عمرو أبوالعطا
يصعب قراءة زكي نجيب محمود بوصفه فيلسوفًا فحسب، كما يصعب اختزاله في صورة الكاتب الصحفي الذي يبسّط الأفكار للقارئ العام. اجتمعت في تجربته ثلاث طاقات نادرًا ما تجتمع في كاتب واحد: صرامة التحليل الفلسفي، وحساسية الأديب، ووعي المثقف بوظيفته العامة. ومن هذا التكوين نشأ فنّه في المقالة؛ فهي عنده حشد للمعلومات، ولا تمرين لغوي مستقلا عن الفكرة، بل محاولة لتحويل السؤال العقلي إلى تجربة إنسانية قابلة للفهم والتذوق والمراجعة.
اشتهر في بداياته بالدفاع عن المنطق الوضعي والنزعة العلمية، ثم اتسعت رؤيته لتشمل التراث العربي والإسلامي وقضايا الثقافة والهوية والتحديث. لذلك جاءت المقالة التي كتبها في الأربعينيات والخمسينيات مختلفة في نبرتها ووظيفتها عن مقالته الثقافية في السبعينيات والثمانينيات. الثابت بين هذه المراحل هو منهج يقوم على الوضوح، وشجاعة في طرح السؤال، وإيمان بأن الفكر يكتمل حين يتصل بحياة الناس.
وُلد زكي نجيب محمود في قرية ميت الخولي عبد الله بمحافظة دمياط في أول فبراير سنة 1905، وعاش جانبًا من طفولته في السودان، ثم تخرّج في مدرسة المعلمين العليا سنة 1930. بدأ الكتابة عن الفلاسفة المحدثين في مجلة «الرسالة» سنة 1933، وسافر إلى إنجلترا في بعثة علمية، فنال درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة لندن سنة 1947 عن بحث في «الجبر الذاتي». بعد عودته إلى مصر عمل في قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم درّس في جامعات عربية وأمريكية، وأنشأ مجلة «الفكر المعاصر» سنة 1965. كما كتب مقاله الأسبوعي في «الأهرام» ابتداءً من سنة 1973، وحصل على جوائز مصرية وعربية، منها جائزة الدولة التقديرية في الأدب سنة 1975، وجائزة الثقافة العربية سنة 1984، وتوفي في 8 سبتمبر 1993.
هذه الوقائع تفسر تكوين صاحبها؛ فقد كان أستاذًا وباحثًا ومترجمًا ومحررًا وكاتبًا عامًا، وعرف أن الفكرة التي تبقى حبيسة القاعة الجامعية أو المصطلح المتخصص تفقد جانبًا من قدرتها على التأثير. من هنا اتجه إلى المقالة بوصفها جسرًا بين الفلسفة والحياة اليومية، ووسيلة تنقل السؤال من مجال التخصص إلى المجال العام، بحيث يصبح التفكير فعلًا مشتركًا بين الكاتب والقارئ.
المقالة جنس نثري قصير أو متوسط، يعالج موضوعًا محددًا من زاوية شخصية أو موضوعية، ويتحرك بين البحث والتأمل والحجاج والوصف. هذا التعريف العام يحتاج إلى إضافة حين يتعلق الأمر بمقالة زكي نجيب محمود؛ لأنها تتحرك في منطقة وسطى بين الفلسفة والأدب، فهو لا يتنازل عن مطلب البرهنة، لكنه يقدم البرهنة في صورة حية بعيدة عن التقرير الجامد. كما لا يترك العاطفة منفصلة عن الفكرة، ولا يحوّل المقالة إلى اعتراف وجداني خالص.
