شهد السوق السعودي خلال السنوات الأخيرة توسعًا لافتًا في عمليات الطرح والإدراج، وهو تطور صحي يعكس عمق السوق ونضجه وتزايد دوره في تمويل نمو القطاع الخاص. ومع ذلك، تظل هناك ظاهرة تستحق التوقف عندها: لماذا تنخفض أسهم بعض الشركات بعد الإدراج، وأحيانًا بنسب كبيرة، رغم أن الاكتتاب نفسه كان ناجحًا وشهد طلبًا مرتفعًا؟
والمفارقة أن بعض الطروحات التي شهدت تغطيات مؤسسية بعشرات، بل مئات المرات، لم يمنع ذلك أسهمها لاحقًا من التداول دون سعر الطرح. وهنا أعتقد أن النظر إلى عدد مرات التغطية باعتباره مقياسًا كافيًا لنجاح الطرح يحتاج إلى مراجعة؛ لأن الطلب أثناء بناء سجل الأوامر لا يعكس بالضرورة حجم الطلب الاستثماري طويل الأجل على السهم بعد الإدراج. فالمستثمر الذي يسعى للحصول على تخصيص في اكتتاب يختلف في دوافعه عن المستثمر الذي يشتري السهم بعد إدراجه ويقرر الاحتفاظ به لسنوات.
الإجابة التقليدية عن انخفاض بعض الأسهم بعد الطرح تذهب غالبًا إلى ظروف السوق والسيولة وتوقيت الإدراج، أو إلى أن الشركة طُرحت عند تقييم مرتفع. وكلها أسباب منطقية ومؤثرة بلا شك، لكنني أعتقد أن المسألة أوسع من ذلك. فتسعير الطرح نفسه يحتاج إلى توازن دقيق بين مصلحة الملاك الحاليين، والقيمة العادلة للشركة، والعائد الذي يمكن أن يتوقعه المستثمر الجديد مقابل المخاطر التي يتحملها.
ليس بالضرورة أن يكون أعلى تقييم يستطيع السوق استيعابه أثناء الاكتتاب هو أفضل تقييم يمكن للشركة أن تدخل به السوق. قد تستطيع الشركة ومستشاروها تبرير السعر من خلال مضاعفة الشركات المقارنة أو توقعات النمو والتدفقات النقدية المستقبلية، لكن جزءًا كبيرًا من هذه التوقعات لم يتحقق بعد. وإذا تم تحميل سعر الطرح بمعظم القيمة المستقبلية المتوقعة، فإن المستثمر الجديد يدخل بسعر يعكس النجاح المتوقع مقدمًا، بينما يتحمل وحده تقريبًا مخاطر عدم تحقق هذا النجاح.
ومن هنا أرى أن نجاح المستشار المالي لا ينبغي أن يُقاس فقط بقدرته على الوصول إلى أعلى تقييم أو تحقيق أكبر تغطية ممكنة. هناك مسؤولية أخرى لا تقل أهمية، وهي الوصول إلى تسعير يستطيع السوق الدفاع عنه بعد الإدراج، ويحقق للمساهم الحالي قيمة عادلة، وفي الوقت نفسه يترك للمستثمر الجديد مساحة معقولة للعائد.
كما أن نوعية المستثمرين في تقديري أهم كثيرًا من الرقم المجرد للتغطية. فهناك فارق بين قاعدة ملكية تتكون من مستثمرين مؤسسيين ينظرون إلى الشركة كاستثمار لسنوات، وبين سيولة تدخل الطرح بحثًا عن مكاسب مرتبطة بالإدراج ثم تبدأ في الخروج بمجرد تغير ظروف السوق أو عدم تحقق الارتفاع المتوقع في الأيام الأولى.
ولهذا فإن جذب الاستثمار المؤسسي والأجنبي طويل الأجل يجب ألا يكون مجرد جزء من عملية التسويق للطرح، بل جزءًا من إستراتيجية الملكية بعد الإدراج. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: كم مرة تمت تغطية الاكتتاب؟ وإنما من اشترى؟ ولماذا اشترى؟ وكم من هؤلاء المستثمرين يرى في الشركة فرصة استثمارية لثلاث أو خمس سنوات؟
لكن حتى إذا افترضنا أن التسعير كان عادلًا، وأن قاعدة المستثمرين كانت جيدة، فإن ذلك لا يفسر وحده لماذا تفقد بعض الشركات جزءًا من زخمها بعد الإدراج.
في تقديري، هناك جانب آخر ربما يكون أكثر أهمية، وهو ما يحدث داخل الشركة نفسها خلال السنوات والأشهر التي تسبق الطرح.
