د.حادي العنزي
أحسن الله عزاءنا جميعاً؛ في سنينٍ مرّت، وأناسٍ رحلوا، وزمنٍ دافئ لم نكن ندرك - ونحن نعيشه - أنه سيمضي بهذه السرعة، وأننا سنشتاق إلى تفاصيله الصغيرة والبسيطة كما نشتاق إلى أرواح من فقدنا.
أحسن الله عزاءنا في بيوتٍ كانت عامرةً بالحياة وصوت الخطوات، ومجالس كان للحديث فيها دفءُ الألفة، وللصمت فيها هيبةٌ ومعنى، وفي وجوهٍ ألفنا حضورها في صغرنا حتى ظننا أنها أركانٌ ثابتة لا تزول، فإذا بالأيام تختطفها على مهل، لتصبح أطيافاً حنونة لا نملك استعادتها إلا بالدعاء ورفيف القلب.
أحسن الله عزاءنا في موائد كانت تجمع القلوب قبل الأجساد، وفي ليالٍ كانت تضيق بأهلها ثم تتسع بمحبتهم، وفي أبوابٍ كانت تُطرق بلا موعد، ووجوهٍ كانت تُرى كل يوم حتى حسبنا أن دوامها بدوام الحياة نفسها.
كلما تقدّم بنا العمر، أدركنا العمق الحقيقي لهذا العزاء؛ فالشباب ينظرون دوماً إلى الأمام بخطواتٍ عجلى، تتزاحم فيها الأحلام والطموحات، بينما يبدأ من أثقلت السنون كاهله بالالتفات إلى الوراء؛ لا زهداً في القادم، ولا عجزاً عن ملاحقة الحياة، بل لأن الذين منحوا وجوده معناه الأول قد أصبحوا هناك، خلف الستار.
عندها ترقّ المشاعر وتسهل الدمعة؛ فالكبير لا يبكي اللحظة المجرّدة، ولا يبكي ألماً عابراً، بل يستعرض شريطًا طويلًا من العمر أيقظته نبرةٌ مألوفة، أو صورةٌ قديمة، أو رائحةُ قهوةٍ كانت تُعدّ في بيتٍ لم يعد كما كان. يبكي وجوهاً وأماكن وأصواتاً اندثرت، ولم يعد لها وجود إلا في الشغاف.
ولعل أصعب ما في التقدم في العمر أن الإنسان لا يفقد أحبابه دفعةً واحدة، بل يفقدهم بالتدريج؛ فيذهب واحدٌ ويتبعه آخر، حتى يجد نفسه واقفاً على ضفة الذكريات أكثر من وقوفه في صخب الحاضر.
وعندها يكتشف أن كثيراً من تفاصيل حياته كانت تستمد قيمتها من وجود أولئك الأشخاص، لا من الأشياء نفسها.
لقد أوجعني مقال الأستاذ خالد المالك عن شقيقته «زينب» – رحمها الله –؛ إذ لم يكن النص مجرد رثاءٍ لأختٍ عزيزة غيّبها الرحيل، بل كان نافذةً واسعة أطلت منها روح زمنٍ كامل. زمنٍ عايشه جيلنا بحلوه ومرّه، بيسرِه وعسرِه، ولم يدرك وهو يخوض غماره أنه كان يبني أثمن ذكريات حياته وأبقاها أثراً.
ولا أعتقد أن من تجاوزت أعمارهم الخمسين يقرأون قصة «زينب» مع مجتمعها بأنها حكاية غيابٍ فردي يصفها كاتب – مخضرم - حول شقيقته، بل أجزم أن كل واحدٍ منهم رأى فيها شيئاً من حكايته الخاصة؛ رأى وجه أمٍ افتقدها، أو أبٍ رحل، أو أخٍ غيّبه الموت، أو صديقٍ افترق عنه الطريق. رأى مرآةً لسنواته التي مضت، وملامح أحبته الذين سبقوا إلى الدار الآخرة.
فالراحل لا يغادرنا بمفرده؛ بل يمضي ويقتطع معه جزءاً من عالمنا، فحين نتحسس ذكرى الأم لا نتذكر اسمها فقط، بل نستحضر طمأنينة البيت بأكمله، ورائحة الطعام، ودعوات الفجر، ودفءَ الاحتواء الذي كانت تكسو به أيامنا.