كان يميز بوضوح بين المقالة الأدبية والمقالة التعليمية. فالمقالة التعليمية غايتها شرح موضوع أو نقل معرفة، أما المقالة الأدبية فغايتها كشف الإنسان من خلال موضوعها، ومنح الفكرة شكلًا فنيًا يحمل شخصية الكاتب. وقد نُقل عنه في «حصاد السنين» أن المقالة الأدبية ينبغي أن تتناول الإنسان في جانب من طبيعته، وأن تنتظم في شكل يدبره الكاتب، وأن تحمل شخصية صاحبها في سطورها. تكشف هذه الشروط الثلاثة تصورًا متقدمًا للمقالة؛ فالموضوع لا ينفصل عن طريقة عرضه، والشكل جزء من قيمة النص، والكاتب لا يتحول إلى آلة محايدة تنقل الأفكار.
وفي كتابه «جنة العبيط» صاغ الفكرة نفسها بروح أكثر طرافة، إذ رأى أن كاتب المقالة الأدبية ينبغي أن يكون ناقمًا، على أن تكون نقمته خفيفة ممزوجة بالتفكه، وأن يكون لقارئه محدثًا لا معلمًا. والمقصود أن المقالة لا تهاجم العالم من منصة الواعظ، بل تدخل معه في حوار حي. إنها تنتقد العيب وتحافظ على متعة القراءة، وتكشف التناقض من غير أن تحاصر القارئ داخل محاضرة.
هنا تظهر صلة المقالة بمشروعه التنويري، فالتنوير عنده تدريب للعقل على التمييز بين المعقول واللامعقول، وبين ما يثبت بالدليل وما يستند إلى الوهم. ولأن هذا التدريب يحتاج إلى مخاطبة جمهور واسع، أصبحت المقالة وسيلته العملية لاختبار قدرة العقل على الانتقال من مستوى التجريد إلى مستوى الخبرة المشتركة. ومن خلال هذا الانتقال صار القارئ شريكًا في عملية التفكير، لا مجرد متلقٍ لنتائج جاهزة.
لا يمكن اختزال زكي نجيب محمود في صورة «رائد الوضعية المنطقية» فقط. صحيح أن كتبًا مثل «المنطق الوضعي» و«خرافة الميتافيزيقا» و«موقف من الميتافيزيقا» جعلته من أبرز ممثلي النزعة التحليلية والعلمية في الثقافة العربية، غير أن مساره الفكري اتسع مع مرور الزمن، وانتقل من الوضعية المنطقية بوصفها منهجًا للتنوير إلى قضايا الثقافة والتراث والهوية.
في المرحلة الأولى انصب اهتمامه على تحليل اللغة، وتحديد المفاهيم، ورفض الادعاءات التي يتعذر اختبارها أو ضبط معناها. انعكس ذلك على المقالة في عبارات دقيقة، وأسئلة متتابعة، وتعريفات للمصطلحات قبل استعمالها. كان يبدأ من كلمة شائعة مثل «الحرية» أو «العقل»، ثم يسأل عن معناها، ويفرق بين مستوياتها، ويبحث في النتائج التي تترتب على كل تعريف. بهذه الطريقة تحولت المقالة إلى عملية تفكير تجري أمام القارئ خطوة بعد خطوة.
ثم أضافت المرحلة اللاحقة سؤال الهوية والتراث. ففي «تجديد الفكر العربي» و«المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري» و«ثقافتنا في مواجهة العصر» أصبح الغرب موضوعًا للفحص بوصفه تجربة علمية وحضارية، وأصبح التراث مجالًا لإعادة القراءة والاستفادة، وكان يبحث عن صيغة تجعل الثقافة العربية قادرة على استيعاب العلم والحداثة مع الاحتفاظ بذاكرتها، واتسع اهتمامه بالتراث منذ عام 1970، جامعًا بين الثقافة العربية والتأسيس على التراث وفهمه.
أثمر هذا التحول اتساعًا في نبرة المقالة. فالمقالة الفلسفية المبكرة تميل إلى التعريف والتقسيم والتحليل، بينما تميل المقالة الثقافية المتأخرة إلى السيرة والتأمل والمقارنة واستدعاء التجربة التاريخية. ظل العقل حاضرًا، مع تغير المادة التي يعمل عليها؛ فقد صار أداة لقراءة التراث والواقع معًا، وصارت المقالة وسيلة لصناعة التوازن بين الذاكرة والمستقبل.