بعيدًا عن التسعير وحجم التغطية وظروف السوق، هناك جانب آخر أراه أكثر أهمية: ماذا يحدث داخل الشركة نفسها وهي تستعد للطرح؟
فالشركة التي وصلت إلى هذه المرحلة لم تصل إليها بالمصادفة. وراء نموها سنوات من المعرفة بالسوق، وقيادات عاشت تفاصيل النشاط، وعلاقات مع العملاء والموردين، وثقافة عمل، وسرعة في اتخاذ القرار، ونموذج تشغيلي تطور مع الوقت واستطاع أن يحقق النمو والربحية التي جعلتها مؤهلة أصلًا لدخول السوق.
ومع بدء الاستعداد للطرح، تدخل الشركة مرحلة مختلفة بطبيعة الحال. يظهر المستشار المالي والقانوني والمحاسبي، وتبدأ إعادة الهيكلة، وتطوير الحوكمة، وتشكيل اللجان، وإعادة صياغة السياسات والصلاحيات، ورفع مستوى الإفصاح والرقابة وإدارة المخاطر. وكل ذلك ضروري للانتقال من شركة مغلقة إلى شركة مدرجة.
لكن المشكلة في رأيي تبدأ عندما لا نكتفي بتطوير الشركة، وإنما نبدأ في إعادة تشكيلها وفق الصورة التي يعتقد المستشار أو المستثمر أن الشركة المدرجة يجب أن تكون عليها، حتى لو لم تكن هذه الصورة هي الأنسب لطبيعة النشاط الذي صنع نجاحها.
فنجد أحيانًا أن الهيكل التنظيمي يتوسع بصورة كبيرة قبل الطرح، وتزداد المستويات الإدارية، وتظهر إدارات ومناصب جديدة لأن وجودها يتناسب مع الصورة التنظيمية المتوقعة لشركة مدرجة، وليس لأن حجم العمل الفعلي يتطلبها. ومع الوقت تبدأ التكلفة الإدارية في الارتفاع، وتتداخل بعض الاختصاصات، وتزداد المسافات بين متخذ القرار وبين النشاط، وقد تصبح قرارات كانت تُتخذ بكفاءة وسرعة بحاجة إلى المرور عبر مستويات متعددة.
وأنا لا أرى أن كبر الهيكل التنظيمي دليل على قوة الشركة، كما أن كثرة المناصب التنفيذية ليست دليلًا على جودة الإدارة. الهيكل الجيّد هو الذي يخدم النشاط والإستراتيجية وحجم الشركة، ويحدد المسؤوليات بوضوح، ويحقق الرقابة المطلوبة دون أن يضيف تكلفة وتعقيدًا لا يقابلهما أثر حقيقي في الأداء.
الأمر نفسه ينطبق على القيادات. فمن الطبيعي أن تحتاج الشركة في هذه المرحلة إلى كفاءات جديدة لديها خبرة في الشركات المدرجة والحوكمة والمالية والمخاطر والامتثال وعلاقات المستثمرين. لكن الخطأ، في تقديري، أن يتم التعامل مع هذه الخبرات باعتبارها بديلًا عن الأشخاص الذين بنوا النشاط ويعرفون تفاصيله.
هناك خبرة تتكون عبر سنوات ولا تظهر بالكامل في السيرة الذاتية: معرفة السوق، والعملاء، والمنافسين، وطبيعة العقود، ومصادر الربحية، وأسباب خسارة مشروع ونجاح آخر، وكيف تتحرك الشركة عندما يواجه النشاط أزمة أو فرصة. ولذلك فإن الخبرة الجديدة يجب أن تُضاف إلى الخبرة التي صنعت نجاح الشركة، لا أن تحل محلها.
وينطبق المنطق نفسه على السياسات واللوائح. الالتزام بمتطلبات هيئة السوق المالية وحماية حقوق المستثمرين ورفع مستوى الإفصاح والرقابة أمور لا خلاف عليها، وهي ضرورية لتطور السوق والشركات. لكن هناك فرقًا بين أن نبني سياسات تحقق المتطلبات التنظيمية وفي الوقت نفسه تتناسب مع طبيعة الشركة، وبين أن نعيد تصميم دورة العمل بالكامل فقط لكي تتوافق مع نموذج معياري لا يراعي بالضرورة حجم النشاط أو طريقة تشغيله.
الحوكمة في النهاية ليست عدد السياسات ولا حجم دليل الصلاحيات، وإنما جودة القرار، ووضوح المسؤولية، وقدرة الشركة على إدارة مخاطرها وحماية حقوق مساهميها دون أن تفقد قدرتها على الحركة والنمو.
