د. تنيضب الفايدي
ينبع النخل مجموعة من القرى التاريخية، يخيل إليك وأنت فيها أنك تخطو على بصمات التاريخ، وتستروح نسمات المجد، خاصةً وأن لها دوراً مميزاً في صنعه، اكتحلت جبالها برؤيته -صلى الله عليه وسلم-، كما تعطرت أرضها بالخطوات المباركة للرسول- صلى الله عليه وسلم- في غزوة العشيرة، وما غزوة بواط عنها ببعيد.
وينبع النخل والبعيدة عن الساحل بين شعاب الجبال وجنبات الأودية وخيوفها، هي أكثر عدداً من القرى الساحلية، و هي قديمة حيث يعود تاريخها لأكثر من ألفي عام، وتقع في الجهة الشرقية لينبع البحر، وهي عبارة عن عدة قرى متوالية مثل: السويقة، البثنة، المبارك، العشيرة، المشيريف، العلقمية، الجابرية، البقاع، مدسوس، مديسيس، الفجه، خيف حسين، عين علي، الفرّعة، البُليْد، فكأنها عقد يمتد من الشمال الشرقي على الجنوب الغربي. وقد ذكر كثيّر عزة بعضاً من قرى ينبع النخل، ومنها البُلَيْد حيث قال:
فأَتْبعْتُهُمْ عيْنيَّ حتى تلاحمتْ
عليها قِنانٌ منْ «خفَيْنَن» جُونُ
وقد حال من حزم «الحماتَيْنِ» دونهمْ
وأعرض من وادي «البُليْدِ» شُجُون
وفاتتْك ظعْنُ الحيّ لما تَقَاذفَتْ
ظهورٌ بها من «ينبعٍ» وبطونُ
ومن تلك القرى الشهيرة في ينبع النخل قرية السويق، فهي إحدى أكبر وأبرز القرى التاريخية الشهيرة في ينبع النخل، تكتسب القرية أهمية تراثية وتجارية كبيرة منذ القدم نظراً لموقعها وكونها مركزاً لالتقاء القوافل والحجيج. يقول أحد المؤرخين: «السويق تصغير سوق مع التعريف، سوق في ينبع النخل كانت عامرة قرب سُويقة، ولذا ينسب بعض الناس الوقائع التي جرت إليه، وآخرون ينسبونها إلى سويقة اللاحقة، ولازالت تلك السوق عامرة، ويشرف عليه من الشمال جبل رضوى».
وتشتهر قرية السويق بعراقتها ومكانتها التجارية القديمة كملتقى للقوافل، وهي لا زالت عامرة، كما لازال سوقها التاريخي شاخصاً في الميدان، وإن طمست بعض معالمه، وهذا السوق له شهرة قديماً حيث كانت تمرّ به قوافل قريش في رحلة الصيف أي: رحلتها إلى الشام، سواءً في ذهابها أو في إيابها.
وتُعد قرية السويق في ينبع النخل جزءاً أساسياً من المنطقة التي تشتهر بالزراعة وتاريخها الزراعي العريق، حيث تحتوي السويق خيف فاضل وخيف الحارثية، وتعرف بكثرة مزارع النخيل وإنتاج الفواكه والخضراوات، وتعتمد مثل باقي قرى الوادي على العيون الجارية والمياه الجوفية، حيث توجد عيون مائية مرتبطة بقرية السويق ومحيطها التاريخي مثل: عين السويق و عين حسين، وقد ذكر أحد المؤرخين بأنه شاهد بنفسه مجموعة من العيون عام 1365هـ، ومنها عين السويق، وتلك العيون هي: عين البَثْنَة، عين البَرَكَة، عين البِقَاع، عين الجَابِرِيَّة، عين السكوبية، عين السُّوَيْق، خيف حسين، عين حسن، الْفِجَة، سُويْقَةُ، عين جديد، عين الحارثيّة، خَيْفُ فاضل، شَعْثَاء، العلقمية، عين حسن، عين سلمان، عين عجلان، عين عليّ، عين النَّوى، عين القَرْية، عين المبارك، عين مدسُوس، عين المزرعة، عين النُّجَيْل، عين اليَسيرة، كما شاهد الكاتب مجموعة من العيون المذكورة التي قد تلاشت حالياً.
