عبدالكريم بن دهام الدهام
شهدت مدينة عرعر خلال شهر أغسطس من عام 2026 حراكاً ثقافياً واجتماعياً لافتاً مع انطلاق مهرجان «صيفنا شمالي - صيف عرعر 2026»، الذي نظمته أمانة منطقة الحدود الشمالية في مركز الأمير فيصل بن خالد بن سلطان الحضاري.
المهرجان الذي حظي برعاية كريمة من سمو أمير المنطقة وحضور نائبه عند انطلاقته في الثالث من أغسطس، شكّل محطة مهمة في أجندة الفعاليات للمنطقة، متضمناً أنشطة متنوعة امتدت طوال الشهر، ومصحوباً بزخم رياضي تمثل في بطولة كرة القدم الكبرى.
بين أروقة المركز الحضاري والساحات المحيطة به، رُسمت لوحة من التفاعل المجتمعي التي تستدعي قراءة متأنية توازن بين «الواقع المشهود» و»المأمول المنشود»، لتحديد موقع المهرجان على خارطة المستهدفات الوطنية الطموحة.
عند تقييم الواقع، يمكن القول إن المهرجان جاء جيداً ومناسباً جداً لإمكانات مدينة عرعر وحجم المنطقة في مرحلتها الحالية. نجحت الأمانة في تقديم باقة فعاليات متنوعة لامست اهتمامات مختلف الشرائح، فقد برزت العروض التراثية كأحد أعمدة المهرجان، من خلال الأوبريت والافتتاحية الرسمية، والعرضة السعودية، والدحة، ومحاكاة الحرف اليدوية القديمة كالسدو والرحى، واحتضنت المنصة أمسيات غنائية وشعرية أحياها فنانون محليون متميزون «مثل فهد المسيعيد، خالد الدهيري، وبدر الفرحان»، مما أعطى مساحة للمواهب الوطنية الشابة، وتفاعلت الأسر مع مسرح الطفل والمسابقات، بينما أضفت بطولة «صيف عرعر» لكرة القدم بمشاركة 32 فريقاً حماساً شبابياً امتد طوال الشهر، وشكّل جناح الأسر المنتجة ورواد الأعمال «نحو 20 أسرة» بدعم بنك التنمية الاجتماعية، جنباً إلى جنب مع الأركان الصحية والتجارية والمطاعم، رافداً اقتصادياً مباشراً.
وقد تحقق الهدف الأساسي للمهرجان بكفاءة؛ حيث أدخل البهجة على أهالي المنطقة الذين قضوا الصيف داخلها، ونشّط الحركة الاجتماعية والتجارية، وحظي بتغطية إعلامية إيجابية وتفاعل محلي واسع، يعكس دقة التنظيم الرسمي المدعوم من إمارة منطقة الحدود الشمالية.
على الجانب الآخر، تظل التطلعات والمأمول أعلى قليلاً. إن منطقة الحدود الشمالية بموقعها الجغرافي وثرواتها ومقوماتها تحتاج إلى مواسم تتحول إلى «وجهة حقيقية» جاذبة للزوار من خارج المنطقة، وليس مجرد حاضنة لفعاليات محلية تتكرر سنوياً.
ورغم الإضافة الإيجابية التي تمثلت هذا العام في إبراز «هوية التعدين» كبصمة خاصة بالمنطقة، إلا أن بعض الملاحظات النقدية حول تدوير المحتوى المعتاد «بين البوثات التقليدية والشيلات والبرامج النمطية» تظل صحيحة نسيباً.