ومن أبرز ما يميز نثره أنه يقرّب المسافة بين الكاتب والقارئ. يستخدم ضمير المتكلم، والسؤال المباشر، والافتراض الحواري، والانتقال من «أنا» إلى «نحن». لا يكتب من موقع العارف الذي يوزع أحكامه على جمهور جاهل، بل يجعل القارئ شريكًا في اكتشاف الفكرة. وقد لخّص هذا الاتجاه حين دعا الكاتب إلى أن يكون «محدثًا لا معلمًا». الحديث هنا لا يعني ارتجالًا بلا تنظيم، بل يمثل طريقة في الإقناع تقوم على الألفة وحسن الإصغاء.
هذه الألفة لا تعني التساهل في الدقة، فالمقالة عنده ودودة في نبرتها، صارمة في منطقها. يستطيع أن يبدأ بحكاية يومية أو ملاحظة ساخرة، ثم يقود القارئ تدريجيًا إلى سؤال فلسفي، وبذلك يتحول المألوف إلى مدخل للغريب، ويتحول التجريد إلى خبرة محسوسة.
وكان شديد الحساسية تجاه الكلمات الكبيرة التي تستخدم بلا تحديد، مثل العقل والحرية والتقدم والروح والشرق والغرب، لذلك يعيد الكلمة إلى سياقها، ويحلل مستويات معناها، ثم يبني عليها حكمه، وفي مناقشته للحرية، مثلًا، يميز بين التحرر من القيد والقدرة على الفعل المنتج؛ فالإنسان لا يصبح حرًا بالمعنى الإيجابي بمجرد إزالة الموانع، بل يحتاج إلى معرفة ومهارة وغاية.
ويقوم بناؤه الفكري غالبًا على حركة ثلاثية واضحة؛ يبدأ من استعمال شائع أو رأي متداول، ثم يكشف ما فيه من غموض أو نقص، ثم يقترح صياغة أدق وأكثر نفعًا. تمنح هذه الحركة المقالة طاقة درامية؛ فالقارئ لا يتلقى نتيجة جاهزة، بل يرى الفكرة وهي تنتقل من الالتباس إلى الوضوح.
وتؤدي السخرية عنده وظيفة معرفية وأخلاقية. إنه يضحك من المفارقة لكي يكشفها، ولذلك تبدو السخرية خفيفة في ظاهرها، حادة في دلالتها. يصف صاحب الوهم أو الطغيان أو الجمود من غير أن يثقل النص بالشتائم؛ إذ يكفي أن يضع الفكرة داخل موقفها المتناقض حتى تكشف ضعفها من الداخل.
وقد لاحظ عباس محمود العقاد، في مقالته عن «جنة العبيط» سنة 1948، أن عالم هذه المقالات هو «جهنم الحصيف» الذي يعانيه الكاتب العاقل، لكنه يترجم عذابه في أسلوب يبدو مرحًا. كما رأى العقاد أن محمود مزج النقمة بالفكاهة، واختلف معه في تعميم هذا النموذج على المقالة كلها؛ لأن المقالة أنواع، وكل نوع له نظامه وخصائصه. تكشف هذه المناقشة نجاح محمود في تأسيس نبرة مميزة، كما تكشف ضرورة فهم نظريته في المقالة ضمن تعدد أشكالها.
وعلى الرغم من تكوينه الفلسفي، لا يكتفي محمود بالاستدلال المجرد، فهو يستعين بالمثال والصورة والتشبيه لتقريب المعنى. وفي تحليله للعقل، يصوره حركة انتقال من مقدمات إلى نتائج، ويقارن عمل الفكر بآلة تستخرج من المادة ما أودع فيها. وفي حديثه عن الحرية، يفرق بين طفل يخط بالقلم بلا هدف وفنان يعرف قواعد فنه؛ فكلاهما يملك أداة، لكن الفنان يملك القدرة التي تجعل الحرية إبداعًا.