ونظراً لوقوعها على طريق القوافل بين الحجاز والشام، كما كانت تمرّ بها رحلات الحجاج حيث ذكر الجزيري في الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة بأن عدداً من رحلات الحجاج ينـزلون بالسويق، قرية من قرى ينبع، وأهل الدّهنا وهي القرية المعروفة يمرّ بها الحاج عليها عند ذهابه إلى واسط، كما يمكث الحجاج بها أي: بالسويق ثلاثة أيام لراحتهم وراحلة الجمال، ويتوجهون بعدها إلى مكة المشرفة؛ كلّ ذلك أدى أهلها إلى العمل بالتجارة، فقد مارس أهلها نشاطها التجاري منذ أقدم العصور وبرع فيها، كما أن أهلها مارسوا مهنة الزراعة وتربية الحيوان، فكان لابد من أسواق يتم فيها عرض تلك البضائع وتسويقها، ومن أبرز تلك الأسواق: سوق السويق الذي يقام في يوم الثلاثاء في قرية سويق مع أسواق أخرى، فكانت سوقاً تجارياً عامراً بين واردات البلاد والصادرات التي ترد إليها عن طريق القوافل، فاشتهرت بمكانتها التجارية عبر التاريخ والأسواق القديمة.
والسلع التي كانت تباع فيها هي: التوابل بأنواعها والبن والعطور والبخور، والمنسوجات والمواد الغذائية والأحجار الكريمة، إضافة على ذلك تباع في السوق أنواعٌ من التمور والسمن والألبان، والفحم النباتي، وكذا العسل حيث اعتنى أهل ينبع بالمناحل لتربية النحل التي يستخرج منها العسل، ووجود النحل يشير إلى وجود الحدائق والزراعات المتنوعة. كما تباع في السوق البضائع التي يجلبها الحجاج معهم مثل: صبغة النيلة، الصوف، الجوخ، زيت الزيتون، الطرابيش، والشيلان الصوفية البيضاء والحذاء المصنوع من الجلد ومعاطف مزودة بغطاء للرأس يسمى برنس.
و في القرن الرابع عشر الهجري طرأ تغيير على طريق الموكب الرسمي للحجاج فصار يأتي عن طريق البحر من السويس إلى ينبع وبدأت ينبع البحر تنتعش قليلاً، في الوقت الذي ضعفت فيه ينبع النخل التي كانت المحطة الرئيسية للحجاج فأصبحوا يمرون بها مروراً، ولايمكثون فيها، بينما كانوا في السابق يقيمون ثلاثة أيام أو أربعة.
كما وردتْ السويق في أرجوزة وينقلها الكاتب هنا بالمواقع التي تمرّ بها القوافل عبر التاريخ للأهمية والاعتزاز:
من بعدِهِ للوَعْر جُزْ تَلْقَى الهَنَا
في وَادِيَ النَّار تَرَى الأَفَاعِي
منْ بعدِهِ للوَعْر جُزْ تَلْقَى الهَنَا
يَا ربَّ بَلِّغْنَا وجَمِّعْ شَمْلَنَا
يَسْتَروحُ الركبُ بدَارَيْن البَقَرْ
وادْخُلْ إلى يَنْبُعَ والْما والشَّجَرْ
فأرْضهُ مُخْضَرَّةٌ ويانِعَهْ
أَعْيُنهَا جاريَةٌ ونَابعَهْ
وَهْوَ عَلَى ما حَرَّرَتْهُ الْقُدَمَا
النِّصْفُ والرُّبْعُ وهَذَا عُلِمَا
وبعْدَهُ تدْنُوْ لَهُ الدَّهْنَاءْ
ووَاسِطُ الكَثِيْرةُ الأضْواء
فِيْ وَاسِط لِلشَّمْع كُنْ مُحابي
فَبَدْرُ فِيها نُصْرَةُ الأحبَابِ
وَعَدَّها لعَالِجٍ والبَزْوَهْ
مِنْهُ إلَى وَدَّانَ قَدْرَ سَرْوَهْ
وادْخُلْ إلى رَابِغَ مَسْروراً فَرحْ
وانْو لإحرامٍ هُنَاكَ وانْطرحْ
وخُذْ على الجُحْفَةِ ميقات وَرَدْ
ثمَّ الجُرَيْنَات تلِيها بالعَدَد
ثم قُدَيْدُ بَعْدُ يا رَفِيقِي
من بَعْدِها تَرْقَى إلى السويْقِ
وفي خُلَيْصٍ سِرْ ولا تُعَرّج
منْ بعْدِهَا تأتِيْ إلى المُدَرَّجِ
مِنْهُ إلَى عُسْفَانَ ثمَّ المُنْحَنَى
وبَطْن مَرٍّ بَعْدَها نَيْلُ المُنَى
