أحمد آدم
حين تعلن العواصم الكبرى عن «يوم الحسم» في الحروب المالية، فإن العبرة ليست بضخامة البيانات الصحفية ولا بقوائم الحظر المتطايرة، بل بالقدرة على تحمل كلفة الصدمة العكسية. إن الإعلان الأمريكي عن «عملية المنبوذ الاقتصادي» ضد طهران يمثل رمية نرد في سباق محتدم مع الوقت؛ حيث تراهن واشنطن على إنهاك الداخل الإيراني، بينما تراهن طهران وحلفاؤها في بكين على هشاشة الأسواق الأمريكية ونفاد الذخيرة النفطية لترامب قبيل الاستحقاقات الانتخابية. إنه السباق الأخير: إما أن يُستدرج الخصم لصفقة خاضعة، أو أن ينقلب السحر على الساحر.
أولا: إنزال نورماندي بدأ
الرئيس دونالد ترامب ووزير خزانته سكوت بيسنت؛ روجا للحزمة الاقتصادية للعقوبات الاقتصادية قبل إعلانها بأيام تحت مصطلح «الإنزال الاقتصادي» أو «يوم الحسم الاقتصادي» تشبيهًا بإنزال النورماندي الشهير عام 1944 الذي غيّر مجرى الحرب العالمية الثانية.
1 - إعلان العقوبات الأمريكية
أعلنت الولايات المتحدة رسميًا (مساء الاثنين 24 أغسطس) عن حزمة عقوبات اقتصادية ضد إيران، وصفتها الإدارة الأمريكية بأنها أكبر حرب مالية على الإطلاق يتم شنها ضد خصم. أطلقت وزارة الخزانة الأمريكية بتوجيهات من الرئيس دونالد ترامب على هذه الحملة اسم «عملية المنبوذ الاقتصادي» أو يوم النصر الاقتصادي بهدف خنق النظام الإيراني اقتصاديًا بالكامل.
تفاصيل الحزمة الجديدة تشمل الآتي:
أ - استهداف 5 قطاعات حيوية: تم توسيع العقوبات الثانوية لتشمل مجالات (الأصول الرقمية/ العملات المشفرة، التكنولوجيا، الذهب، الطيران، والشحن البحري).
ب - قائمة الكيانات والأفراد: فرض عقوبات مباشرة على نحو 60 كيانًا وشخصًا وسفينة مرتبطة بإيران، بما يشمل «أسطول الظل» الإيراني المنتشر في عدة دول مثل الصين وهونج كونج وسويسرا وسنغافورة.. وغيرها.
جـ - قطع القنوات المالية: تعليق التراخيص العامة التي كانت تسمح ببعض التحويلات المالية إلى طهران لمنعها تمامًا من استخدام النظام المالي القائم على الدولار.
د - إنذار نهائي للشركاء التجاريين: وجّه وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، تحذيرًا شديد اللهجة للدول والشركات التي تواصل التعامل التجاري مع إيران (وعلى رأسها الصين)، مهددًا إياها بعقوبات ثانوية وعزل كامل عن النظام المالي العالمي إن لم تقطع علاقاتها فورًا.
العقوبات الأمريكية الصادرة تعتمد على مهلة زمنية وآليات تنفيذية ستبدأ وزارة الخزانة عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC بالإعلان عن تفاصيلها القانونية تباعًا.
2 - الخطوات التنفيذية للعقوبات لم تعلن بعد
ما تم إعلانه في المؤتمر الصحفي لوزير الخزانة «سكوت بيسنت» هو الإطار الإستراتيجي العام والمستهدفات الرئيسة لعملية «المنبوذ الاقتصادي» أما الأجزاء «غير المعلنة» أو التي تحتاج لخطوات تنفيذية وتشريعية قادمة فتشمل:
أ - المهلة الزمنية المحددة: صرح وزير الخزانة بأن هناك جدولًا زمنيًا محددًا ومؤقتًا مُمنحًا للدول والشركات لإنهاء أعمالها وتصفية أنشطتها المرتبطة بإيران. هذه المهل المعروفة بـ Wind-down periods تُحدد عادةً عبر تراخيص عامة تصدرها وزارة الخزانة لاحقًا وتتراوح بين 30 إلى 180 يومًا حسب القطاع.
