د. عبدالمحسن الرحيمي
ربما أصبح من المشاهد المألوفة أن يحمل الطفل جهازًا ذكيًا قبل أن يحمل كتابه الأول، وأن يعرف كيف ينتقل بين المقاطع قبل أن يعرف كيف ينتقل بين صفحات قصة. وفي بعض البيوت، قد يتحول الهاتف أو الجهاز اللوحي إلى وسيلة سريعة لإسكات الطفل وإشغاله، حتى في أعمار مبكرة جدًا. لكن المسألة التي تستحق أن نتوقف عندها مع بداية عام دراسي جديد ليست مقدار ما أخذته التقنية من وقت أطفالنا، وإنما ما إذا كان التعليم قادرًا على استعادة هذا الوقت وتحويل جزء من هذا الانتباه إلى تعلم ومعرفة ومهارة.
هذه المقدمة تقودنا إلى قضية أكبر من السؤال التقليدي عن عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة. فالطفل الذي ينشأ اليوم في بيئة رقمية لا يستخدم التقنية بوصفها أداة إضافية في حياته، وإنما يتعرف إليها في مرحلة مبكرة من تكوينه، وتصبح الصور والمقاطع والألعاب والمنصات جزءًا من الطريقة التي يكتشف بها العالم. ولذلك فإن التعامل مع الطفولة الرقمية يحتاج إلى فهم أكثر دقة من مجرد وصف الشاشة بأنها نافعة أو ضارة.
والأهم هنا ألا يتحول النقاش إلى خطاب تخويف لا تسنده الأدلة. فقد ظهرت خلال السنوات الماضية ادعاءات تربط استخدام الشاشات مباشرة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو بالتوحد، إلا أن الدراسات الحديثة لا تسمح بهذه النتيجة القطعية. ففي مراجعة منهجية وتحليل تلوي حديث شمل 22 دراسة وأكثر من 235 ألف طفل ومراهق، ظهر أن الأطفال والمراهقين المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يستخدمون الشاشات بصورة أكبر، لكن مستوى اليقين في الأدلة صُنّف منخفضًا إلى منخفض جدًا، وهو ما يعني أن وجود ارتباط إحصائي لا يكفي للقول إن الشاشة سببت الاضطراب.
والصورة أكثر تعقيدًا في العلاقة مع التوحد. فقد تناول تحليل تلوي واسع 46 دراسة شملت أكثر من 562 ألف مشارك، وظهر ارتباط أولي بين استخدام الشاشة واضطراب طيف التوحد، إلا أن هذا الارتباط لم يبق دالًا إحصائيًا بعد تصحيح تحيز النشر. ومثل هذه النتيجة تضع حدودًا واضحة أمام أي محاولة لتحويل الارتباط إلى علاقة سببية. فالطفل الذي لديه أصلًا صعوبات في التواصل أو الانتباه قد يستخدم الشاشة بصورة مختلفة، كما أن عوامل الأسرة والبيئة والنوم وطبيعة المحتوى قد تتداخل جميعًا في الصورة.
وهذا لا يعني أن الشاشة خالية من الآثار، وإنما يعني أن علينا أن نضع كل أثر في حجمه العلمي. فهناك أدلة أكثر اتساقًا في موضوع النوم مثلًا؛ إذ وجدت مراجعات حديثة ارتباطًا بين زيادة استخدام الشاشة وبين تأخر وقت النوم وقصر مدته وصعوبة الدخول فيه، مع اختلاف حجم الأثر بحسب طبيعة الاستخدام وتوقيته. وهذه النتيجة مهمة لأنها تنقل النقاش من السؤال البسيط: «كم ساعة استخدم الطفل الشاشة؟» إلى سؤال أكثر دقة: متى يستخدمها، وماذا يفعل بها، وما الذي خسره بسبب استخدامها؟
وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون الأهم في فهم الطفولة الرقمية. فالمشكلة قد لا تكون في الجهاز نفسه بقدر ما تكون في النشاط الذي أزاحه الجهاز من حياة الطفل. فإذا أخذت الشاشة من وقت النوم، أو اللعب، أو الحركة، أو القراءة، أو الحوار مع الوالدين، أو التفاعل مع الأطفال الآخرين، فإن أثرها لا يعود مرتبطًا بالشاشة وحدها، وإنما بما حل محل هذه الخبرات الضرورية في مرحلة النمو.