إن النجاح الحقيقي للمواسم السياحية الكبرى يُقاس بمؤشرات الأثر الاقتصادي المستدام، وارتفاع نسب إشغال الفنادق والمطاعم والأسواق بفعل الزوار القادمين من الخارج، وصناعة فرص استثمارية تولّد وظائف مستمرة، وهو ما يتطلب نقلة نوعية في الفكر التخطيطي للمهرجان ليواكب مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ومن أجل الانتقال بالمهرجان من الطابع المحلي الإقليمي إلى طابع الوجهة السياحية الوطنية الجاذبة، كان من المأمول تدارك ودمج بعض العناصر الإضافية، فبدلاً من الاقتصار على العرض التقليدي، كان بالإمكان تنظيم جولات سياحية منظمة لمواقع التعدين والمحاجر، أو استغلال صفاء سماء الشمال لتنظيم فعاليات رصد فلكي في البراري، أو إقامة مخيمات صحراوية مسائية وعروض صقور كبرى تجذب عشاق سياحة المغامرات والطبيعة، ولضمان تدفق الزوار من المناطق المجاورة أو بقية مناطق المملكة، يحتاج المهرجان إلى تطعيم جدول فعالياته بأسماء أو فنانين ذوي ثقل وطني وجماهيري واسع يعملون كعامل جذب رئيسي، كما أتمنى إضافة ورش عمل تفاعلية، وتحديات قائمة على تقنيات الواقع المعزز (AR) والذكاء الاصطناعي، أو ورش متخصصة في التصوير الاحترافي وريادة الأعمال، ستجعل المهرجان أكثر جاذبية للجيل الشاب، وبدلاً من حصر الثقل الأكبر في المركز الحضاري، يُفضل توزيع الفعاليات بذكاء على المتنزهات العامة، الحدائق، والمواقع الطبيعية المفتوحة في عرعر لضمان شمولية الحركة وتخفيف الضغط، ويفتقد المهرجان إلى إعلان أرقام ومؤشرات واضحة وشفافة تقيس الأثر « كأعداد الزوار الدقيقة، ونسبة القادمين من خارج الحدود الشمالية، وحجم المبيعات المحققة»، وهو أمر أساسي لإقناع المستثمرين بالدخول في المواسم القادمة، كما يفضل الاتجاه إلى صناعة حملات تسويقية مكثفة ومسبقة عبر المنصات السياحية والوطنية الكبرى، مثل منصة» روح السعودية «،لضمان وضع المهرجان على الخارطة السياحية قبل انطلاقه بوقت كاف.
لقد أثبتت أمانة منطقة الحدود الشمالية من خلال هذا المهرجان قدرتها على صناعة بهجة صيفية متكاملة، عبر تقديم فعاليات عائلية اتسمت بالتنوع والنظافة والتنظيم العالي. هذا الجهد المشكور يضعنا أمام مسؤولية الطموح للانتقال بالمهرجان في صيف 2027 من إطاره الترفيهي الحالي إلى آفاق استثمارية واستراتيجية أرحب، تجعل من الحدود الشمالية رقماً صعباً على خارطة السياحة السعودية.
ولتحقيق هذه القفزة، أضع بين يدي المنظمين سبع ركائز أساسية للتطوير:
الركيزة الأولى تتمثل في بناء هوية بصرية وثقافية واضحة، فالتميز في المواسم السياحية بالمملكة ينطلق من الخصوصية الإقليمية. وعليه نقترح أن ترتكز هوية صيف 2027 على مثلث ذهبي يجمع بين «التعدين ـ التراث ـ الصحراء»، فالحدود الشمالية هي عاصمة التعدين بالمملكة، وربط المهرجان بهذه الهوية عبر مجسمات، معارض تفاعلية، وأنشطة تعليمية وترفيهية حول الفوسفات والمعادن، مدموجةً بعراقة التراث البدوي وسحر الصحراء، سينتج حكاية جاذبة لا يشبهها أي موسم آخر في المملكة.
الركيزة الثانية صناعة شراكات اقتصادية أقوى، فالترفيه المستدام هو الترفيه القائم على الاستثمار. يحتاج المهرجان إلى بناء شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص والمستثمرين لتوليد فرص استثمارية حقيقية. يمكن تحقيق ذلك من خلال تحويل الأكشاك المؤقتة إلى منافذ بيع دائمة ومصممة بهوية موحدة وإتاحة تجارب ترفيهية مدفوعة ذات جودة عالية «ألعاب مغامرات، محاكاة طيران، إلخ»، وتصميم باقات سياحية متكاملة بالتعاون مع الفنادق وشركات الطيران المحلية.