ب - تحديد الكيانات المستهدفة بالاسم: رغم الإعلان عن استهداف قطاعات كاملة (كالذهب، الأصول الرقمية، والطيران)، إلا أن اللوائح التفصيلية الدقيقة بأسماء الشركات والبنوك الدولية التي ستُحظر ستصدر تباعًا. وبيّن الوزير صراحةً أن مؤسسة مالية كبرى (لم يُسمّها) ستتعرض لعقوبات قاسية.
جـ - الأوامر التنفيذية والتشريعات الموازية: الإدارة الأمريكية تتحرك بالتوازي بين قرارات رئاسية فورية وقوانين يمررها الكونجرس (مثل قانون ليندسي غراهام لمعاقبة روسيا وإيران لعام 2026 الذي يناقشه المشرعون حاليًا) لتثبيت هذه العقوبات قانونيًا لفترات طويلة.
الإعلان كان بمثابة «بدء العد التنازلي»، واللائحة التنفيذية والتعليمات التفسيرية هي التي ستحدد بدقة كيف ستُجبر أمريكا البنوك والشركات العالمية على الامتثال.
3 - جوهر الإستراتيجية الحالية لإدارة ترامب
المسألة ليست مجرد رغبة في التدمير الاقتصادي، بل هي أداة ضغط قصوى لإجبار الخصوم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط واشنطن. وهناك عدة مؤشرات واقعية لا بد من أخذها في الاعتبار:
أ - تجنب الصدام المباشر مع الصين: الولايات المتحدة تعي تمامًا أن فرض عقوبات شاملة وفورية على كبرى البنوك الصينية قد يؤدي إلى هزة في النظام المالي العالمي أو حرب تجارية شاملة لا يريدها ترامب الآن. لذلك، فإن إستراتيجية «التقطير» والإعلان عن العقوبات تباعًا (كالوعيد بفرض عقوبة على مؤسسة مالية كبرى) هي بمثابة «تحذير أخير» لبكين. الرسالة الأمريكية واضحة: اضغطوا على طهران لتقديم تنازلات، وإلا سنضطر لقطع مبيعات النفط الإيراني لكم وتدفع شركاتكم الثمن.
ب - البحث عن انتصار دبلوماسي سريع: ترامب رجل صفقات بالدرجة الأولى، والهدف النهائي لـ «عملية المنبوذ الاقتصادي» ليس الحرب العسكرية، بل إجبار إيران على توقيع اتفاق جديد يشمل شروطًا صارمة (تتعلق بالبرنامج النووي، الصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي). هذا الاتفاق، إن حدث، سيصوره ترامب كـ «انتصار دبلوماسي تاريخي» يبرر به سحب القوات الأمريكية من المنطقة وإغلاق هذا الملف المعقد.
إذن، نحن أمام سباق مع الزمن: ترامب يريد انتصارًا سريعًا ومكتملًا قبل الانتخابات ليعزز موقف حزبه.
ثانيا: ردود فعل اقتصادية فور صدور القرارات
تفاعلت الأسواق المالية والبورصات العالمية فورًا مع إعلان حزمة العقوبات إلا أن سلوك المستثمرين جاء متباينًا ومحسوبًا، حيث بدأت الأسواق بامتصاص الصدمة وتفنيد حجم المخاطر الجيوسياسية على النحو التالي:
1 - أسواق النفط: تراجع هادئ بعد موجة صعود
على عكس المتوقع عند فرض عقوبات على دولة نفطية، شهدت أسعار النفط تراجعًا طفيفًا بنسبة تتراوح بين 1 في المائة إلى 1.7 في المائة.
- خام برنت: هبط ليتداول حول مستويات 92.76 الى 93.50 دولار للبرميل بعد أن سجل مكاسب لست جلسات متتالية مؤخرًا.
- خام غرب تكساس: تراجع إلى حدود 85.29 دولار للبرميل.
