د. خالد الخضري
في التاسع عشر من أغسطس من كل عام، يُستعاد الحديث عن العمل الإنساني بوصفه قيمة تتجاوز حدود المساعدة العابرة، في «اليوم العالمي للعمل الإنساني» لتؤكد أن حفظ كرامة الإنسان، وإغاثة المحتاج، ومساندة الفئات الأكثر احتياجًا، مسؤولية إنسانية تتطلب العطاء والتخطيط والاستدامة. وفي هذه المناسبة، تستحضر المملكة العربية السعودية مسيرة طويلة من البذل والعطاء، رسخت خلالها حضورها في ميادين العمل الإنساني، وجعلت من خدمة الإنسان ومساندته أحد أوجه قيمها الراسخة.
تتقدم المملكة في المشهد الإنساني بوصفها نموذجًا جعل من العطاء نهجًا راسخًا، ومن خدمة الإنسان مسؤولية تتجاوز حدود المساعدة المؤقتة إلى صناعة أثر مستدام. فمنذ تأسيسها، قامت مسيرتها على قيم التكافل والتراحم وإغاثة الملهوف، وتعزز هذا النهج عبر مراحلها المختلفة، حتى أصبح العمل الإنساني اليوم أحد أبرز ملامح حضورها، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وما تحظى به المبادرات الإنسانية والخيرية من اهتمام ودعم وتطوير مستمر.
لم يكن هذا العطاء وليد ظرفٍ عابر أو استجابة مؤقتة، بل يمثل امتدادًا لمسيرة طويلة بدأت منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله -، الذي أرسى دولة قامت على مبادئ الإسلام وقيم التراحم والتكافل.
ومع تطور الدولة، تطورت أدوات العمل الإنساني، وانتقل من المبادرات الفردية وصور المساعدة المباشرة إلى منظومة مؤسسية أكثر شمولًا وتنظيمًا، تعمل من أجل الإنسان وتحفظ كرامته وتسعى إلى تمكينه.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حظي العمل الإنساني باهتمام كبير، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن الإنسان هو محور التنمية وغايتها.
وقد انعكس هذا الاهتمام في دعم المبادرات الإنسانية، وتعزيز دور المؤسسات المتخصصة، وتطوير العمل غير الربحي، وتوسيع فرص التطوع، بما يجعل العطاء أكثر تنظيمًا واستدامة وقدرة على الوصول إلى المستفيدين.
يأتي مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بوصفه أحد أبرز الشواهد على هذا التوجه، حيث يمثل إطارًا مؤسسيًا يعكس اهتمام المملكة بتنظيم العمل الإغاثي والإنساني وتطوير أدواته، وتقديم الدعم في المجالات التي تمس حياة الإنسان واحتياجاته الأساسية، من الغذاء والصحة والمياه والإيواء والتعليم والتأهيل.
وتتجاوز أهمية هذه الجهود مفهوم المساعدة التقليدية؛ فالعطاء الحقيقي لا يقتصر على سد حاجة اليوم، وإنما يمتد إلى مساعدة الإنسان على بناء الغد. فالأسرة تحتاج إلى فرصة للاستقرار، والشاب يحتاج إلى التدريب والتأهيل، والطفل يحتاج إلى التعليم الذي يصنع مستقبله، والمريض يحتاج إلى الرعاية التي تعيد إليه قدرته على الحياة. ومن هنا تتجسد الرؤية الحديثة للعمل الإنساني في الانتقال من المساعدة إلى التمكين، ومن الاستجابة المؤقتة إلى صناعة الأثر المستدام.
وفي هذا الإطار، أولت المملكة اهتمامًا متزايدًا بالقطاع غير الربحي والعمل التطوعي، خصوصًا في ظل رؤية السعودية 2030، التي عززت مكانة هذا القطاع بوصفه شريكًا أساسيًا في التنمية وصناعة الأثر المجتمعي. وأصبح التطوع اليوم أحد أهم صور المشاركة الوطنية والإنسانية، إذ لم يعد المتطوع مجرد مقدم لمساعدة عابرة، بل أصبح شريكًا في المبادرات والحلول والخدمات التي تستهدف الإنسان والمجتمع.
العمل الإنساني لا يحتاج دائمًا إلى المال وحده؛ فالوقت عطاء، والخبرة عطاء، والمهارة عطاء، والجهد الصادق عطاء. ومن هنا تنبع أهمية ثقافة التطوع التي تسهم في تعزيز المسؤولية المجتمعية، وتؤكد أن صناعة الخير مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والأفراد.