وتدعم الدراسات الحديثة هذا الفهم. فقد أظهرت مراجعة وتحليل تلوي نُشرا في مجلة جاما لطب الأطفال، وشملا 100 دراسة و176,742 مشاركًا في مرحلة الطفولة المبكرة، أن سياق استخدام الشاشة مهم بقدر أهمية الوقت نفسه. فقد ارتبطت مشاهدة البرامج والتلفاز في الخلفية وبعض أنماط المحتوى غير المناسب للعمر بنتائج معرفية ونفسية اجتماعية أقل، بينما ارتبط الاستخدام المشترك للشاشة بين الطفل ومقدم الرعاية بنتائج معرفية أفضل.
وهذا يغير كثيرًا من طريقة تعاملنا مع المسألة. فطفل يشاهد محتوى سريعًا ومتكررًا لساعات ليس بالضرورة في الوضع نفسه لطفل يستخدم جهازًا لفترة محدودة لقراءة قصة تفاعلية أو تعلم لغة أو تنفيذ تجربة علمية. كما أن مشاهدة محتوى مناسب للعمر مع أحد الوالدين تختلف عن ترك الطفل منفردًا أمام تدفق لا ينتهي من المقاطع. لذلك فإن نوع المحتوى، وسياق الاستخدام، ووجود الأسرة، وتوقيت الاستخدام أصبحت عناصر لا يمكن فصلها عن السؤال عن وقت الشاشة.
ولهذا فإن الأسرة لا تحتاج إلى خطاب يضع الهاتف في مواجهة الطفل، بل إلى أدوات تساعدها على إدارة العلاقة بينهما. الرقابة الأسرية لا تعني بالضرورة مصادرة الجهاز، وإنما معرفة التطبيقات والمحتوى، ووضع قواعد واضحة، ومشاركة الطفل في بعض الاستخدامات، والانتباه إلى أوقات النوم والطعام والتفاعل الأسري، وعدم تحويل الشاشة إلى الحل التلقائي لكل لحظة ملل أو ضيق.
فالطفل يتعلم من سلوك والديه بقدر ما يتعلم من تعليماتهم. وإذا كان الهاتف حاضرًا في مائدة الطعام، وأثناء الحديث، وفي أوقات الانتظار، وعند أول لحظة يشعر فيها أحد أفراد الأسرة بالملل، فمن الصعب أن يصبح الطفل قادرًا على التعامل مع الشاشة باعتبارها أداة محدودة. ولذلك فإن التربية الرقمية تبدأ من الأسرة قبل أن تبدأ من الطفل.
وهنا يأتي دور التعليم أيضًا. فالمدرسة لا ينبغي أن تتعامل مع الطفل الرقمي باعتباره مشكلة يجب إعادتها إلى نموذج قديم من التعلم، بل يمكنها أن تساعده على فهم البيئة التي يعيش فيها. يمكن تعليم الطفل كيف يميز بين المحتوى، وكيف يتحقق من المعلومات، وكيف يستخدم المصادر، وكيف يصنع محتوى بدل أن يستهلكه فقط، وكيف يحول الجهاز من وسيلة للترفيه المتواصل إلى أداة للبحث والتجربة والإبداع.
وهذا الدور يصبح أكثر أهمية مع تقدم الطفل في العمر ودخوله مراحل التعليم الأعلى. فالجامعة، على سبيل المثال، لا تستطيع أن تتعامل مع التقنية باعتبارها عامل تشتيت فقط، بينما يستخدمها الطالب في البحث والتواصل والعمل ويستعد من خلالها لسوق عمل يتغير بسرعة. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى البيئة الأكاديمية والمهنية، تصبح المهارة الحقيقية هي قدرة الطالب على استخدام التقنية مع المحافظة على التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، وصياغة الأسئلة، وفهم حدود الأدوات.