وظيفة الصورة هنا تتجاوز تزيين الكلام، فهي تحول المفهوم إلى مشهد. حين يرى القارئ الطفل والفنان، يصبح الفرق بين الحرية السلبية والحرية الإيجابية محسوسًا، وهنا تلتقي الفلسفة بالأدب عنده؛ فالفكرة الجيدة تحتاج إلى صحة منطقية، وتحتاج كذلك إلى صورة تجعل حقيقتها قابلة للرؤية.
ولا يخلو نثره من التكرار، غير أن التكرار عنده غالبًا ذو وظيفة واضحة. فقد يكرر كلمة أو تركيبًا ليصنع إيقاعًا، أو يصعد الحجة، أو يضع القارئ أمام نتيجة يريد تثبيتها. ويظهر ذلك في السلاسل اللفظية التي تبدأ بعبارة واحدة ثم تتعدد تطبيقاتها.
ومن الناحية الإيقاعية، تتجاور عنده الجمل القصيرة الحاسمة مع الجمل الطويلة التحليلية. تمنح الجملة القصيرة المقالة قوة الضربة، وتتيح الجملة الطويلة تفصيل الفكرة. وبين السرعتين تتولد موسيقى نثرية لا تعتمد على الزخرفة، بل على انتظام المعنى وتغير الإيقاع.
وتساعد مقالة زكي نجيب محمود على تجاوز التقابل السهل بين الذاتية والموضوعية. فالمقالة الذاتية عنده ليست اعترافًا شخصيًا معزولًا، والمقالة الموضوعية لا تعني غياب الكاتب. في المقالة الأدبية تحضر شخصية الكاتب عبر اختياراته ونبرته وطريقة رؤيته، مع بقاء الموضوع متصلًا بالإنسان. وفي المقالة الفكرية قد يبدو الموضوع هو الغالب، إلا أن شخصية الكاتب تظهر في ترتيب الأدلة، وانتقاء الأمثلة، والحكم على النتائج.
تتجلى هذه المزاوجة في كتبه السيرية الفكرية. فـ«قصة نفس» و«قصة عقل» و«حصاد السنين» لا تقدم سردًا زمنيًا لحوادث الحياة، بل تقرأ تكوّن العقل وتغير الموقف. وتصف مؤسسة هنداوي «حصاد السنين» بأنه سيرة للتطور الفكري والأدبي، مع تركيز على أثر البعثة العلمية والزيارات والأحداث التاريخية في تكوين صاحبه. بذلك تصبح السيرة مقالة طويلة عن علاقة الفرد بعصره، ويصبح التاريخ الخارجي مرآة لتحولات الوعي.
كما أن المقالة الصحفية الأسبوعية في «الأهرام» وسعت دائرة موضوعاته. كتب عن الثقافة والتعليم والسياسة والمجتمع والفن، وعاد باستمرار إلى سؤال الإنسان: كيف يفكر؟ لماذا يتأخر؟ ما الذي يمنعه من تحويل المعرفة إلى فعل؟ لذلك يصعب تصنيف مقالاته وفق عناوينها فقط؛ فبعضها يشرح، وبعضها يحاكم، وبعضها يوقظ، وبعضها يدرب القارئ على رؤية ما اعتاد أن يمر عليه من دون سؤال.
ولا يمكن فصل ازدهار مقالة زكي نجيب محمود عن المجال الصحفي الذي احتضنها، فالمقالة المنشورة في صحيفة تختلف عن البحث الجامعي المصغر؛ لأنها محكومة بوقت القارئ وانتباهه، وتحتاج إلى مدخل واضح، وإلى قدرة على الحفاظ على توتر الفكرة حتى النهاية، وقد أتاح له عموده في «الأهرام» اختبار هذه الشروط أسبوعًا بعد أسبوع. كان يلتقط قضية عامة، ثم يبحث عن مبدئها الفكري وما تكشفه عن سلوك الإنسان والمجتمع.
