فاطمة آل مبارك
ثمة أرقام تمر في الأخبار سريعًا، بينما تحمل في داخلها حكايات مهنية كاملة. حين أعلن وزير التعليم يوسف بن عبدالله البنيان، خلال المؤتمر الصحفي الحكومي الأخير، عن ترقية أكثر من تسعة آلاف من الكادر الإداري في الشهر المقبل، كان الرقم كبيرًا بما يكفي ليعكس حجم الجهاز الإداري واتساع الحركة الوظيفية داخله.
لكن خلف هذا الرقم الكبير يقف سؤال أصغر حجمًا، وأكثر التصاقًا بالموظف نفسه: كيف يعرف الموظف أن الفرصة المهنية القادمة يمكن أن تصل إليه؟ فالترقية في حياة الموظف ليست مجرد انتقال من مرتبة إلى أخرى، إنها لحظة يشعر فيها بأن سنوات العمل، والخبرة، والإنجاز، والصبر اليومي الذي لا يظهر في العناوين، قد وجدت طريقها إلى التقدير.
وحين تكون الترقية استثنائية، يصبح السؤال أكثر حساسية فالفرصة محدودة، وكل فرصة محدودة تحتاج إلى قواعد واضحة تحفظ قيمتها المهنية وتمنحها معناها العادل وفي الأجهزة الحكومية، تتوزع الكفاءات على مساحات واسعة في الإدارات المركزية، والفروع، والمكاتب، والمواقع الميدانية، والأقسام الصغيرة. وفي هذه المساحات المتعددة قد يعمل موظف يصنع أثرًا حقيقيًا ويقدم إنجازًا يستحق التقدير، بينما يظل بعيدًا عن دوائر الضوء الإداري. لذلك تبرز أهمية أن تكون المنظومة قادرة على الوصول إلى الإنجاز، أينما كان موقع صاحبه.
قد يختصر موظف إجراءً استهلك سنوات من الوقت، ويطور آخر خدمة إلكترونية، ويبتكر ثالث آلية ترفع جودة العمل، فيما يعالج رابع مشكلة تشغيلية ظلت تؤرِّق إدارته طويلًا. إنجازات كهذه يمكن أن تولد في أي مستوى وظيفي، وفي أي مكتب، وفي أي موقع فأحيانًا يكفي موظف رأى المشكلة من زاوية مختلفة، وفكر في حل لم يلتفت إليه الآخرون. وتبدأ العدالة في التميز من قدرة المؤسسة على رؤية هذا النوع من الإنجاز ومنحه المساحة التي يستحقها عند المفاضلة.
وحين تصل الإنجازات إلى مرحلة المفاضلة، يصبح وضوح المعايير هو المساحة التي تلتقي فيها الكفاءة مع الفرصة. يعرف الموظف من خلالها ما الذي يمنح إنجازه وزنًا أكبر، وكيف يمكن أن تتحول المبادرة إلى قيمة مهنية قابلة للتقييم، وما الذي يجعل ملفًا يتقدم على آخر. عندئذ تكتسب الترقية الاستثنائية معناها الحقيقي: فرصة محدودة، تستند إلى معايير واضحة، ومفاضلة تقرأ الأثر وتستطيع قياسه.
ففي بعض الجهات الحكومية، ومنها إدارات التعليم، يجري سنويًا ترشيح نسبة محددة من الموظفين الإداريين للترقية الاستثنائية، وفق التوجيهات والضوابط المنظمة. وقد تكون النسبة محدودة إلى درجة تجعل الفرصة محصورة في عدد قليل جدًا من الموظفين موظفان في إدارة كاملة قد يكونان أحيانًا كل الحكاية.
لذلك يصبح السؤال عن آلية الوصول إلى هذين الاسمين أهم من السؤال عن الاسمين نفسيهما: ما المعايير؟ كيف تتم المفاضلة؟ ما الذي يجعل إنجازًا معينًا أكثر وزنًا من غيره؟ وكيف يعرف الموظف أن المبادرة التي قدمها طوال العام دخلت أصلًا في دائرة التقييم؟ أسئلة تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها تمس في عمقها جوهر العلاقة بين الموظف ومؤسسته.
فالوضوح يصنع أكثر من عدالة في القرار يصنع ثقة. وقد قطعت الجهات الحكومية خلال السنوات الماضية خطوات مهمة في حوكمة الترقيات، وإعلان الإجراءات والمعايير، ورقمنة مسارات المفاضلة. ووزارة التعليم نفسها سبق أن أعلنت في تجارب سابقة اعتماد معايير وإجراءات للمفاضلة والترشيح، مع تشكيل لجان لحوكمة عمليات الترقية، وهو اتجاه يعكس أهمية تحويل القرار الوظيفي إلى عملية أكثر تنظيمًا وقابلية للقياس.
