د.عبدالله بن موسى الطاير
الرئيس الأمريكي أعلن نفسه أعظم رئيس في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية عبر تدوينة على منصته تناقلتها وسائل الإعلام بين متهكم ومستغرب، لكنه غاب عن تحليلاتهم مبدأ راسخ في عقيدته يقوم على أنه إذا ترك الناس تعامله بالطريقة التي يريدونها فسيجعلون منه مغفلا، وهو ينفر من انتظار هكذا قدر، ولذلك نصّب نفسه في هذا الموقع ولم ينتظر من أحد فعل ذلك. عقيدة ترامب تقوم على المبادرة بالهجوم، وعدم الاعتراف بالخطأ، وحتى في حالات الخسارة يجعل الجميع يصدقون أنه قد انتصر.
ولذلك فإن المتعامل معه وفق قواعد السياسة الأمريكية يخسر لا محالة، فإيران على سبيل المثال راهنت على الزمن بقدر رهانها على القوة خلال ما يقارب نصف قرن من المواجهة مع أمريكا، وهي خبرة اكتسبتها من تعاملها مع ستة رؤساء اختلفوا في شخصياتهم وسياساتهم، وتمكّن النظام الإيراني على التكيف معهم بانتظار انتهاء ولاياتهم، مستفيدين من القيود الداخلية التي تحكم القرار الأمريكي. ولهذا قد يبدو منطقيا أن تتعامل طهران مع دونالد ترامب بالطريقة نفسها، لكنها قد تقع في فخ تعميم الخبرة.
فهم ترامب من خلال الخبرة السابقة مع الرؤساء الأمريكيين وليس من خلال المشروع السياسي الذي صنعه لنفسه يوقع إيران في مأزق النتائج غير المحسوبة. الرئاسة عند ترامب لم تكن مجرد محطة في مسيرة سياسية تقليدية، وإنما مشروع شخصي ضخم ارتبط بصورته عن نفسه، وبقدرته على إثبات أنه ينتصر حين يتوقع خصومه خسارته، وبنى حول هذا المشروع تحالفات واسعة، واستخدم المحافظة الدينية والقضايا الثقافية والاقتصادية والهجرة والسياسة الخارجية أدوات في معركة هدفها النهائي الوصول إلى السلطة والبقاء في موقع المنتصر، ويخطئ من يحاول فصل قراراته الكبرى عن هذه الطبيعة. إنه يستطيع تغيير موقفه، والتراجع عن بعض مطالبه، والانتقال من التهديد إلى التفاوض بسرعة مربكة، لكنه لا يقبل الخداع ولا يطيق الإكراه على التراجع، ويكون خطرا جدا حين يشعر بأن الطرف المقابل يتلاعب به، أو يفسر رغبته في الاتفاق على أنها علامة ضعف، وهنا تحديدا قد تقع طهران في الخطأ القاتل. ولا شك أنه قد يذهب بعيدا جدا إذا اعتقد أن مصداقيته الشخصية أصبحت موضع اختبار، وفي الحالتين لا تكفي قراءة ميزان القوة العسكري لفهم القرار، فهناك عنصر آخر يتعلق بالطريقة التي يريد بها ترامب أن تنتهي القصة أمام جمهوره وأمام التاريخ، ولن يتردد في استخدامها.
في المقابل، إذا استطاعت طهران أن تمنحه اتفاقا يقف به أمام نفسه وأمام الأمريكيين والعالم ليقول إن إيران تراجعت، وإن برنامجها أصبح مقيدا، وإن الملاحة في مضيق هرمز آمنة، وإن أمريكا فرضت شروطها، فإنه مستعد حينها لتقديم تنازلات كبيرة في ملفات أخرى، ولن يولي اهتماما يذكر بما يترتب على تلك التنازلات من تبعات على أمن المنطقة ما دام البناء العام للصفقة يسمح له بإعلان النصر واستسلام إيران.
الرئيس ترامب ليس معنيا بالتسويات المثالية، ولا يتعاطف ولا يحب الأطراف الضعيفة، وإذا حصل على صورة الانتصار فإنه مستعد لتجاهل أجزاء من الصورة لا تراها قاعدته الجماهيرية، حتى لو كانت تلك الأجزاء بالغة الأهمية لحلفاء أمريكا وشركائها. ولهذا فإن الاعتقاد بأن تشدد ترامب يجعل الاتفاق معه مستحيلا لا يقل خطأ عن الاعتقاد بأن رغبته في الصفقة تجعله سهل الابتزاز، فالرجل يستطيع الانتقال بسرعة بين استخدام القوة وتقديم التنازلات لأن المعيار الذي يحكمه ليس مقدار ما كسبه في كل بند، وإنما قدرته على السيطرة على الرواية النهائية للنتيجة.
إيران تعرف كيف تقدم تنازلا محدودا بلغة كبيرة، وكيف تحول حاجة النظام للبقاء إلى مرونة تكتيكية، وترامب يعرف كيف يحصل على اتفاق ناقص ويقدمه لقاعدته الجماهيرية وسجله الشخصي على أنه انتصار تاريخي، وقد تلتقي المصلحتان أسرع مما يتوقع المتشددون في الجانبين.
قد تستطيع إيران أن تمنح ترامب انتصارا في العنوان وتأخذ منه الكثير في التفاصيل، وقد يستطيع ترامب أن يقدم تنازلات حقيقية ثم يقنع أنصاره بأنه انتزع استسلاما إيرانيا. هذه مساحة واسعة لصناعة الصفقة، لكنها ليست بالضرورة فرصة لصناعة السلام. وفي منطقة تعلمت أن الصفقات الكبرى لا يدفع أثمانها من يوقعونها وحدهم، فإن السؤال الأهم ليس من سينتصر في المواجهة الأمريكية الإيرانية، وإنما ما الذي سيبقى للآخرين بعد أن يعلن الطرفان أنهما انتصرا، وتضع الأزمة أوزارها.