هذا التراجع يعود إلى عمليات «جني أرباح» سريعة من قِبل المتداولين الذين كانوا قد سعروا مخاطر العقوبات مسبقًا خلال الأسبوعين الماضيين، بجانب البيانات التي تظهر أن الحصار البحري الأمريكي المفروض بالفعل خفّض صادرات إيران النفطية بنسبة 90 في المائة خلال أغسطس، مما يعني أن السوق استوعب غياب النفط الإيراني ولم تحدث صدمة إمدادات مفاجئة.
2 - الأسواق والبورصات الأمريكية (وول ستريت)
افتتحت المؤشرات الأمريكية تعاملات الأسبوع بأداء متباين ويميل إلى الانخفاض الطفيف نتيجة الضبابية والترقب:
- مؤشر SالجزيرةP 500 ومؤشر نادساك: سجلا تراجعًا طفيفًا بنسبة 0.2 في المائة و0.4 في المائة على التوالي.
- قطاع أشباه الموصلات والتكنولوجيا: كان الخاسر الأكبر؛ حيث قادت شركة القطاع الهبوط. المستثمرون يخشون من أن يؤدي التوتر مع الصين (بسبب عقوبات الشركات الـ 60) إلى تعقيد سلاسل الإمداد التكنولوجية، خاصة مع ترقب الأسواق لنتائج أرباح إنفيديا.
- مؤشر داو جونز: خالف الاتجاه مرتفعًا بدعم من قطاعات دفاعية مثل الرعاية الصحية والمواد الأساسية.
3 - الملاذات الآمنة والعملات المشفرة
- الذهب: ارتفع الذهب الفوري بنسبة 1 في المائة ليصل إلى 4,648 دولار للأونصة مقتربًا من أعلى مستوياته في ثلاثة أشهر، مدفوعًا بزيادة الطلب عليه كملاذ آمن ضد التوترات السياسية.
- السندات الأمريكية: تراجعت عوائد السندات لأجل 10 سنوات بشكل طفيف لتوفر بعض الارتياح للأسواق بعد إعلان تفاصيل العقوبات واكتفاء واشنطن بالحل المالي بدلًا من التصعيد العسكري الفوري.
الأسواق لم تصب بالذعر الشديد لأن «السيناريو الأسوأ» وهو المواجهة العسكرية المباشرة في مضيق هرمز تم تجنبه لصالح «حرب المستندات والعقوبات المالية».
ثالثا: ردود أفعال إيران والصين
1 - إيران
بدعم ومظلة من حلفائها الإستراتيجيين (روسيا والصين)، الرد الإيراني، لن يكون عسكريًا مباشرًا لتجنب الحرب الشاملة، بل سيركز على إستراتيجية «الإيلام الاقتصادي والسياسي» واستهداف نقاط ضعف إدارة ترامب. وأبرز الإجراءات العقابية والالتفافية المضادة المتوقع اتخاذها لمواجهة واشنطن:
- التحكم غير المعلن في التدفقات عبر مضيق هرمز: بدلًا من إغلاق المضيق عسكريًا (وهو ما قد يشعل حربًا)، يمكن لإيران إبطاء حركة ناقلات النفط المتجهة إلى الغرب عبر «إجراءات تفتيش أمنية ومناورات مفاجئة». هذا التضييق يكفي لرفع أسعار النفط عالميًا فوق مستويات 100 دولار للبرميل، مما يضرب الاقتصاد الأمريكي مباشرة المستنزف في احتياطياته الإستراتيجية.
- تصدير التضخم لترامب: منع النفط الإيراني من السوق سيعجل بانفجار أسعار الوقود داخل أمريكا، وهو العقاب السياسي الأقسى لترامب قبل انتخابات التجديد النصفي.
- الحرب السيبرانية واستهداف البنى التحتية: تمتلك إيران قدرات سيبرانية هجومية متطورة، وقد يشمل الرد العقابي شن هجمات فدية مكثفة وشديدة التعقيد تستهدف القطاعات الحيوية الأمريكية مثل: المصارف، شبكات الكهرباء، وشركات الطاقة، لزعزعة الاستقرار الداخلي وإشغال الإدارة الأمريكية بالأمن الداخلي.