تَسِيْرُ تلْقَى مسْجدَ الميمونَهْ
خيْر النِّساءِ أُمِّنَا المصونهْ
وبَعْدَهُ المساجدُ المشهورهْ
لأمِّنَا عائشةَ المذكورَهْ
كما تُعدّ السويق من القرى الأثرية فهي تضم آثاراً قديمة من قلاع، ومنازل طينية تراثية، وسور، والعيون والسواقي القديمة، ومن تلك الآثار:
السبيل
السبيل هي مبان صغيرة مبنية من الحجر والطين غالبا ما تكون هرمية الشكل بها فتحة صغيرة لأخذ الماء منها وتملأ بالماء من قبل متطوعين طمعاً في الأجر من الله عز وجل وتحفظ الماء باردا تنتشر في الأسواق والطرقات، وتعرف بأسماء معينة غالباً ما تنسب للقائم عليها ولا زالت بعضها تحتفظ بهياكلها وأشكالها الجميلة ، كما توجد الكثير من مباني السبيل في الأسواق الأخرى، وبعضها مبنية بالحجر فقط حيث يوجد في سوق السويق، وكذلك في مسجد خيف حسين القديم وغيرها من المواقع في ينبع النخل.
قلعة السويق
تقع قلعة السويق على قمة تل مرتفع مشرف، وتعتبر معلماً صخرياً وتاريخياً قديماً يعكس حقبا زمنية متقدمة في تاريخ المنطقة. وتحيط بالقلعة آثار البيوت الطينية القديمة، والمزارع الواسعة، وبقايا النخيل والعيون المائية التي كانت تغذي المنطقة.
سور السويق
هذا السور يختلف في طريقته بالبناء عن الأسوار الأخرى بالحجاز والتي عمرت إبان الدولة العثمانية وحكمها للحجاز؛ لأن أهداف العثمانيين في إقامة الأسوار للمدن ذات الأهمية الاقتصادية والدينية. وبناء السور لديهم يختلف أنه جدار واحد ولايتداخل بحيث يطوق المدينه بالكامل .وسور السويق مركزه جبل حرير ومنه ينزل للأرض غرباً ويطوق السويق حيث اندثر الكثير بسبب مرور السنيين وطبيعة الارض وتغيرها خلاف الجبل وحفظه ما يقام به من عمران.
ولازالت قرية السّويق بل بلدة السويق نابضة بالحياة، وهي قاعدة ينبع النخل، وبها مركز إمارة ومرافق حكومية أخرى وكانت سوقاً يقصد كلّ يوم الثلاثاء وكان من أشهر أسواق الوادي.
كما حافظت على بعض الآثار المجاورة لها مثل: القلاع وبقايا المنازل القديمة التي تمت المحافظة عليها، ولايزال أهلها يعتزون بالسويق ويحفظون تاريخه وينقلون إلى أبنائهم وبناتهم، وبين فترة وأخرى يأتون بمن ينقل الصور الحيّة عن السويق ولاسيما في (التلفزيون)، وكان الكاتب أحد الذين أتوا إلى السويق، وتم الوصف الحي لقرية السويق وسوقها مباشرة في القناة الثقافية.
إن أهل السّويق نموذج يحتذى في الاعتزاز بالوطن وإبراز قيمته ولاسيما عن طريق ما خلّفه الأجداد من تراث، سواءً ما يتعلق بالمباني أو التراث الاجتماعي الذي اشتهر به السّويق، بل واشتهرت به كامل قرى ينبع النخل. ولهذا التراث ولاسيما الاجتماعي أنواع متعددة، ولازالت (الكسرات) وهي نوع من الشعر الشعبي لازالت متداولة، بل وألفت عنه بعض الكتب: سلامٌ على السّويق وأهلها..
** **
المراجع:
معجم البلدان للحموي، معجم ما استعجم للبكري، أحسن التقاسيم للمقدسي، الدرر الفرائد للجزيري، تاريخ ينبع تأليف: عبد الكريم الخطيب، ينبع التاريخ الأدب الحضارة للدكتور/ تنيضب الفايدي، النشاط التجاري في شبه الجزيرة العربية تأليف: علي السيمان، بلاد ينبع تأليف: حمد الجاسر، معجم معالم الحجاز للبلادي، صيد الذاكرة الباصرة للدكتور/ تنيضب الفايدي.