عبدالرحمن العطوي
حين يرعى صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز أمير منطقة تبوك حفل جائزة سموه للتفوق العلمي والتميز في دورتها التاسعة والثلاثين فإن تبوك لا تحتفي بمجرد مناسبة لتكريم نخبة من المتفوقين والمتفوقات بل تستحضر أمامها مسيرة وطنية وتعليمية امتدت لنحو أربعة عقود ظل فيها العلم عنوانا راسخا والتميز قيمة رفيعة والاستثمار في الإنسان هدفا لا يتراجع.
تسعة وثلاثون عاما من عمر الجائزة ليست مجرد رقم في سجل الزمن، بل تاريخ من العطاء صنعته رؤية تؤمن بأن أعظم ما يمكن أن يقدمه الوطن لأبنائه هو أن يفتح أمامهم أبواب المعرفة وأن يمنح المجتهد والمتفوق والمبدع منصة تليق بإنجازه وتدفعه إلى مواصلة الطريق.
وعلى امتداد تسع وثلاثين دورة مرت على هذه الجائزة أجيال من أبناء وبنات منطقة تبوك وتشرفت بأني عملت فيها سنوات كعضو في اللجنة الإعلامية لها قبل أكثر من عقدين من الزمن نلت خلالها العديد من خطابات الشكر تلك الأجيال وقفوا في لحظات التكريم وهم يحملون شهادات التفوق والطموح وبعضهم يومها كان طالبا في مقاعد الدراسة لا يعرف إلى أين ستقوده الأيام، ثم مضت السنوات، فإذا بكثير ممن احتفت بهم الجائزة يقفون اليوم في مواقع قيادية وأكاديمية ومهنية ويعملون أطباء وأساتذة وأكاديميين وقادة في قطاعات مختلفة ليصبحوا دليلا حيا على أن تكريم المتفوق لا ينتهي بانتهاء الحفل وأن أثر الجائزة لا يقاس بعدد المكرمين فقط، بل بما يصنعه أولئك المكرمون في وطنهم ومجتمعهم بعد سنوات.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لجائزة الأمير فهد بن سلطان للتفوق العلمي والتميز، فهي لم تكن يوما منصة لتكريم لحظة عابرة وإنما كانت صناعة متواصلة للقدوة وتحفيزا للأجيال على أن التفوق طريق يستحق أن يسلك وأن الاجتهاد لا يضيع وأن المجتمع الذي يحتفي بالعلم هو مجتمع يراهن على مستقبله بثقة.
وما يجعل هذه الجائزة أكثر رسوخا أن مسيرتها اقترنت بالدعم والاهتمام والرعاية المباشرة من سمو أمير منطقة تبوك الذي ظل يؤكد بالفعل قبل القول أن الإنسان هو الثروة الأهم وأن بناء الأجيال المتعلمة والمبدعة هو الطريق الأصدق لبناء وطن قوي وقادر على صناعة المستقبل.
ومن هنا جاءت الجائزة في مساراتها المتعددة لتتجاوز مفهوم التفوق الدراسي إلى مساحة أوسع من التميز الإنساني والوطني، فهي تحتفي بالتفوق العلمي وبالتميز في الخدمة المجتمعية للأفراد والمنشآت وبالإبداع والابتكار وهي بذلك تفتح المجال أمام كل من يصنع أثرا إيجابيا ويقدم نموذجا يستحق أن يحتذى به.
إن ما تحقق خلال هذه المسيرة الطويلة يؤكد أن الجائزة أصبحت جزءا من الذاكرة التعليمية والمجتمعية في منطقة تبوك وأن أبناءها وبناتها الذين وقفوا في منصات التكريم عبر السنوات يمثلون اليوم امتدادا حقيقيا لفكرة آمن بها سمو الأمير فهد بن سلطان منذ انطلاق الجائزة وهي أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي لا يخسر.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقوله هذه الجائزة اليوم وهي تدخل عامها التاسع والثلاثين أن كثيرا من الذين صعدوا منصتها بالأمس أصبحوا هم اليوم من يصنعون القرار ويقودون المؤسسات ويعالجون المرضى ويدرسون الأجيال ويقدمون المعرفة ويخدمون المجتمع ويشاركون في مسيرة التنمية وهذا هو النجاح الأكبر لأي جائزة حين يتحول التكريم إلى مسؤولية ويتحول التفوق إلى عطاء ويتحول الاحتفاء بالإنجاز إلى إنجاز جديد.
إن تبوك وهي تستعد لهذا الحفل لا تحتفي بأسماء الفائزين فقط بل تحتفي بفكرة عظيمة عنوانها أن الوطن الذي يكرم أبناءه المتفوقين يصنع مستقبله بأيديهم وأن الجائزة التي تمتد تسعة وثلاثين عاما وتواصل صناعة الأثر ليست مناسبة تعليمية فحسب، بل مشروع مستمر لبناء الإنسان وتعزيز ثقافة الجودة والتميز.
ويأتي حفل هذا العام ليجدد هذه الرسالة في وقت يعيش فيه وطننا مرحلة تاريخية من التحول والتنمية ويحتاج فيها إلى كل عقل متعلم وكل موهبة مبدعة وكل يد مخلصة، فالتفوق لم يعد غاية شخصية فحسب، بل مسؤولية وطنية والتميز لم يعد عنوانا لصاحبه وحده بل قيمة ينعكس أثرها على المجتمع كله.
ومن حق أبناء تبوك أن يفخروا بجائزة ارتبط اسمها باسم أمير منطقتهم وأن يروا في مسيرتها الطويلة قصة وفاء للعلم وأهله وقصة إيمان بأن الأجيال التي يتم دعمها اليوم هي الأجيال التي ستقود الوطن غدا.
وفي كل مرة تصعد فيها نخبة جديدة إلى منصة جائزة الأمير فهد بن سلطان للتفوق العلمي والتميز فإن المنصة لا تستقبل فائزين فقط، بل تستقبل وجوها قد تكون بين أصحابها قيادات المستقبل وأطباء المستقبل وأساتذة الجامعات والمبدعين والمبتكرين وصناع الإنجاز ولذلك فإن التصفيق لهم ليس احتفاء بما أنجزوه فحسب، بل احتفاء بما ينتظر الوطن منهم.
هكذا تبدو الجائزة بعد تسعة وثلاثين عاما أكثر من تكريم وأكبر من مناسبة إنها ذاكرة أجيال وقصة نجاح وطنية ممتدة ورسالة واضحة تقول إن العلم يصنع الإنسان وإن الإنسان يصنع التنمية وإن تكريم المتميزين هو في جوهره تكريم للمستقبل.
وحين يقف صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز بين أبنائه وبناته المتفوقين والمتميزين في هذه المناسبة فإن المشهد يحمل معنى يتجاوز لحظة التكريم إلى معنى أعمق عنوانه أن من زرع في الإنسان معرفة وطموحا وثقة فقد زرع في الوطن مستقبلا جديدا.
تلك هي الحكاية التي ترويها جائزة الأمير فهد بن سلطان للتفوق العلمي والتميز بعد تسعة وثلاثين عاما حكاية أجيال بدأت من مقاعد الدراسة وانطلقت إلى ميادين القيادة والعلم والعمل وحكاية أمير جعل من دعم التفوق والتميز نهجا راسخا وحكاية منطقة تؤمن أن أبناءها وبناتها هم ثروتها الحقيقية وأن أفضل طريق لصناعة الغد يبدأ دائما من تكريم من يستحقون أن يكونوا قدوة فيه.