م. بدر بن ناصر الحمدان
ثَمّة حكاية فريدة من ذاكرة العُمران، لطالما جذبتني تفاصيلها، حتى بتُّ قادرًا على تخيّل أحداثها، بل وأكاد أشاهد فصولها وشخصياتها في مشهد حي، لكونها الحكاية الأكثر استفزازًا للذاكرة، والأعمق في إثارة حسّ التساؤل عن مكان استطاع أن يسكن بداخل رجل ألماني، وأن يسكنه هو روحًا ومعنى، الحديث هنا عن المهندس المعماري كريستوفر هانكه وقرية سَدوس، تلك العلاقة التي نشأت بداية عام 1981م حين مرّ بها كعابر سبيل، وانتهى به المطاف إلى أن يصبح جزءًا لا ينسى من تاريخها.
شَغَف كريستوفر هانكه بقرية سدوس تجاوز العِمارة إلى ثقافة الإنسان، وكان دافعًا ذاتيًا لحصوله على درجة الدكتوراه عام 2004م من جامعة كيسر زلاوترن الألمانية بعنوان (سَدوس نموذج للقرية النجدية بالمملكة العربية السعودية)، بعد رحلة طويلة في أعماق تلك القرية المنفردة بكل تفاصيل الحياة في نَجد، ذلك المكان المُلهِم لمن كان ولازال يبحث عن شيءٍ مختلف ويتجاوز المألوف. يقول كريستوفر هانكه: «إن أحاديثه مع بعض أهالي سَدوس تطورت إلى أسئلة حول العِمارة والعادات والتقاليد التي أنتجت ذلك النسيج العُمراني».
عند التَّجوّل في أروقة سَدوس، أجدني أتقن لغة لا أجيد التحدث بها سوى في هذا المكان، تُثيرني تفاصيل ما حدث حينها، بداخلي رغبة البحث عن قانون العودة إلى 1981م، كيف كان لقاء كريستوفر هانكه بالشيخ عبد الرحمن بن معمر أمير سَدوس آنذاك، عن ماذا تحدثوا، وكيف نشأت علاقتهما، وأين ذهبا، ومن كان يترجم حديثهما، والمكان الذي بات فيه ليلته الأولى، وأي مشاعر اكتنفت هذا الرجل مع سكان سَدوس، كيف كان ينظر إليهم وكيف كانوا ينظرون إليه، وبماذا كان يفكر وهو عائد على متن رحلة سَدوس - فرانكفورت، ترى هل أخبر سكان مدينته عن سَدوس.
رحل كريستوفر هانكه في يوليو 2020 تاركاً وراءه أثرا لرحلة بدأت ولم تنته. أعتقد أن السينما العالمية ستكون أمام سيناريو فريد من نوعه إذا ما تناولت هذه الرحلة العابرة للثقافات، وتحويلها الى فيلم وثائقي، بوصفها تجربة عميقة في التراث الإنساني، لـ(أَلْمَانِيٌّ عَائِدٌ مِنْ سَدُوس).