- الرد الجيوسياسي.. تسريع البرنامج النووي: الرد الفني والأخطر لطهران سيكون الإعلان عن زيادة نسب تخصيب اليورانيوم لتصل إلى 90 في المائة، والتلويح بالانسحاب الكامل من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. هذا الإجراء يمثل «عقابًا دبلوماسيًا» يضع إدارة ترامب أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاعتراف بإيران كدولة نووية أو الانزلاق لحرب إقليمية مدمرة لا يريدها الناخب الأمريكي.
2 - الصين
هناك ردود أفعال سريعة ظهرت من الصين فور اعلان العقوبات بخلاف الأوراق التي تمتلكها الصين أمام العقوبات الامريكية.
أ - رد الفعل الصيني
وقد ظهر رد الفعل الصيني الأولي بعد إعلان العقوبات مباشرة وكان سريعًا وحازمًا ومستعدًا للمواجهة التشريعية. بكين لم تنتظر؛ بل أصدرت وزارة الخارجية الصينية، على لسان المتحدث باسمها لين جيان، بيانًا رسميًا استباقيًا تزامنًا مع الإعلان الأمريكي عن حزمة العقوبات التي أطلقت عليها إدارة ترامب أيضًا اسم «يوم الحسم الاقتصادي». وقد تركز الموقف الصيني الحالي حول النقاط الأساسية التالية:
- الرفض القاطع للعقوبات الأحادية: أكدت الصين أنها ترفض تمامًا العقوبات الأمريكية أحادية الجانب التي لا تستند إلى القوانين الدولية أو قرارات مجلس الأمن، واصفة أساليب الضغط الأمريكية بأنها «لا تسهم في حل المشكلات بل تؤدي إلى تصعيد الأزمات».
- التعهد بحماية المصالح الصينية: أعلنت بكين صراحة أنها ستتخذ كافة الإجراءات اللازمة والخطوات الضرورية لحماية حقوقها ومصالحها المشروعة وحماية شركاتها وبنوكها من أي تغول أمريكي.
- الدعوة لضبط النفس: حثت الخارجية الصينية إدارة ترامب وجميع الأطراف على التصرف بعقلانية والعودة لمسار التسوية السياسية عبر الحوار.
والأيام القليلة القادمة ستكشف «اللعب العنيف» تحت الطاولة لعدة أسباب رئيسة:
- دخول شركات صينية في القائمة السوداء فورًا: أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على 60 كيانًا تشمل شركات صينية وفي هونج كونج متهمة بمساعدة إيران في «أسطول الظل» وتهريب النفط. وستدرس بكين طبيعة هذه الشركات وحجمها لترتيب الرد.
- اختبار «المليار دولار والبنك الكبير»: هدد وزير الخزانة الأمريكي بمعاقبة مؤسسة مالية كبرى. إذا كان هذا البنك صينيًا، فإن المستقبل القريب سيشهد رد فعل جاف من المصرف المركزي الصيني أو وزارة التجارة، والأسواق المالية تترقب ذلك بحذر.
- معادلة النفط والقمة المرتقبة: الصين تشتري جزءًا ضخمًا من النفط الإيراني. الاختبار الحقيقي هو هل ستعلن بكين عن آلية دفع بديلة باليوان للالتفاف على الدولار، خاصة وأن هذه التوترات تأتي قبل أسابيع قليلة من قمة ثنائية مرتقبة بين شي جين بينغ ودونالد ترامب في واشنطن.
بكين حاليًا تضع خطوطها الحمراء: لن تضحي بعلاقتها الإستراتيجية مع إيران تحت التهديد، لكنها في نفس الوقت ستحاول إدارة الصراع بذكاء قانوني واقتصادي لمنع انهيار الهدنة التجارية الهشة مع ترامب.
ب - أوراق ضغط تمتلكها بكين
الصين لن تكتفي بالبيانات الدبلوماسية؛ فقد قامت بكين طوال الأشهر الماضية ببناء «ترسانة قانونية واقتصادية هجومية» صُممت خصيصًا لضرب فكرة «العقوبات الأمريكية عابرة الحدود».
