ناصر بن فريوان الشراري
في الحادي والعشرين من يونيو 2017م، لم يكن تولّي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- ولاية العهد مجرد حدث سياسي عابر في تاريخ المملكة العربية السعودية، بل مثّل بدايةً لمرحلة جديدة في مسيرتها الوطنية، اتسعت فيها آفاق التفكير في القوة والنفوذ والسيادة، وأصبح المستقبل معيارًا أساسيًا في صياغة الأولويات الوطنية.
ففي وقت كان العالم العربي يواجه أزمات متلاحقة ويبحث عن حلول ضمن أطر تقليدية، برزت رؤية استشرافية تتجاوز معطيات الحاضر، وتستوعب التحولات الكبرى التي يشهدها العالم في مجالات التقنية والاقتصاد والأمن والمعرفة، ومن هذا المنطلق، لم يعد بناء الدولة الحديثة قائمًا على أدوات القوة التقليدية وحدها، بل أصبح مرتبطًا بامتلاك عناصر التفوق العلمي والتقني والقدرة على توظيفها في خدمة التنمية وحماية المصالح الوطنية.
قراءة المستقبل: من وادي السيليكون إلى عقيدة جديدة للقوة
تجلّت هذه الرؤية بوضوح خلال الزيارة التي قام بها سمو ولي العهد إلى الولايات المتحدة الأمريكية في ربيع عام 2018م، فلم تكن الزيارة ذات طابع بروتوكولي فحسب، بل تضمنت جولات ولقاءات في عدد من أبرز مراكز التقنية والابتكار، من وادي السيليكون إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فضلًا عن شركات عالمية رائدة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
وقد حمل هذا الانفتاح على مراكز الابتكار العالمية دلالة استراتيجية عميقة، فمستقبل الدول لم يعد يُقاس بحجم ترساناتها العسكرية أو بقدرتها على إنتاج المعدات التقليدية فحسب، بل بمدى امتلاكها للمعرفة والبيانات والخوارزميات، وقدرتها على تحويل هذه العناصر إلى أدوات للتنمية والأمن وصناعة القرار.
لقد أدرك سمو ولي العهد أن طبيعة الحروب والصراعات الحديثة آخذة في التغير، وأن التفوق لم يعد حكرًا على القوة النارية أو الكثافة البشرية، فالمشهد الجديد تفرضه منظومات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة المأهولة وغير المأهولة، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، وسرعة اتخاذ القرار ودقته، وفي هذه البيئة المتغيرة، تصبح المعرفة التقنية جزءًا أصيلًا من منظومة الدفاع الوطني، لا عنصرًا مساعدًا أو هامشيًا.
البناء المؤسسي: هندسة السيادة التقنية
ولكي لا تبقى هذه الرؤية في إطار الطموح النظري، جرى تحويلها إلى مسار مؤسسي متكامل، يقوم على بناء القدرات الوطنية وتطوير البنية التحتية التقنية والاستثمار في الإنسان، ويمكن قراءة أبرز ملامح هذا المسار في عدد من الاتجاهات المتكاملة.
أولًا: تأسيس منظومة وطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي
مثّل إنشاء الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» خطوة محورية في بناء الإطار الوطني لإدارة البيانات وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فقد أسهمت الهيئة في دعم التحول الرقمي، وتعزيز حوكمة البيانات، وتطوير الحلول الذكية، وترسيخ موقع المملكة بوصفها دولة تسعى إلى امتلاك أدوات الاقتصاد الرقمي لا إلى استهلاكها فقط.
ثانيًا: توطين القدرات الدفاعية الذكية
تزامن التحول التقني مع توجه واضح نحو تطوير الصناعات الدفاعية وتوطينها، من خلال الجهات والمؤسسات الوطنية المعنية، وفي مقدمتها الهيئة العامة للصناعات العسكرية والشركة السعودية للصناعات العسكرية، ويشمل هذا التوجه الانتقال التدريجي نحو منظومات أكثر اعتمادًا على الأتمتة والاستشعار والتحليل التنبؤي، بما يعزز كفاءة العمليات ويرفع مستوى الجاهزية ويحد من الاعتماد على الحلول المستوردة.
ثالثًا: بناء صناعة وطنية للتقنيات المتقدمة
يمثل إطلاق المبادرات والشركات الوطنية في مجال الإلكترونيات والحلول الذكية، ومن بينها شركة «آلات»، امتدادًا لهذا التوجه، فالغاية لا تقتصر على استقدام التقنية أو توطين استخدامها، بل تتجاوز ذلك إلى بناء قاعدة صناعية قادرة على تطوير المنتجات التقنية وتصنيعها والمنافسة في الأسواق العالمية.
رابعًا: الاستثمار في رأس المال البشري
يبقى الإنسان الركيزة الأهم في أي تحول وطني مستدام، ولذلك حظي التدريب والتأهيل في مجالات البرمجة والبيانات والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة بأهمية متزايدة ضمن المبادرات الوطنية، فامتلاك البنية التحتية، مهما بلغت قوتها، لا يحقق أثره الكامل من دون كوادر وطنية قادرة على تشغيلها وتطويرها وصناعة حلول جديدة من خلالها.
السعودية في سباق الثورة الصناعية الرابعة
إن ما تشهده المملكة من تحولات متسارعة لا يمكن اختزاله في مشاريع تقنية منفردة، بل ينبغي النظر إليه بوصفه مشروعًا وطنيًا واسعًا يجمع بين الاقتصاد والعلم والأمن والصناعة، وبينما تتعامل بعض الدول مع التقنية باعتبارها أدوات منفصلة أو مبادرات مؤقتة، تعمل المملكة على بناء منظومة متكاملة تجعل الابتكار جزءًا من بنيتها المؤسسية وخططها الإستراتيجية.
وقد أثبتت التحولات المتلاحقة في النظام الدولي أن المستقبل لا ينتظر المترددين، وأن الدول التي تحجز موقعها في المرحلة المقبلة هي تلك التي تجمع بين وضوح الرؤية وجرأة القرار والاستثمار طويل الأمد في المعرفة، ومن هذه الزاوية، تبدو التجربة السعودية محاولة جادة للانتقال من موقع المستهلك للتقنية إلى موقع المشارك في إنتاجها وتوجيهها وتوظيفها في خدمة السيادة الوطنية والتنمية الشاملة.
خاتمة
تتأسس قوة المملكة في المرحلة المقبلة على مزيج متوازن من عناصر متعددة: اقتصاد متنوع، ومؤسسات فاعلة، وصناعة وطنية متقدمة، وكفاءات بشرية مؤهلة، وقدرة متنامية على توظيف البيانات والذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، وهذه العناصر مجتمعة تمنح المملكة مقومات حضور مؤثر في عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، وتصبح فيه السيادة التقنية إحدى أهم ركائز الاستقلال الوطني.
ومن هنا، فإن التحول الذي تقوده المملكة لا يمثل استجابة لواقع متغير فحسب، بل يعكس رغبة في صناعة المستقبل والمشاركة في تحديد ملامحه، فالقوة في القرن الحادي والعشرين لا تُبنى بالسلاح وحده، وإنما بالفكر والمعرفة والابتكار والقدرة على تحويل الطموح إلى مؤسسات ومنجزات مستدامة.