ولا يعني ذلك تجاهل التوصيات الصحية المتعلقة بالأعمار المبكرة. فالإرشادات الدولية تدعو إلى تجنب الاستخدام الترفيهي للشاشات لدى أصغر الأطفال، وإلى حدود منخفضة لوقت الشاشة في مرحلة ما قبل المدرسة، مع التأكيد على جودة المحتوى، ومشاركة الوالدين، وألا يأتي الاستخدام على حساب النوم والحركة واللعب والتفاعل الإنساني. لكن هذه التوصيات لا تجعل «عدد الدقائق» العامل الوحيد في تحديد جودة تجربة الطفل الرقمية.
من المهم أيضًا أن ندرك أن التقنية ليست بيئة واحدة. فالطفل يمكن أن يستخدم الجهاز للتعلم، والرسم، والبرمجة، والقراءة، والبحث، والتواصل مع الأسرة، كما يمكن أن يستخدمه في متابعة محتوى لا ينتهي ولا يترك وراءه معرفة أو مهارة. لذلك فإن السؤال عن «الشاشة» بصورتها العامة قد يكون أقل فائدة من السؤال عن ما الذي يحدث داخل الشاشة.
وتشير التقارير الدولية الحديثة إلى الاتجاه نفسه. فاليونيسف تؤكد أن العالم الرقمي يوفر للأطفال فرصًا للتعلم والتواصل وبناء المهارات، وفي الوقت نفسه يحمل مخاطر تختلف بحسب طريقة الاستخدام والمحتوى والبيئة المحيطة بالطفل. كما تؤكد اليونسكو أن التقنية ينبغي أن تدعم التعليم والتفاعل الإنساني، لا أن تحل محلهما.
لذلك لا أعتقد أن المواجهة والحرمان هما الطريق الأكثر واقعية. نحن لا نستطيع أن نعيد الأطفال إلى عالم لم تكن فيه الشاشات موجودة، كما لا نريد أن نربي جيلًا يخشى التقنية التي سيحتاج إليها في تعليمه وعمله وحياته. ما نحتاج إليه هو التوجيه الآمن: أن تعرف الأسرة ما يشاهده الطفل، وأن يختار المحتوى وفق عمره واحتياجاته، وأن تكون هناك حدود واضحة، وأن يبقى النوم واللعب والحركة والتفاعل الإنساني خارج الشاشة جزءًا أساسيًا من يومه.
ربما نحتاج إلى تغيير السؤال الذي نوجهه إلى الطفل بعد أن يضع جهازه جانبًا. فبدل أن يكون السؤال دائمًا: «كم ساعة استخدمت الجهاز؟» يمكن أن نسأل: ماذا تعلمت؟ ماذا اكتشفت؟ ماذا صنعت؟ هل تستطيع أن تشرح لي ما شاهدته؟ بهذه الطريقة تتحول الشاشة من علاقة مغلقة بين الطفل والجهاز إلى مساحة للحوار والتعلم بين الطفل وأسرته.
فالهدف ليس أن نمنع الطفل من العالم الرقمي، وإنما أن نمنحه القدرة على دخوله دون أن يفقد العالم الحقيقي من حوله. نريد طفلًا يعرف كيف يستخدم التقنية، لا طفلًا تحدد التقنية كيف يقضي يومه؛ طفلًا يستطيع أن يبحث ويختار ويتعلم ويصنع، وفي الوقت نفسه يعرف قيمة الكتاب واللعب والحوار والصداقة والحركة والأسرة.
الطفولة الرقمية لا تحتاج إلى الخوف من الشاشة بقدر ما تحتاج إلى وعي بما نضعه أمام الطفل، وما نسمح له بأن يأخذ من حياته، وما نساعده على أن يبنيه من خلالها.