د. عبدالعزيز بن غازي الغامدي
من يمتلك القدرة على إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، يمتلك أيضا القدرة على حماية غذائه ومياهه واقتصاده من أزمات العقود القادمة. ومن هذا المنطلق، ينبغي فهم اعتراف الأمم المتحدة الأخير بإنجاز المملكة.
في 26 أغسطس 2026، اختارت الأمم المتحدة برنامج التشجير الوطني في المملكة كأحد النماذج الرائدة عالميا في مجال إعادة تأهيل الأراضي، وذلك في إطار عقد الأمم المتحدة لاستعادة النظم الإيكولوجية، إلى جانب مبادرتين من البرازيل ومنطقة الساحل. لم يكن هذا الاختيار مجرد احتفاء بزراعة الأشجار كنشاط بيئي، بل وضعت الأمم المتحدة المبادرات الثلاث في سياق أوسع يشمل: استعادة الإنتاجية في الأراضي المتدهورة، ومكافحة الجفاف والتصحر وتغير المناخ، وضمان الأمن الغذائي والاقتصادي.
وهنا تأتي أهمية هذا الحدث. فقد دخلت المملكة هذا المجال ليس فقط انطلاقا من اعتبارات بيئية، بل من خلال إعادة تعريف العلاقة بين الأرض والتنمية. بحلول يونيو 2026، نجح البرنامج الوطني للتشجير في إعادة تأهيل ما يقارب مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، وزرع 159 مليون شجرة. والجدير بالذكر أن العمل لم يقتصر على زراعة الأشجار بل شمل أيضا التجديد الطبيعي للأراضي، تنظيم الرعي، إعادة إدخال أنواع الحياة البرية المحلية، حصاد مياه الأمطار، واستخدام المياه المعالجة في المناطق التي تعاني من شح المياه.
أرقام تحول الطموح إلى إنجاز
عندما تترجم الأهداف البيئية إلى مؤشرات واضحة وقابلة للقياس. وفقا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وصلت أعمال إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة ضمن البرنامج الوطني للتشجير إلى ما يقارب مليون هكتار بحلول يونيو 2026، مع زراعة نحو 159 مليون شجرة. لا تمثل هذه الأرقام الهدف النهائي، بل جزء من خطة أكثر طموحا.
يهدف البرنامج الوطني للتشجير إلى إعادة تأهيل 2.5 مليون هكتار وزراعة 215 مليون شجرة بحلول عام 2030. وعلى الصعيد الوطني الأوسع، ترتبط هذه الجهود بهدف المملكة المتمثل في إعادة تأهيل 40 مليون هكتار وزراعة عشرة مليارات شجرة بحلول عام 2100. هنا، يتحول مفهوم الاستدامة من مجرد شعار إلى منظومة من الأهداف والمؤشرات والنتائج التي يمكن رصدها وتقييمها.
من مؤتمر الأطراف السادس عشر إلى اعتراف الأمم المتحدة: المملكة نموذج يحتذى به في استعادة النظم البيئية.
تعكس مسيرة المملكة في مجال استعادة الأراضي والنظم البيئية تحولا نوعيا من الالتزام البيئي إلى العمل المؤسسي واسع النطاق. وقد تجلى ذلك بوضوح في استضافة الرياض لمؤتمر الأطراف السادس عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP16) عام 2024، الذي وضع تدهور الأراضي والتصحر والجفاف واستعادة الأراضي في صدارة النقاش والعمل الدوليين. وخلال هذه المرحلة، عززت المملكة حضورها كفاعل رئيس في مواجهة تحديات الأراضي في البيئات القاحلة، بما يتماشى مع أهداف رؤية المملكة 2030، ومبادرة السعودية الخضراء، والبرامج الوطنية المتعلقة بالغطاء النباتي واستعادة الأراضي. ويعد اعتراف الأمم المتحدة أخيرا، في 26 أغسطس 2026، خلال مؤتمر الأطراف السابع عشر في منغوليا، بالبرنامج الوطني للتشجير كـ»برنامج رائد عالميا في مجال استعادة الأراضي»، علامة فارقة في هذه المسيرة. لم يقتصر التقدير على التطلعات والالتزامات فحسب، بل استند إلى نتائج ملموسة، شملت إدراج ما يقارب مليون هكتار من الأراضي المتدهورة ضمن مشاريع إعادة التأهيل، وزراعة 159 مليون شجرة بحلول يونيو 2026، وذلك ضمن هدف أكثر طموحا لإعادة تأهيل 2.5 مليون هكتار وزراعة 215 مليون شجرة بحلول عام 2030. من هذا المنظور، يمكن اعتبار مؤتمر الأطراف السادس عشر (COP16) لحظة محورية في إبراز دور المملكة العالمي، بينما يمثل اعتراف الأمم المتحدة في عام 2026 إقرارا دوليا بالتقدم المحرز في هذا الدور، من مستوى الالتزام والسياسات إلى مستوى التنفيذ والنتائج القابلة للقياس.