الركيزة الثالثة التوسع الجغرافي والعدالة السياحية، فعلى الرغم من نجاح «صيف عرعر»، إلا أن بقية محافظات المنطقة تتطلع لعيش هذه الأجواء. من الأهمية بمكان إطلاق فعاليات متزامنة ومترابطة في رفحاء، طريف، والعويقيلة. ولضمان وصول الجميع، يمكن للأمانة توفير رحلات نقل ترددي مجاني أو مخفض بين المحافظات، أو تقديم باقات تنقل سياحية تشجع سكان المنطقة والزوار على استكشاف الفعاليات في كافة المدن.
الركيزة الرابعة ابتكار المحتوى ومراعاة الطقس، فالصيف القادم يتطلب محتوى يتجاوز الأنماط التقليدية عبر دمج الأصالة بالتكنولوجيا الحديثة، من خلال التراث الرقمي الذي يشمل عروض الهولوغرام لقصص التراث، وتقنيات الواقع المعزز (AR) لاستكشاف المواقع الأثرية بالمنطقة، ويشمل أيضاً الأنشطة النهارية والمسائية، ومراعاة لطبيعة الطقس، يجب تكثيف الأنشطة الداخلية المبردة نهاراً مثل المسابقات الرياضية، والمعارض الذكية، وترك الفعاليات الخارجية مثل الأمسيات الفلكية والحفلات والمقاهي المفتوحة للفترات المسائية.
الركيزة الخامسة التمكين الاقتصادي للمجتمع المحلي، فالمهرجان هو المنصة الأفضل لدعم أبناء وبنات المنطقة. وعليه نقترح زيادة المساحات المخصصة للأسر المنتجة والحرفيين بشكل مجاني أو برمزي، مع عدم الاكتفاء بالبيع المباشر؛ بل ربطهم بمنصات تسويق إلكترونية دائمة تضمن استمرار مبيعاتهم حتى بعد انتهاء المهرجان، وتحويل مهاراتهم إلى مشاريع صغيرة مستدامة.
الركيزة السادسة أدوات القياس والتحسين المستمر، فالنجاح لا يُقاس بالانطباعات العابرة بل بالأرقام المؤصلة. ويجب على الأمانة تفعيل أدوات قياس واضحة عبر استطلاعات رأي رقمية توزع قبل وأثناء وبعد المهرجان لقياس رضا الجمهور وتطلعاتهم. كما يُنتظر من الأمانة نشر تقارير شفافة توضح أرقام الأثر الاقتصادي للمهرجان، مثل: حجم المبيعات، ونسب إشغال الفنادق، وعدد الوظائف المؤقتة المستحدثة.
الركيزة السابعة الترويج الإعلامي المبكر والعابر للحدود، فالتسويق الناجح يبدأ قبل الحدث بأشهر. يحتاج صيف 2027 إلى حملة إعلانية وطنية تنطلق مع بداية فصل الربيع. يجب أن تتضمن الحملة دعوة وسائل الإعلام الكبرى، والمؤثرين البارزين من خارج منطقة الحدود الشمالية، لصناعة محتوى جاذب يسلط الضوء على المقومات السياحية البكر للمنطقة ويحفز مواطني المملكة والمقيمين فيها على زيارتها. وأتمنى أن تسجل شركة «معادن» حضورها عبر دعم ورعاية مهرجان الصيف بمدينة عرعر، تعزيزاً لجودة الحياة ودعماً للأنشطة الثقافية والسياحية التي تستقطب أهالي وزوار الحدود الشمالية.
إن ما شاهدناه في «صيفنا شمالي 2026» يعكس شغفاً وإخلاصاً كبيراً من أمانة منطقة الحدود الشمالية. ومع التطوير التدريجي المدروس، والتركيز على الاستثمار والهوية الفريدة، نحن موعودون بموسم استثنائي في 2027، يُثبت أن الشمال يملك كل مقومات التميز والريادة السياحية.