إذا كانت إعادة الهيكلة والقيادات والسياسات تمثل جانبًا مهمًا من استعداد الشركة للطرح، فهناك جانب آخر لا يقل تأثيرًا يتعلق بمن سيقود الشركة ويراقبها ويمثلها بعد أن تصبح شركة مدرجة. وهنا أرى أن النقاش يجب ألا يتوقف عند استيفاء المتطلبات التنظيمية، بل يمتد إلى مدى ملاءمة التغييرات لطبيعة الشركة وإستراتيجيتها والمرحلة التي تمر بها.
يظهر ذلك بوضوح في تشكيل مجلس الإدارة. فالاستقلالية والتنوع والخبرة عناصر أساسية في الحوكمة الرشيدة، ومن الطبيعي أن تتغير تركيبة المجلس مع الانتقال إلى شركة مدرجة. لكن الخطأ، في تقديري، أن يصبح الهدف هو تكوين مجلس يبدو مناسبًا أمام المستثمرين أكثر من كونه مجلسًا مناسبًا للشركة نفسها. قوة المجلس لا تُقاس فقط بالأسماء أو بالسير الذاتية أو بالجهات التي عمل بها أعضاؤه، وإنما بقدرته على فهم نموذج الأعمال، وطبيعة القطاع، ومصادر النمو والمخاطر، وتوجيه الإستراتيجية، ومساءلة الإدارة التنفيذية وحماية مصالح جميع المساهمين.
ولهذا أرى أن الشركة تحتاج في هذه المرحلة إلى التوازن، لا إلى الاستبدال. فإضافة أعضاء مستقلين وخبرات جديدة أمر مهم، لكن الحفاظ على المعرفة المتراكمة داخل الشركة وقطاعها لا يقل أهمية. المجلس الذي يفتقد فهم تاريخ الشركة وأسباب نجاحها قد يمتلك خبرات ممتازة في الحوكمة والاستثمار، لكنه يظل في حاجة إلى وقت طويل حتى يفهم ما يعرفه من عاش النشاط لسنوات.
وينطبق الأمر نفسه على القيادات التي تمثل الشركة أمام المستثمرين والسوق. ففي بعض عمليات الطرح يحدث ميل إلى تقديم الأشخاص الذين تتوافق خبراتهم وطريقة طرحهم مع الصورة التي يتوقع المستثمر أن يراها، حتى يصبح من يمثل الشركة أمام السوق أقرب إلى رؤية المستثمر عنها من رؤية الشركة نفسها. وهذه في رأيي نقطة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
فالمستثمر المؤسسي المحترف لا يحتاج إلى شركة تقدم له صورة مثالية، وإنما إلى إدارة تعرف نشاطها فعلًا، وتستطيع أن تشرح بوضوح كيف تحقق الشركة إيراداتها وأرباحها، وما مصادر نموها، وأين توجد مخاطرها، وما الذي تستطيع تنفيذه فعلًا وما الذي لا تستطيع. فالمصداقية هنا أهم من جودة العرض، ومعرفة النشاط أهم من القدرة على تقديمه.
ثم نصل إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في بعض الطروحات: تخارج الملاك وأين تذهب حصيلة الطرح.
تخارج المساهم حق مشروع، ولا أرى أن بيع جزء من ملكيته يمثل مشكلة في حد ذاته. لكن هناك فرقًا اقتصاديًا كبيرًا بين طرح تدخل من خلاله أموال جديدة إلى الشركة لتمويل التوسع والاستثمار والاستحواذ ورأس المال العامل، وبين طرح يذهب الجزء الأكبر من حصيلته إلى مساهمين بائعين بينما لا تحصل الشركة نفسها إلا على قدر محدود -أو لا تحصل- على سيولة جديدة.
وهنا يصبح السؤال مهمًا، خصوصًا عندما تقدم الشركة إلى السوق باعتبارها شركة في مرحلة نمو ولديها فرص توسع كبيرة: إذا كان المستثمر الجديد يدخل لتمويل مستقبل هذه القصة الاستثمارية، فما الذي حصلت عليه الشركة نفسها من عملية الطرح حتى تستطيع تنفيذ هذا المستقبل؟
لا يعني ذلك أن كل طرح يجب أن يكون إصدارًا أوليًا بالكامل، ولا أن تخارج الملاك أمر سلبي، وإنما المسألة في التوازن بين حق المالك في تحقيق السيولة وبين مصلحة الشركة في الاستفادة من دخولها إلى سوق رأس المال. فالطرح الذي يحقق للمساهمين سيولة ويمنح الشركة في الوقت نفسه قوة مالية إضافية يختلف في أثره طويل الأجل عن طرح تتحقق فيه السيولة خارج الشركة فقط.