عندما تصبح الأرض رصيدا اقتصاديا
الأرض جزء من رأس المال الطبيعي الذي يقوم عليه الاقتصاد: فهي تنتج الغذاء، تغذي المراعي، تنظم دورة المياه، تحافظ على التنوع البيولوجي، تخزن الكربون، وتحمي التربة. لذا، فإن تدهور الأراضي ليس مجرد خسارة بيئية، بل هو تآكل لأصل اقتصادي. تشير اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر إلى أن الفوائد الاقتصادية لإعادة تأهيل الأراضي قد تكون هائلة، وأن الاستثمار في إعادة التأهيل يرتبط بعوائد اقتصادية وبيئية واجتماعية واسعة النطاق، في وقت يعتمد فيه جزء كبير من الناتج الاقتصادي العالمي على الطبيعة وخدمات النظام البيئي. لهذا السبب تعد تجربة المملكة بالغة الأهمية. عندما تستعيد المملكة مليون هكتار، لا ينبغي أن يقتصر السؤال على: كم عدد الأشجار التي نمت؟ بل السؤال الأهم هو: ما عدد الوظائف البيئية والاقتصادية التي يمكن لهذه الأرض استعادتها؟ وهذا يقودنا إلى مجال أعمق: الأمن الغذائي.
الأمن الغذائي
في الخطاب العام، في الأغلب ما يفصل الأمن الغذائي عن إعادة تأهيل الأراضي، إلا أن العلاقة بينهما وثيقة. يبدأ الغذاء قبل وصول النبات إلى المصنع أو السوق، إذ يبدأ بالتربة والماء والبذور والمناخ والنظام الزراعي. فعندما تتدهور التربة، ويندر الماء، وتتراجع خصوبة الأرض، ويتضرر الغطاء النباتي، لا تقتصر المشكلة على الجانب البيئي فحسب، بل يصبح النظام الغذائي نفسه أكثر هشاشة. وهذا تحديدا ما يجعل إعلان الأمم المتحدة بالغ الأهمية. فقد ربطت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إعادة تأهيل الأراضي مباشرة بالتزامات العالم تجاه الأمن الغذائي، وحماية الأراضي من التدهور، والتنوع البيولوجي، والتنوع الغذائي، وأزمة المناخ. كما أكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الاستثمار في الأراضي الصحية يعد من أهم خطوط الدفاع ضد الضغوط التي تواجه الغذاء والماء والاقتصاد. لذا، فإن إعادة تأهيل الأراضي ليس مجرد مقدمة للزراعة تنتهي عندها. بل هو جزء لا يتجزأ من البنية التحتية للنظام الغذائي. وهنا تبرز أهمية العلوم الزراعية والغذائية في صميم الموضوع، لا على هامشه.
تتمتع المملكة بفرصة تتجاوز مجرد الحصول على الجائزة
تكتسب جائزة الأمم المتحدة أهمية بالغة لأنها تضع برنامج التشجير الوطني ضمن شبكة عالمية من النماذج الرائدة في مجال إعادة تأهيل النظم الإيكولوجية على نطاق واسع وعلى المدى الطويل. وتخضع هذه النماذج للمراقبة من خلال إطار عمل الأمم المتحدة لإعادة تأهيل النظم الإيكولوجية. ومع ذلك، ستتضح القيمة الحقيقية للجائزة لاحقا. يتيح هذا الاعتراف الدولي فرصة للمملكة لتحويل خبرتها الميدانية إلى مدرسة متخصصة في البيئات القاحلة. مدرسة تدمج علوم التربة مع علم النبات، والهيدرولوجيا مع الزراعة، وعلم البيئة مع الاقتصاد، والاستشعار من بعد مع الإدارة، وعلوم الأغذية مع سلاسل القيمة. وهنا تحديدا، يمكن للجامعات ومراكز البحوث السعودية أن تضطلع بدور كبير في هذا الجانب. فالمطلوب هو إنشاء نظام بحثي يربط بين الخبرة الميدانية والعمل المخبري، ويشمل ذلك: أخذ عينات من التربة قبل وبعد إعادة التأهيل؛ قياس كفاءة استخدام المياه؛ تقييم التنوع الميكروبي؛ رصد نمو النباتات وبقائها؛ قياس التغيرات في خصائص التربة؛ نمذجة التكلفة والعائد؛ تحليل دورة حياة المنتج؛ دراسة مدى قدرة الأنواع المحلية على التكيف مع الضغوط المناخية؛ وتحويل هذه البيانات إلى نماذج قابلة للتطبيق في مناطق أخرى. وهذا، في رأيي، هو الإجراء الذي ينبغي للمملكة النظر فيه بعد منح الجائزة.
