب التشجير وفرز النفايات بمدارسهم، والفتيان يمكن أن ينفذوا مشروعات للحد من البلاستيك، والمتقدمون والجوالة يمكن أن يقودوا مشروعات لقياس الأثر البيئي وخفض البصمة الكربونية واستخدام الطاقة الشمسية، بينما يمكن أن تتحول القيادات إلى ميسرين ومدربين للعمل البيئي.
كما يمكن أن تتحول الشراكة مع «الرياض الخضراء» إلى نموذج قابل للتعميم في مناطق المملكة المختلفة؛ فيكون لكل مجموعة كشفية «حي أخضر»، ولكل وحدة كشفية «مدرسة خضراء»، ولكل مفوضية «مسار بيئي»، مع ربط العمل بعدد الأشجار التي تمت زراعتها والمحافظة عليها، وكميات النفايات التي جرى تدويرها، والساعات التطوعية، والمياه التي تم ترشيد استهلاكها، والطاقة التي تم توفيرها، والمبادرات التي قادها الفتية والشباب أنفسهم؛ وهذا النوع من العمل هو الأقرب إلى روح الكشفية؛ لأن الكشاف لا يتعلم من المحاضرة وحدها، وإنما يتعلم عندما يمسك الشتلة بيده، ويزرعها، ثم يعود إليها، ويسقيها، ويحميها، ويرى نموها؛ ويتعلم عندما يجمع النفايات ويفرزها ويعرف أثرها، وعندما يكتشف أن قارورة بلاستيكية قد تكون جزءاً من مشكلة أكبر، وأن ترشيد الماء والطاقة ليس مجرد تعليمات، وإنما سلوك يومي ومسؤولية تجاه الوطن والأجيال القادمة؛ والأهم من ذلك أن الكشافة السعودية تمتلك فرصة لتكون جسراً بين المبادرات الوطنية الكبرى والمجتمع؛ فمبادرة السعودية الخضراء والرياض الخضراء وبرامج التشجير واستعادة الغطاء النباتي والحد من النفايات والتحول إلى الطاقة النظيفة، كلها مجالات يمكن أن يجد فيها الفتية والشباب مساحة حقيقية للمشاركة، لا بوصفهم منفذين فحسب، وإنما بوصفهم شركاء في صناعة الحلول؛ وقد أثبتت الحركة الكشفية عالمياً أن البيئة يمكن أن تكون مدخلاً واسعاً للتربية على المواطنة العالمية؛ فالمنظمة العالمية تشير إلى أن «قبيلة الأرض» تقوم على تمكين الفتية والشباب من إيجاد حلول يقودونها بأنفسهم في قضايا التغير المناخي والحياة المستدامة وحماية الطبيعة والتنوع الحيوي ؛ ومن المفيد للكشافة السعودية أن تبني على هذا التوجه العالمي، لا أن تكتفي بتكراره؛ فلكل بيئة خصوصيتها؛ فالصحراء السعودية تحتاج إلى برامج للتشجير الملائم للبيئة، وحماية الغطاء النباتي، ومكافحة التصحر، والمحافظة على الحياة الفطرية؛ والمدن تحتاج إلى برامج التشجير وترشيد المياه وإدارة النفايات وجودة الهواء والنقل المستدام؛ والمناطق الساحلية تحتاج إلى برامج لحماية الشواطئ والبحار من المخلفات البلاستيكية، بينما يمكن أن تتصل برامج الطاقة الشمسية بطبيعة المملكة التي تتمتع بإمكانات كبيرة في الطاقة المتجددة.
وهنا يمكن للكشافة أن تقدم نموذجاً سعودياً مميزاً تحت عنوان كبير يجمع المبادرات القائمة ويستوعب المبادرات الجديدة، ويرتبط بأهداف التنمية المستدامة، ويتكامل مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، ويمنح كل مرحلة عمرية أدواتها وتحدياتها وشاراتها ومشروعاتها البيئية.
إننا لا نحتاج إلى المزيد من الفعاليات التي تبدأ بصورة جماعية وتنتهي بصورة جماعية، بقدر ما نحتاج إلى مشروعات يمكن قياس أثرها بعد عام وعامين وخمسة أعوام؛ وأن شجرة يزرعها الكشاف ويتابع نموها، وحي يشارك في تخضيره، ومدرسة تتحول إلى نموذج بيئي، وأطنان من البلاستيك يتم منعها أو تدويرها، واستهلاك ماء يتم خفضه، وطاقة شمسية يتم استخدامها، ومساحات طبيعية تتم حمايتها؛ تلك هي المؤشرات التي تجعل من العمل الكشفي البيئي عملاً تنموياً حقيقياً.
لقد كانت الكشافة دائماً مدرسة لتربية الإنسان على حب الأرض وخدمتها، واليوم أصبحت أمام فرصة تاريخية لكي تجعل من هذا المبدأ جزءاً من مشروع وطني أكبر، يتوافق مع التحول الذي تشهده المملكة في مجال الاستدامة وجودة الحياة؛
ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه الكشافة السعودية للبيئة في المرحلة المقبلة ألا تكتفي بأن تقول للشباب: «احموا البيئة»، وإنما أن تقول لهم: «هذه بيئتكم.. وهذه مسؤوليتكم.. وهذه فرصتكم لصناعة مستقبل أخضر لوطنكم»؛ وعندما يتحول الكشاف فتى أو فتاة من متلقٍ للتوعية البيئية إلى قائد لمشروع بيئي، ومن مشارك في حملة إلى صاحب أثر مستدام، فإن الكشافة كحركة لا تكون قد خدمت البيئة فحسب، بل تكون قد أدت واحدة من أهم رسالتها التربوية: إعداد إنسان يعرف قيمة المكان الذي يعيش فيه، ويحسن المحافظة عليه، ويتركه أفضل مما وجده.