إذا قرر ترامب تفعيل «يوم الحسم الاقتصادي» واستهداف الشركات والبنوك الصينية الكبرى التي تشتري النفط الإيراني، فإن الإجراءات العقابية والردود المضادة من جانب الصين ستتحرك عبر 4 مسارات رئيسة وقاتلة للاقتصاد الأمريكي:
سلاح «أوامر الحجب» والدرع القانوني
تمتلك الصين ترسانة قانونية حديثة مثل قانون مناهضة العقوبات الأجنبية ولائحة «مكافحة الولاية القضائية الأجنبية غير المبررة» الصادرة هذا العام.
- تصفير مفعول العقوبات الأمريكية: وزارة التجارة الصينية ستصدر فورًا «أوامر حجب» رسمية (كما فعلت مؤخرًا مع مصافي النفط الصغيرة» هذا الأمر القضائي يمنع قانونًا أي شركة أو بنك داخل الصين من الامتثال للعقوبات الأمريكية.
- مقاضاة الشركات الأمريكية: يتيح القانون الصيني للشركات المتضررة رفع قضايا أمام المحاكم الصينية لمصادرة أصول الشركات الأمريكية داخل الصين كتعويض عن أي خسائر تسبب فيها الامتثال لعقوبات واشنطن.
- سلاح «المعادن الحرجـة» وأشباه الموصلات (الضربة الموجعة لتكنولوجيا أمريكا).
هذا هو الخيار الأكثر إيلامًا لترامب؛ فالصين تسيطر على أكثر من 70 في المائة من سلاسل التوريد العالمية للمعادن الأرضية النادرة والنادرة جدًا (مثل الجاليوم، الجرمانيوم، والغرافيت) الضرورية لصناعات الهواتف، والسيارات الكهربائية، والرقائق الإلكترونية، والصناعات العسكرية الأمريكية.
- فرض حظر تصدير مضاد: قد ترد الصين بتفعيل قانون مراقبة الصادرات وتشديد القيود أو منع تصدير هذه المعادن الحيوية إلى الولايات المتحدة. هذا الإجراء كفيل بشل قطاع التكنولوجيا الأمريكي (وول ستريت) ورفع كلفة الإنتاج لمستويات قياسية.
- قائمة الكيانات غير الموثوقة: إدراج شركات تكنولوجيا أو دفاع أمريكية كبرى على القائمة السوداء الصينية ومنعها من العمل أو الاستثمار أو التوريد من الصين.
تسريع «اليوان الرقمي» وبنوك الظل (عزل الدولار)
الصين لن تسمح بقطع بنوكها الكبرى عن نظام «سويفت» والدولار بسهولة، لكنها ستقوم بنقل كافة المعاملات النفطية مع إيران إلى مصارف صينية صغيرة متخصصة (بنوك ليس لها أي أصول أو تعاملات مع أمريكا)، وبالتالي لا يمكن لواشنطن إيذاؤها. توسيع نظام الدفع الصيني: ستجبر بكين شركاءها على تسوية مبيعات الطاقة عبر اليوان الصيني، مما يوجه ضربة هيكلية طويلة الأجل لهيمنة الدولار كعملة احتياط عالمية ويمهد الطريق لاقتصاد عالمي ثنائي القطب.
ورقة الضغط السياسي (قمة شي - ترامب المرتقبة)
تأتي هذه العقوبات قبل أسابيع قليلة من قمة ثنائية مرتقبة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ودونالد ترامب في واشنطن. الصين ستستخدم ملف إيران كـ «ورقة مساومة غالية الثمن»؛ الرسالة الصينية لترامب ستكون: إذا أردت هدنة تجارية واستقرارًا لأسواقك ومصانعك، عليك غض الطرف عن أسطول الظل والنفط الإيراني، وإلا سنفجر حربًا تجارية شاملة تطيح بفرص حزبك في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
الصين أصبحت تتبع إستراتيجية «العين بالعين» قانونيًا واقتصاديًا؛ وهي تدرك أن ترامب يخشى التضخم وانهيار البورصات، ولذلك ستحرص على أن تكون إجراءاتها العقابية مصممة بدقة لضرب استقرار الأسواق الأمريكية لإجبار واشنطن على التراجع والتفاوض خلف الكواليس.
