عبدالله بن براهيم بن عبدالعزيز الغليقة
يا قَوْمُ، إنه على غير مُسَمَّاه! فهذا أخونا العضو العاقل -والذي يسمونه «ضِرْس العَقْل»- والذي يتربع في مؤخرة الفَكّ في زاوية ضيقة، والذي بسببه تحولت من شخص يتسم بالتبصر لمريض يطلب العون من الأخ المُنْجِد المُخَدِّر!
في الوهلة الأولى تستلقي على ذلك الكرسي «كرسي الإِعْدَام الأبيض»، والذي يتخذ عمله من مبدأ «المِكْبَس الهَيْدُرُولِيكِي» بحكم التخصص الفيزيائي!، حقاً فهو يكبس على الروح قبل الجسد!، وعليه تتأرجح تلك الأضوية الساطعة التي تذكرك بلمبات الملاعب ذات التوهج العالي المزعجة!، فجعلت من الطبيب المُبَارك حالة من «طبيب أسنان» إلى «مهندس حَفْر وتَنْقِيب»!
أعود لهذا الضِّرْس التعيس الذي على غير تسميته «ضرس العقل»؛ فهو مع التشبيه كأنه كَمْأَة أو صخرة صغيرة محشورة على عظام الفك ومتكئة على محيط اللِّثَة، وكل ذلك في مكان لا يتجاوز رأس الإصبع!، وعليه ومشتبك فيه اتصالات عصبية خطيرة كالعَصَب اللِّسَانِي الخاص بالتذوق، والذي إن مُسّ بسوء فسلامي على «التِطَعِم»! و»التِمطع!» لذا الإجراء في مثل هذا يتطلب عملاً من الدقة والاحترافية اللامتناهية.
البداية بالتخدير وعيش سريان مرحلة الشَّلَل الفَمَوِي النصفي كما أسميتها!؛ فجزء من اللسان في طور الخدمة، والآخر أحيل للانتداب، وكذا الشفتين ما بين البين، وكأن نذير الحرب يوشك البدء، وابتدأت المعركة بعمل فتحة دقيقة باللثة للوصول للهدف الغَابِر!
بعدها يتم التنظيف والحَكّ والسَّلْخ!، والحركة هنا باستخدام المعدات الثقيلة! كالمناشير والملاقيط والمشاريط ولا ننسى صاحب الفضل أخونا «السكشن» كما يُسمونه ذلك الشافط ذو الأنبوب العريض! وأدوات أُخرى!، والحركة تكون دقيقة و»بالمليمتر» كما يقولون حمايةً لأسلاك العصب المتصلة؛ فالمكان «غَبَص!»، وكأن هذا التكنيك هو لَكَسْح أَمْر قديم فادح!، ولِنِزَال وعِراك لم أصْبُ إليه جرّاء نفسي واختياري!، -تلك هي المَقَادِير!-، وما إنّ الجرّاح يعمل مناوشاته مع تلك الأنسجة الصغيرة، أدركت بعد هذا كله وقوعي تحت رحمة الله ثم رحمة ورزانة يده حماها الله من الأَوْخَاز! وآخر مرحلة: القيام بغسيل ساحة المعركة وتطهيرها، ومن ثم الخياطة بِغُرَز جراحية تسهم في بَرْء الجُرْح. ويقوم الجرّاح بتجزيء الضرس لأجزاء متفرقة صغيرة واستخراجها بكل تُؤَدَة وحَذَر!.
وهذا يجعلنا نتأكد يا جماعة «الرَّبْع»: مشاكلنا نكبرها ونضخمها وهي «مش مستاهلة!»، فمن مبدأ تفتيت الضرس لتفتيت المشاكل: فحبة حبة! كأكل العنب!، تزين الأمور ونصل لبر الأمان!
ما بعد الانتهاء، أراني الدكتور ذو المقام المرموق أحمد معتوق، سلمه الله، كِسَر الضرس المتفتتة والمتخمة بالتسَّوَس!، وأعطاني عدداً من التوجيهات والإرشادات التي جعلتني كالجندي المطيع سمعاً وطاعة، وليس المجال لذكرها هنا. والشكر موصول له ولا يفيه حقه فهو قمة وقامة وضليع بهذا الشأن.
وما إن خرجت وبعد حوالي نصف ساعة بدأ الألم جرّاء بدء زوال أثر البنج، ويعلم الله أني أصبت بما لم أستطع وصفه، فكأنما في عرقي مِرْجَلٌ يفور! فبدأت المراسم استقبالاً بكمادات الثلج، وأكل الزبادي، والمشروبات الباردة، والشوربة الفاترة! وما إن مرت برهة من الزمن حتى ظهر في وجهي نفخ عظيم! كما نفخ المناطيد! وكأن وجنتي مُلؤت بالنيتروجين! في الجهة اليمنى والتي كان يقبع خلفها ذلك العقل المشاكس، فبات فَكي محكم الإغلاق ومرصوصاً بشدة بقطعة من الشاش ما بينهما! فأين ذهبت كلماتي وثرثراتي التي أصابها الصمت؟!
ولم يبالغوا حينما قالوا: «لَا هَمَّ إِلَّا هَمُّ العِرْسِ، وَلَا وَجَعَ إِلَّا وَجَعُ الضِّرْسِ»..
أدركت في هذا المثل القَومي حالي وتفكّرت فيه؛ ويهمني منه جزئية «وجعُ الضرس»: ألمٌ يصيبك بدون سابق إنذار، ولا يُطاق، يقضُّ مضجعك ويشلُّ تفكيرك، ولا جدوى من الصبر فيه فسيعاود الكرّة إن لم تحلّ إشكاليته كما عاشه صاحبكم.a
فينشغل تفكيرك وتهددت فيك الطمأنينة والعافية... وحتى «روح الإنسانية!».
وخاتمة قولي: يا قوم يا جَماعة، لا تغرّكم التسميات، فهذا صاحبنا ضِرس العقل والذي كما أوردت ليس له من مسماه نصيب؛ أَقَضَّ مضجعي وطار بعقلي حتى أصبحت باعثاً لكم بهذه التُرُهَات أعلاه!، و»العذر عند كِرام الناس مقبولُ»، فعش خالي البال، وحكّم ضميرك، وأزل ما ينغص رأيك وفكرك؛ فليس كل صاحب عقل صار حكيم الزمان، بل ربما تنغصت حاله وصار رهيناً لطبيب الأسنان!، والله المُستعان وعليه التكلان!.
ودمتم سالمين..