مبارك بن عوض الدوسري
في سلسلة «قطرة» التي يطل من خلالها الدكتور هاني عبدالوهاب، الأمين العام للمنظمة الكشفية العربية، على القيادات والمهتمين بالحركة الكشفية، لا تبدو «القطرة» مجرد حلقة قصيرة تقدم معلومة عابرة، وإنما تتحول مع كل ظهور إلى جرعة معرفية تفتح أمام القادة الكشفيين أبواباً للتأمل والمراجعة وإعادة النظر في كثير من الممارسات التي اعتدنا عليها في الميدان.
وفي «قطرة» جديدة جاءت تحت عنوان «البرنامج الكشفي والمراحل العمرية»، وضع الدكتور هاني يده على قضية بالغة الأهمية في العمل الكشفي، وهي أن البرنامج الكشفي، وإن كان واحداً في غايته وفلسفته وأهدافه التربوية، فإنه ليس تجربة واحدة تقدم بالطريقة نفسها لجميع الفئات العمرية؛ لأن لكل مرحلة خصائصها واحتياجاتها ومفتاحها التي ينبغي أن يعرفها القائد جيداً حتى يستطيع الوصول إلى الفتية والشباب بالطريقة التي تناسبهم؛ وهنا تكمن أهمية ما طرحه الدكتور هاني؛ فهو لا يتعامل مع البرنامج باعتباره مجموعة من الأنشطة والفعاليات التي تتكرر من مرحلة إلى أخرى، وإنما ينظر إليه بوصفه رحلة تربوية متكاملة، تتسلم فيها كل مرحلة الراية من المرحلة التي سبقتها، وتمهد للمرحلة التي تليها، بحيث تظل الغاية الكبرى حاضرة في جميع المراحل، مع اختلاف أساليب الوصول إليها.
ومن أجمل ما يلفت الانتباه في طرحه تأكيده على أن كلمة «البرنامج الكشفي» مفردة، وهذه المفردة تحمل في معناها وحدة البناء وترابطه؛ فبرنامج البراعم والأشبال والكشافة والمتقدم والجوالة ليست برامج منفصلة، وإنما حلقات متصلة في منظومة تربوية واحدة، ينبغي أن يكمل بعضها بعضاً، وأن يهيئ كل منها للمرحلة التالية، مع مراعاة الخصائص السنية والتطورات والمستجدات التي يشهدها العالم.
وعندما ينتقل إلى الحديث عن «مفتاح» كل مرحلة، يصبح الطرح أكثر قرباً من واقع الميدان؛ فالبراعم تحتاج إلى التمهيد والتحفيز والتشويق، والأشبال عالمهم مليء بالخيال والحركة واللعب والقصص، ولذلك يحتاج قائدهم إلى أن يعيش عالمهم ويقترب منهم بلغتهم؛ بينما تأتي مرحلة الكشافة بما تحمله من مغامرة وتحدٍّ واستثارة للقدرات العقلية والبدنية، ثم مرحلة المتقدم التي يبدأ فيها الفتى في النظر إلى الحياة بعين مختلفة، فيصبح من الضروري مخاطبة عقله وفهمه ووعيه أما الجوالة، فإنها تمثل مرحلة النضج والاستعداد للحياة، ومنها يمكن أن تتشكل شخصية القائد والمواطن؛ الزوج والأب والإنسان المنتج في عمله، والمواطن الصالح القادر على تحمل المسؤولية وخدمة مجتمعه؛ وهذه الرؤية تؤكد أن القائد الكشفي الناجح ليس هو الذي يمتلك أكبر عدد من الألعاب والأنشطة، وإنما الذي يعرف لماذا يقدم النشاط؟ ولمن يقدمه؟ ومتى؟ وكيف؟ ويدرك أن النشاط الكشفي ليس غاية في ذاته، بل وسيلة تربوية لبناء الشخصية وتنمية جوانبها المختلفة، وصولاً إلى الهدف الأسمى الذي أشار إليه الدكتور هاني: تنمية الفرد وتكوين المواطن الصالح؛ ومن هنا فإن «قطرة» الدكتور هاني عبدالوهاب تستحق التوقف عندها، ليس فقط لما تتضمنه من معلومات ومعارف، ولكن لأنها تقدم نموذجاً لما ينبغي أن تقوم به القيادات الكشفية ذات الخبرة؛ أن تنقل المعرفة إلى الميدان، وأن تحول التجارب المتراكمة إلى أفكار قابلة للفهم والتطبيق، وأن تضع أمام القائد أسئلة تساعده على مراجعة أدائه وتطوير أدواته؛ ولعل أجمل ما في هذه السلسلة أنها لا تتعامل مع المعرفة الكشفية باعتبارها مادة جامدة، بل تجعلها حواراً مفتوحاً مع الميدان؛ قطرة تتبعها قطرة، وكل واحدة منها تضيف شيئاً إلى رصيد القائد الذي يبحث عن تطوير ذاته وبرنامجه وممارسته التربوية؛ وحين تكون هذه «القطرات» من خبير كشفي عالمي مثل الدكتور هاني عبدالوهاب، الذي جمع بين الخبرة الكشفية والتربوية والمعرفة بالمناهج والبرامج، فإن من الطبيعي أن تتطلع إليها القيادات الكشفية الملهمة، وأن تجد فيها فرصة للتزود من معين خبرة رجل أمضى أعواما طويلة في الحركة الكشفية، وأصبح قادراً على قراءة تفاصيلها من منظور تربوي واسع.
لقد أصبح الميدان الكشفي اليوم في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مثل هذه الوقفات المعرفية؛ فالعالم يتغير، وخصائص الأجيال تتغير، واحتياجات الفتية والشباب تتغير، وبالتالي فإن البرنامج الكشفي لا يمكن أن يبقى أسيراً لقوالب جامدة، بل عليه أن يحافظ على ثوابته التربوية، ويتطور في أدواته وأساليبه بما يتناسب مع الإنسان الذي يخاطبه؛ ومن هنا يأتي التأييد لهذه «القطرات» التي يواصل الدكتور هاني تقديمها، لأنها لا تضيف للمشهد الكشفي مجرد محتوى إعلامي، وإنما تضيف معرفة وخبرة وتجربة وتأملاً تربوياً؛ وكل قطرة منها يمكن أن تكون بداية لفكرة، أو مراجعة لممارسة، أو تصحيحاً لمسار، أو إلهاماً لقائد يبحث عن الطريقة الأفضل لخدمة الفتية والشباب.
إن الحركة الكشفية لا تحتاج فقط إلى من ينفذ برامجها، بل تحتاج قبل ذلك إلى من يفهم فلسفتها ويقرأ مراحلها ويعي غاياتها؛ و»قطرة» الدكتور هاني عبدالوهاب تأتي لتسقي هذا الجانب الذي لا غنى عنه في بناء قيادات كشفية أكثر وعياً وقدرة على صناعة التجربة الكشفية التي تستحقها أجيال اليوم والغد.