رابعًا: نقطة ضعف قاتلة في الإستراتيجية
«نقطة الضعف القاتلة» في إستراتيجية ترامب، وسيناريو «انقلاب السحر على الساحر» الذي يخشاه الكثير من الاقتصاديين في واشنطن حاليًا. تدور حول (مرونة الداخل الإيراني) في مقابل (حساسية المواطن الأمريكي لأسعار الوقود) هي التحدي الأكبر لعملية «المنبوذ الاقتصادي»، وذلك بناءً على معطيات وأرقام حقيقية جارية الآن.
استنزاف الساحر: أزمة الاحتياطي الإستراتيجي الأمريكي
هنا تكمن المعضلة الأكبر لترامب. الإستراتيجية الأمريكية للسيطرة على أسعار النفط العالمية ومنعها من الانفجار بسبب الصراع مع إيران واجهت صدمة رقمية غير مسبوقة:
- مستويات تاريخية منخفضة: البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة الأمريكية أظهرت أن مخزون النفط في الاحتياطي الإستراتيجي الأمريكي هبط إلى 289.7 مليون برميل.
- أدنى مستوى منذ 1982: هذا الاستنزاف الحاد (الذي هبط بالمخزون لأدنى مستوياته منذ أكثر من 44 عامًا) جاء بعد قرار ترامب بسحب 172 مليون برميل في مارس الماضي لمحاصرة صدمة أسعار الوقود الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز ومواجهة آثار الحرب المستمرة منذ أشهر.
- نفاد الذخيرة: مع وصول الاحتياطي إلى مستويات حرجة (تمثل حوالي 41 في المائة فقط من السعة الاستيعابية)، لم يعد بإمكان الإدارة الأمريكية استخدام هذه «البطاقة» لفترة طويلة. أي سحب إضافي قد يهدد الأمن القومي الأمريكي مباشرة.
انفجار المواطن الأمريكي قبل الإيراني
الرهان على أن يثور الشارع الإيراني قد يرتد عكسيًا داخل الولايات المتحدة بسبب «معادلة الجالون والانتخابات»:
- التضخم وأسعار الوقود: المواطن الأمريكي حساس جدًا لأسعار البنزين في المحطات (والتي تبلغ حاليًا مستويات مرتفعة بمتوسط 4.08 دولار للجالون). ارتفاع أسعار النفط مجددًا نتيجة تعنت الصراع وعدم قدرة أمريكا على التدخل بالمخزونات سيؤدي إلى موجة تضخم جديدة تضرب معيشة الأمريكيين.
- الارتداد السياسي (البطة العرجاء): شعبيّة ترامب تراجعت مؤخرًا في استطلاعات الرأي نتيجة عبء أسعار الوقود. إذا استمرت الأسعار في الارتفاع مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، فإن المواطن الأمريكي هو من سينفجر انتخابيًا بوجه الحزب الجمهوري، مما قد يفقد ترامب أغلبيته التشريعية ويحقق بالفعل نبوءة تحوله إلى «بطة عرجاء» قبل أن يرى أي تنازل من طهران.
ترامب يخوض سباقًا يحبس فيه أنفاسه؛ فهو يعلم أن ذخيرته النفطية (الاحتياطي الإستراتيجي) أوشكت على النفاد، وأن الوقت الذي يحاول استغلاله لخنق إيران قد يصبح الحبل الذي يخنق آمال حزبه في انتخابات الكونجرس القادمة.
في النهاية: ترامب يعلم بكل سيناريوهات التبعات لعمليته الاقتصادية ولكنه ألقى بالنرد لعل الحظ يأتيه بنصره المنتظر. فهو يتوق وبشدة للجلوس في «شرفة ترومان» ببيته الأبيض ليستمع لفرانك سيناترا ويدندن معه وهو يغني مقاطعه المفضلة من أغنية «طريقي».
«نعم، كانت هناك أوقات، وأنا واثق أنكم عرفتموها.. عندما قضمتُ أكثر مما أستطيع مضغه»... «لكن على الرغم من كل ذلك، وعندما كان هناك شك.. تجرعتُ الأمر وبصقته».. «لقد واجهتُ كل شيء، ووقفت شامخًا.. وفعلتُ ذلك بطريقتي».
بعد انتهائي من الكتابة وجدتني أقول «أوه يا بيبي.. ماذا فعلت بمزاج أقوى رجل في العالم؟».