وعندما نتذكر الأب تتمثل أمامنا هيبة المجلس، وصوت خطاه عند الباب، وكلماته المقتضبة التي كانت تمنحنا شعوراً بالأمان لا ندرك قيمته إلا حين يغيب، وحين تمرّ بنا ذكرى الإخوة والرفاق يستيقظ الحي القديم، والشوارع التي كبرنا فيها، والمدرسة الأولى، وساحات اللعب، والضحكات التي لم تكن تحتاج إلى سبب.
نحن حين نبكي شخصاً رحل، إنما نبكي في الحقيقة زمناً آمناً كان ذلك الشخص بابه وعنوانه. نبكي أياماً كانت الحياة فيها أبسط، والقلوب فيها أقرب، والأحاديث أطول، واللقاءات أكثر صدقاً وعفوية.
كان ذلك الزمن يرتكز على أصلٍ نفتقده اليوم وهو القرب الإنساني العفوي الذي بددته نعمة التقنية بعد أن قربت المسافات ويسّرت شؤون الحياة، وحملت معها نعماً عظيمة لا ينكرها عاقل، لكنها باغتتنا – من حيث لا نشعر – بأن غيّرت طبيعة صلتنا ببعضنا؛ فأصبحنا أكثر اتصالاً بالمعلومات، وأقل تواصلاً بالمشاعر. نعرف أخبار الأحبة لحظة وقوعها، لكننا لا نعرف أحياناً ما في نفوسهم من أفراحٍ أو أحزان.
تكاثرت الرسائل، وقلّت المجالس. امتلأت الشاشات بالكلمات، بينما خفّ حضور الأصوات. وأصبح بإمكان المرء أن يتابع تفاصيل حياة مئات الأشخاص، في الوقت الذي يتضاءل فيه نصيب اللقاء الحقيقي مع أقرب الناس إليه.
ليس العيب في الوسيلة، فهي نعمة من نعم العصر، لكن العيب أن نرضى بها بديلاً عن الإنسان. فالرسالة المكتوبة، مهما بلغت إنسانيتها وجمال صياغتها، لا تعوّض جلسةً صادقة. والصورة، مهما بلغت دقتها، لا تحمل دفء المصافحة أو بريق العينين. والمكالمة العابرة لا تغني عن لقاءٍ يلتقي فيه القلب بالقلب.
ولعل كبار السن أعمقنا إحساساً بهذه الفجوة؛ لأنهم عاشوا النقيضين معاً، وشهدوا رحلة العلاقات من دفء البيوت وعفوية التزاور إلى سكون الشاشات وبرودها.
لذلك، حين يبكي الكبير أمام صورةٍ قديمة، فهو لا يبكي الورق ولا جودة الصورة، بل يرى خلفها عالماً كاملاً من البشر والمشاعر والذكريات. يرى أُمَّاً كانت تنتظره بعطفها، وأباً يملأ المكان هيبةً وسكينة، وإخوةً ورفاقًا كانوا يقتسمون معه تفاصيل العمر الصغيرة قبل الكبيرة.
وهذه من أوجع حقائق التقدم في السن: أننا لا نفقد الأشخاص وحدهم، بل نفقد معهم أجزاءً نضرة من أنفسنا. تمضي وجوههم، وتمضي معها نسخةٌ من أرواحنا كانت لا تظهر إلا بحضورهم.
دموع كبار السن ليست ضعفاً، ولا وهناً، ولا خرفاً؛ إنما هي ذاكرةٌ فاضت بالوفاء. ودمعةٌ واحدة قد تختزل خمسين عاماً من الحب، والشوق، والفقد، والحنين.
الحياة لا تعود إلى الوراء، والأعمار لا تستأنف بداياتها، والمطلوب أن ندرك – وسط زحام التقدم – قيمة الأثر قبل أن يتحول إلى ذكرى، وأن نبادر إلى صلة من نحب قبل أن تفرقنا الأيام، وأن نمنح الحضور الإنساني حقّه كاملاً قبل أن يصبح أمنيةً لا سبيل إليها.
فكم من لقاءٍ أجّلناه، وكم من زيارةٍ سوّفناها، وكم من كلمة محبةٍ حبسناها في صدورنا حتى سبقنا الزمن إليها. وأجمل ما نملكه في هذه الحياة ليس ما نجمعه من أشياء، بل ما نتركه في قلوب الناس من أثر، وما يتركه الناس في قلوبنا من محبة وذكريات.
رحم الله موتانا وموتاكم، ورحم الله أهل ذلك الزمن الطيب؛ كانوا أجمل ودائعه، وأصدق وجوهه، وأدفأ أيامه.