لكن المرحلة القادمة يمكن أن تذهب أبعد يمكن أن يصبح لكل موظف ملف إنجاز مهني رقمي، يتراكم طوال العام، ويسجل المبادرات والمشروعات والتحسينات والنتائج والأثر الذي أحدثه الموظف في بيئة العمل. وعندما يأتي وقت المفاضلة، يصبح لكل إنجاز ذاكرة مؤسسية تحفظه، ولكل أثر مساحة في التقييم، ولكل موظف فرصة لأن يُقرأ مساره المهني كما هو. عندها تتقدم الوثيقة على الانطباع، ويصبح الأثر أكثر حضورًا من الصورة العابرة، وتتحول التقنية إلى أداة للعدالة، والحوكمة من مفهوم إداري إلى ممارسة يشعر بها الموظف في حياته اليومية.
فالمنافسة المهنية لا تحتاج إلى أن تنتهي بنتيجة متساوية للجميع التميز بطبيعته يقوم على المفاضلة، والمهم أن تكون نقطة البداية متاحة للجميع، وأن تكون قواعد الوصول إلى المنافسة واضحة ومفهومة.
وهذا هو الفارق بين موظف يؤدي واجبه، وموظف يعمل وهو يشعر بأن ما يصنعه يُرى ويُقدّر فالأول ينجز مهمته، والثاني يضيف إلى المؤسسة قيمة تتجاوز حدود الوصف الوظيفي. وتكتسب مكافآت التميز الإداري أهميتها بوصفها إحدى أدوات تقدير الإنجاز وترسيخ ثقافة المبادرة.
فالإنجاز الإداري اليوم أصبح أكثر قابلية للقياس: كم وفّر من وقت؟ كم حسّن من جودة؟ كم خفّض من تكلفة؟ كم طوّر تجربة المستفيد؟ وما القيمة التي أضافها إلى بيئة العمل؟ وعندما تدخل هذه المؤشرات في منظومة التقييم، تصبح المبادرات ذات الأثر الملموس جزءًا من المسار المهني للموظف، وتتحول مكافأة التميز من لحظة تكريم إلى حافز مستمر على الابتكار وتحسين الأداء وصناعة قيمة تتجاوز حدود المهمة اليومية. ولعل حديث وزير التعليم الأخير عن الترقيات الإدارية يفتح نافذة مناسبة للتأمل في هذه القضية على نطاق أوسع.
فحين تتحرك آلاف الترقيات داخل مؤسسة حكومية ضخمة، تصبح جودة المنظومة التي تقف خلف هذه الحركة أهم من الرقم ذاته لأن الموظف لا يريد فقط أن يعرف أن هناك ترقيات، وإنما يريد أن يعرف كيف يمكن أن يكون مستحقًا لها، وما الذي يحتاج إلى تطويره في مسيرته حتى يصل إليها.
وهذا المنطق لا يخص التعليم وحده إنه سؤال إداري يمكن أن يطرح في كل وزارة وهيئة ومؤسسة حكومية: كيف نجعل التميز مرئيًا؟ كيف نضمن أن الموظف الموجود في الفرع البعيد يستطيع أن ينافس الموظف الموجود في المركز؟ كيف تتحول المبادرة الفردية إلى قيمة موثقة في الملف المهني؟ وكيف تصبح الترقية الاستثنائية مكافأة على أثر يمكن إثباته؟
ربما يكمن الجواب في منظومة أكثر تكاملًا: معايير معلنة، ومؤشرات قابلة للقياس، وملفات إنجاز رقمية، ولجان مفاضلة واضحة، ومسار يتيح للموظف معرفة الأسس التي يستند إليها القرار. وحين تصبح هذه العناصر جزءًا من الثقافة المؤسسية، يمتد أثرها إلى ما هو أبعد من آلية الترقية إذ يتغير سلوك الموظف نفسه، فيبحث عن فرص التحسين، ويوثق مبادراته، ويقيس نتائجها، ويعمل وهو يدرك أن ما يقدمه يجد مكانه في سجل مهني يمكن الرجوع إليه.
بهذا المعنى، تصبح العدالة في الفرص إحدى أدوات تطوير الأداء فالاستثنائية تكتسب قيمتها من ندرتها، ويزداد أثرها حين تكون معايير الوصول إليها واضحة ومتكافئة، وحين يدرك الموظف أن الإنجاز الذي يصنعه في موقعه يمكن أن يجد طريقه إلى التقييم والتقدير.
صفوة القول: تكمن قيمة الترقية الاستثنائية في الرسالة التي تبعثها إلى المؤسسة بأكملها: أن الإنجاز حين يُرى ويُقاس، يصبح جديرًا بأن يُقدّر، وأن الفرصة حين تحكمها معايير واضحة تكتسب قيمتها وثقة من يصل إليها وعند هذه النقطة تتجاوز الشفافية حدود الإجراء الإداري، لتصبح ثقافة مؤسسية يشعر معها الموظف أن ما يصنعه في موقعه محفوظ في ذاكرة المؤسسة، وأن التميز مهما كان موقعه يملك طريقًا واضحًا إلى التقدير.