من هنا اتسمت مقالاته الصحفية بما يمكن تسميته «التدرج من العابر إلى الجوهري». قد يبدأ من خبر أو عادة أو موقف في الحياة اليومية، ثم ينتقل إلى تحليل أوسع يتعلق بالتعليم أو الحكم أو الثقافة أو معنى التقدم. يجري هذا الانتقال عبر سؤال وسيط: لماذا حدث ذلك؟ ما الافتراض الذي يجعل الناس يقبلونه؟ ما النتيجة التي تترتب عليه إذا عمّمناه؟ وبفضل هذا البناء تتحول الصحافة عنده من سجل للأحداث إلى تمرين على قراءة ما وراء الحدث.
كما أسهمت المقالة الصحفية في تهذيب لغته الفلسفية. فالمصطلح لا يظهر منعزلًا عن مثال، والنتيجة لا تأتي من غير تمهيد، والاعتراض المتوقع يجد مكانه في النص. هذا لا يعني أنه كان يكتب للقارئ على حساب الحقيقة، فقد كان يضع الحقيقة في صورة يستطيع القارئ اختبارها. كان تبسيطه إعادة ترتيب للتعقيد، وليس حذفًا له؛ ولذلك يستطيع القارئ متابعة الفكرة من غير خلفية متخصصة، ثم يكتشف في نهاية المقال أنه دخل منطقة فلسفية كاملة.
وقد تمنح الصحافة الكاتب انتشارًا سريعًا، كما قد تدفعه إلى التعميم والاستعجال. قاوم محمود هذا الخطر بالاعتماد على التراكم؛ فالفكرة التي يطرحها في مقال قد تعود في كتاب، والمثال الذي يفسره في عمود قد يجد مكانًا في مشروع ثقافي أوسع، لذلك يمكن قراءة مقالاته الأسبوعية بوصفها حلقات في حوار طويل مع القارئ حول العقل والثقافة والنهضة.
وتكمن قيمة مقالة زكي نجيب محمود في أنها جعلت الفلسفة جزءًا من المجال الأدبي العام. أثبت أن الفكرة الصارمة تستطيع أن تكون ممتعة، وأن اللغة الواضحة ليست لغة فقيرة، وأن تبسيط الفلسفة لا يعني تسطيحها. كما أسهم في تكوين قارئ عربي يتعامل مع المصطلح بوصفه أداة لفهم الواقع، لا حاجزًا يحول دون المعرفة.
مع ذلك، يظل مشروع زكي نجيب محمود قابلًا للنقد؛ فحرصه على الوضوح قد يقوده أحيانًا إلى تقسيمات حادة بين العقل واللامعقول، والعلم والخرافة، مع تقليص حضور التعقيد التاريخي، كما قد تمنح نبرته الحجاجية بعض الأحكام قوة تتجاوز مقدار البرهان المتاح. وقد اتسع النموذج العلمي لديه أحيانًا ليشمل مجالات كالفن والدين والخيال، مع اختلاف طرائقها عن العلوم الطبيعية.
وتجعل هذه الملاحظات قراءة تجربته أكثر نضجًا، إذ يقتضي نقد الأفكار تطبيق مبدأ الفحص على كتاباته نفسها. وقد جاءت المقالة ملائمة لمشروعه؛ فهي تجمع بين وضوح الفكرة ومرونة العرض، وتتيح وصل الفلسفة بالتاريخ والنقد والذكرى، وتحويل العقلانية إلى ممارسة لغوية تقوم على تحديد المفاهيم وترتيب الحجة ومراجعة المواقف.
ويبقى أهم ما في تجربته الجمع بين دقة الفيلسوف وجمال الأديب، فجعل المقالة مساحة للقاء البرهان والإيقاع، والنقد والمسامرة، وسؤال التراث وقلق المستقبل، وطرح سؤالًا ما يزال حيًا: كيف تتحول الثقافة من استعمال الكلمات الكبيرة إلى فهمها، ومن تراكم المعرفة إلى تغيير الحياة؟