ومع انتهاء الطرح وبدء التداول، تتغير المعادلة. تنتهي مرحلة بناء سجل الأوامر وأرقام التغطية، ويصبح المستثمر أمام شركة مدرجة يستطيع أن يقارن بين ما قُدم له قبل الطرح وبين ما يتحقق فعليًا بعده. وهنا، في تقديري، يبدأ الاختبار الحقيقي.
فبعد الإدراج تصبح الإيرادات والربحية والتدفقات النقدية ونمو النشاط وكفاءة استخدام رأس المال هي التي تحدد نظرة السوق إلى الشركة. وقد تحقق الشركة نموًا جيدًا، لكن السوق لا يراه كافيًا إذا كان تقييم الطرح قد افترض مسبقًا معدلات نمو أعلى. ولهذا ليس المهم فقط أن يكون سعر الطرح قابلًا للتبرير وقت الاكتتاب، وإنما أن تستطيع الشركة لاحقًا تحقيق الأداء الذي يدافع عن هذا التقييم.
لكن التحدي لا يتوقف عند النتائج المالية. فالشركة التي كانت تتخذ قراراتها وفق ما تراه مناسبًا لنموها خلال ثلاث أو خمس سنوات أصبحت الآن تحت متابعة مستمرة من المستثمرين والمحللين، وأمام نتائج تقاس كل ثلاثة أشهر. وهنا تظهر مخاطرة جديدة: أن تتحول إدارة توقعات السوق إلى أولوية تسبق إدارة الشركة نفسها.
قد يصبح القرار الذي يحسن نتيجة الربع القادم أكثر جاذبية من استثمار يحتاج إلى عامين أو ثلاثة حتى تظهر ثماره، رغم أن الأخير قد يكون أكثر أهمية لمستقبل الشركة. ولهذا فإن أحد أهم اختبارات الإدارة ومجلس الإدارة بعد الطرح هو الحفاظ على التوازن بين متطلبات السوق والمساهمين، وبين القرارات التي تصنع قيمة حقيقية على المدى الطويل.
فالسوق من حقه أن يقيم الشركة، والإدارة من واجبها أن تتواصل معه بشفافية، لكن الشركة لا ينبغي أن تسمح لتحركات سعر السهم قصيرة الأجل بأن تعيد صياغة إستراتيجيتها.
الهدف ليس إدارة سعر السهم، وإنما إدارة الشركة بطريقة تجعل قيمة السهم انعكاسًا لأدائها.
ولهذا أعتقد أن الحكم الحقيقي على نجاح الطرح يحتاج إلى وقت. بعد عامين أو ثلاثة تصبح الأسئلة مختلفة: هل استمرت الإيرادات في النمو؟ هل حافظت الشركة على ربحيتها وهوامشها؟ هل تحولت الأرباح إلى تدفقات نقدية؟ هل استفادت من الأموال التي دخلت إليها؟ هل أصبحت الحوكمة أكثر فاعلية؟ وهل حافظت على الخبرات والقدرات التي أوصلتها إلى السوق من الأساس؟
وهناك أيضًا المستثمر الذي دخل عند الطرح. فنجاح الملاك في تحقيق تقييم جيد، ونجاح المستشارين في إتمام العملية، ونجاح الشركة في الإدراج، لا تكتمل في تقديري إذا لم يستطع المستثمر الجديد أن يشارك في القيمة التي تحققها الشركة بعد ذلك.
ومن هنا أرى أن الطرح ليس غاية في حد ذاته، وإنما مرحلة يفترض أن تجعل الشركة أقوى ماليًا، وأكثر حوكمة وشفافية، وأقدر على النمو، دون أن تفقد في الطريق ما صنع نجاحها من البداية.
ولهذا لا أرى أن السؤال الحقيقي هو فقط: هل نجح الاكتتاب؟
السؤال الأهم هو: ماذا أصبحت عليه الشركة بعد الطرح؟
هل أصبحت أكثر قدرة على صناعة القيمة، أم أن نجاح عملية الإدراج جاء على حساب بعض عناصر قوتها؟
وفي تقديري، هنا تحديدًا يكمن الفارق بين شركة نجحت في الطرح، وشركة نجح الطرح في جعلها أفضل.
** **
- د. إسماعيل إبراهيم