محمد بن عبدالله العتيق
ليس كل من ظهر على شاشة، أو حمل لاقطًا صوتيًا، أو امتلك منصة إعلامية، إعلاميًا بالضرورة، فالإعلام مهنة لها أدواتها وأخلاقياتها ومسؤوليتها، وأهم ما تقوم عليه هو الحقيقة.
الإعلامي الحقيقي هو من يبحث عن المعلومة قبل أن يبحث عن الظهور، ويتحقق قبل أن ينقل، ويفهم الحدث قبل أن يعلّق عليه. يضع المتلقي أمام الحقيقة كما هي، لا كما يريدها أن تكون، ولا يستخدم الكلمات لإخفاء ما لا يخدم رأيه أو مصلحته.
ومن حق الإعلامي أن يكون له رأي وموقف، لكن ليس من حقه أن يحوّل رأيه إلى حقيقة، أو أن يجعل ميوله وأجندته الخاصة هي التي تقوده في نقل الأحداث. وحين تتعارض الحقيقة مع رأيه، تظهر مهنيته الحقيقية في قدرته على تقديم الحقيقة، ولو لم توافقه.
وهنا يظهر الفرق بين من امتهن الإعلام ومن دخله بحثًا عن حضور أو شهرة أو مكاسب أو تحقيق غاية خاصة. فهناك من قضى سنوات في التعلم والبحث والقراءة والاحتكاك بأهل الخبرة، حتى عرف أدوات المهنة وأدرك ثقل الكلمة ومسؤوليتها، وفي المقابل، هناك من وجد نفسه فجأة في الواجهة دون تأهيل كافٍ، فأصبح الظهور عنده أهم من المعرفة، وإثبات الرأي أهم من نقل الحقيقة.
والإعلامي الحقيقي تظهر قيمته في الميدان؛ حين يحضر مؤتمرًا صحفيًا، يعرف ماذا يستمع إليه، وماذا يستحق أن ينقل، وما السؤال الذي ينبغي أن يطرحه. ويستطيع أن يحوّل حديثًا طويلًا إلى خبر واضح ومعلومة مفيدة، وأن يسأل المتحدث عن النقطة التي ينتظر الجمهور إجابة عنها.
أما من لا يملك أدوات السؤال، ولا القدرة على صياغة المعلومة، ولا يستطيع أن يفرّق بين الخبر والرأي، ثم يتصدر المشهد للدفاع عن موقف مسبق، فالمشكلة ليست في قلة ظهوره، وإنما في أنه دخل مهنة تحتاج إلى أدوات لم يمتلكها بعد.
وتزداد المسؤولية في الإعلام الرياضي؛ لأن المشجع قد يدخل الاستديو بعاطفته، لكن الإعلامي لا ينبغي أن يدخل إليه بعاطفة المشجع. من حق الإعلامي أن يميل وأن يشجع، لكن عليه أن يعرف متى ينتهي دور المشجع ويبدأ دور الإعلامي.
الإعلام الرياضي ليس ساحة للدفاع عن نادٍ في كل موقف، ولا منصة لتحويل الخطأ إلى صواب، أو تبرير ما لا يمكن تبريره، أو مهاجمة المنافس لمجرد أنه منافس. الإعلامي الرياضي المهني يقول الحق لفريقه وعليه، كما يقوله لمنافسيه، ويضع الحقيقة فوق الانتماء.
وفي زمن أصبحت فيه المملكة العربية السعودية حاضرة بقوة في مختلف المجالات، فإن الحاجة إلى إعلام مهني أصبحت أكبر من أي وقت مضى. هناك منجزات ومشاريع ومبادرات وأعمال إنسانية وتنموية تستحق أن تصل إلى الناس، وهناك جهود كبيرة تقوم بها القيادة والجهات الحكومية والمؤسسات المختلفة، ويجب أن يجد كل ذلك إعلامًا قادرًا على إبرازه بوعي ومهنية.
الإعلام ليس مجرد مساحة للجدل، ولا وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية، ولا طريقًا للشهرة.
الإعلام مسؤولية، ومن لا يملك أدواتها فعليه أن يتعلم قبل أن يتصدر.
نحن بحاجة إلى إعلاميين يعرفون أن الكلمة أمانة، وأن الحقيقة لا تتغير بتغير الميول، وأن المهنية ليست في كثرة الظهور، وإنما في جودة ما يقدمونه.
فالإعلامي الحقيقي لا يبحث عن أن ينتصر هو، بل يبحث عن أن تنتصر الحقيقة.