كما شهد العمل الإنساني والخيري تطورًا في أدواته، مع الاستفادة من التقنية والتحول الرقمي في تنظيم المبادرات، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، وتعزيز الشفافية، وربط الداعمين والمتطوعين بالفرص والمشروعات الإنسانية. ولم تعد التقنية مجرد أداة مساندة، بل أصبحت جزءًا من تطوير منظومة العطاء، بما يرفع كفاءة العمل ويساعد على سرعة الوصول إلى المستفيدين.
تبقى الشفافية والحوكمة من أهم الركائز التي يقوم عليها نجاح العمل الإنساني؛ فكل تبرع أمانة، وكل جهد مسؤولية، والثقة هي الأساس الذي يدفع المجتمع إلى الاستمرار في العطاء. ولذلك فإن تنظيم الموارد، ووضوح المسؤوليات، وقياس النتائج، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، تمثل جميعها عناصر أساسية في حماية العمل الإنساني وتعزيز أثره.
إن ما يميز التجربة السعودية هو هذا الجمع بين أصالة القيمة وحداثة العمل؛ بين إرث طويل من التكافل والوقف والصدقة وإغاثة المحتاج، وبين مؤسسات حديثة تعمل وفق برامج وخطط وأهداف واضحة. فالعطاء في المملكة لم يعد مجرد فعل خير ينتهي بتقديم المساعدة، بل أصبح منظومة تسعى إلى تحقيق أثر يمكن قياسه واستدامته.
وفي مقدمة هذه المسيرة، تتجلى جهود القيادة في ترسيخ مفهوم أن العمل الإنساني مسؤولية وطنية وقيمة إنسانية راسخة. وقد أسهم الاهتمام الذي يحظى به هذا المجال في توسيع آفاقه، وتعزيز دور المؤسسات، وفتح المجال أمام المجتمع للمشاركة في صناعة الخير، ليصبح الإنسان هو محور المبادرات وغايتها الأولى.
فالطفل لا يحتاج إلى المساعدة فقط، بل إلى التعليم والحماية والفرصة. والمريض لا يحتاج إلى العلاج وحده، بل إلى الرعاية والتأهيل واستعادة القدرة على الحياة. والأسرة المحتاجة لا تحتاج إلى دعم مؤقت فحسب، بل إلى ما يساعدها على الاستقرار والاعتماد على الذات. وهنا تظهر القيمة الحقيقية للعمل الإنساني السعودي؛ في السعي إلى رؤية الإنسان كاملًا، لا النظر إلى حاجته وحدها.
ولهذا فإن الأرقام، على أهميتها، ليست المقياس الوحيد للنجاح. فالسؤال الأهم هو:
- ماذا تغير في حياة الإنسان؟ هل استطاعت أسرة أن تبدأ حياة أكثر استقرارًا؟ هل حصل طفل على فرصة أفضل لمستقبله؟ هل استعاد مريض قدرته على ممارسة حياته؟ هل اكتسب شاب مهارة فتحت أمامه بابًا جديدًا؟
هذه هي المعاني التي تمنح العمل الإنساني قيمته الحقيقية؛ لأن الأثر لا يُقاس فقط بما يُقدَّم، وإنما بما يبقى بعد انتهاء تقديمه.
وتواصل المملكة العربية السعودية اليوم مسيرتها في تطوير العمل الإنساني، مستندة إلى تاريخ راسخ من العطاء، وقيادة تؤمن بقيمة الإنسان، ومجتمع جعل التكافل جزءًا من ثقافته، ومؤسسات تعمل على تحويل هذه القيم إلى مبادرات وبرامج ومشروعات مستدامة، لتترجم ببراعة تلك المعاني التي ذكرناها آنفاً.
ففي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبدعم ومتابعة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، تمضي المملكة في ترسيخ مكانتها بوصفها وطنًا جعل من العطاء قيمة، ومن العمل الإنساني مسؤولية، ومن خدمة الإنسان هدفًا لا يتوقف عند حدود المساعدة، بل يمتد إلى حفظ الكرامة وصناعة الفرص وبناء المستقبل.
وهكذا تظل المملكة في مقدمة المشهد، ليس بما تقدمه من مبادرات ومشروعات فحسب، بل بما تمثله من رسالة إنسانية راسخة: أن الإنسان أولًا، وأن كرامته أساس، وأن العطاء حين يتحول إلى عمل مؤسسي مستدام يصبح قادرًا على صناعة أثر يمتد أبعد من اللحظة، ويترك في حياة الناس أملًا جديدًا وفرصة للبدء من جديد.