من «التشجير» إلى «اقتصاد إعادة التأهيل»
يدخل العالم مرحلة يصبح فيها إعادة تأهيل الأراضي قطاعا اقتصاديا وعلميا مكتفيا ذاتيا. تتطلب هذه المرحلة تقنيات للري، والبذور، وإعادة تأهيل التربة، والاستشعار، والمراقبة، وإدارة المراعي، وإنتاج الشتلات، والمعالجة الحيوية، وإعادة استخدام المياه، ومعالجة النفايات، والزراعة الدقيقة، وتحويل الكتلة الحيوية إلى منتجات قيمة. بعبارة أخرى، لا يقتصر إعادة تأهيل الأراضي على تحقيق فوائد بيئية فحسب، بل يمكنه أن يخلق سوقا كاملة للمعرفة والتكنولوجيا والخدمات. وهنا تكمن فرصة فريدة للمملكة. فإذا نجحت في بناء نظام وطني يربط مشاريع إعادة التأهيل بالبحث العلمي، والقطاع الخاص، والجامعات، والصناعات الزراعية والغذائية، فلن تقتصر مهمتها على استيراد الحلول البيئية فحسب، بل ستصبح أيضا مطورة ومصدرة لحلول إعادة تأهيل الأراضي في البيئات القاحلة. وهذا طموح يفوق بكثير مجرد الحديث عن عدد الأشجار. إن الجائزة هي بداية تساؤل، وليست نهاية المطاف. لعل أفضل ما يمكن أن تفعله المملكة بعد هذا التكريم هو ألا تعده نجاحا نهائيا، بل مسؤولية علمية جديدة. يعد مليون هكتار إنجازا مهما، لكن قيمته الحقيقية ستتحدد في الأعوام القادمة: هل ستبقى الأرض مؤهلة؟ هل ستستعيد وظائفها البيئية؟ هل ستتحسن كفاءة استخدام المياه؟ هل ستعود التنوع البيولوجي؟ هل ستصبح المراعي أكثر إنتاجية؟ هل ستخلق فرص عمل واقتصادات محلية؟ وهل ستحول هذه التجربة إلى معرفة قابلة للتصدير؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد القيمة الحقيقية لهذه التجربة. إذا استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة بالبيانات والعلم، فسيكون لقصة الجائزة بعد مختلف جذريا. لن يقتصر الأمر على دولة زرعت 159 مليون شجرة، بل سيصبح عن دولة بدأت في بناء اقتصاد جديد قائم على إعادة تأهيل الأراضي. اقتصاد ينظر إلى التربة كأصل، والماء كرأس مال، والتنوع البيولوجي كمورد، والعلم كأداة للاستثمار، والغذاء كحلقة وصل تبدأ بالأرض وتمتد إلى ما هو أبعد من المزرعة. هنا، يبرز دور المملكة العربية السعودية بشكل جلي، في قضية لطالما ارتبطت في المخيلة العالمية بقسوة الصحراء، يكمن التحدي في التحول من دولة تنظر إلى ندرة الأرض والمياه كعائق، إلى دولة تستكشف كيف يمكن تحويل إعادة تأهيل الأراضي نفسه إلى مصدر للمرونة والغذاء والقيمة الاقتصادية والعمل المناخي... ولعل الأهم من ذلك، أن هذا المسار لا يبدو منفصلا عن الرؤية الأوسع التي توجالتحول الوطني للمملكة. فرؤية المملكة 2030، التي أطلقها صاحب السمو الملكي ولي العهد، لا تنظر إلى التنمية على أنها مجرد نمو اقتصادي، بل تقدم رؤية لإعادة بناء علاقة المملكة بمواردها ومجتمعها ومستقبلها.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار إعادة تأهيل الأراضي أحد التطبيقات العميقة للرؤية: تحويل الموارد الطبيعية من مجرد إمكانات إلى أصول تدار من خلال العلم والاستثمار والاستدامة، وضمان أن تصبح البيئة جزءا لا يتجزأ من اقتصاد المستقبل، لا تكلفة هامشية.
إذا كانت رؤية 2030 قد فتحت الباب لإعادة تعريف قطاعات الاقتصاد والحياة في المملكة، فإن ما يحدث في مجال إعادة تأهيل الأراضي يضيف بعدا آخر لهذه الرؤية: إعادة تعريف قيمة الأرض نفسها. وهنا تكمن الرؤية الأوسع: أن ما يزرع اليوم سيصبح شجرة، وما يعاد تأهيله سيصبح تربة وما يبنى عليهما في المستقبل سيكون اقتصادا أكثر مرونة، وغذاء أكثر استدامة، وبيئة أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ، ومعرفة سعودية تتجاوز حدود المملكة إلى المنطقة والعالم
إنجاز وطني بروح الفريق
لا يمكن مناقشة هذا الإنجاز بمعزل عن الإطار الوطني المتكامل الذي أسهم في تحقيقه. إعادة تأهيل الأراضي وتنمية الغطاء النباتي، وحماية الموارد الطبيعية، كلها مسؤوليات تتداخل مع المياه والبيئة والزراعة. لذا، يشكر كل من وزارة البيئة والمياه والزراعة والجهات الوطنية التابعة لها والشريكة لها، فضلا عن الدور الذي اضطلعت به مختلف القطاعات في دعم برامج إعادة التأهيل والتشجير، وحماية موارد المياه، وتنمية الغطاء النباتي، وتعزيز استدامة الأراضي. هذا التقدير الدولي هو في جوهره ثمرة عمل وطني تعاوني؛ عمل يدمج السياسات والخبرات العلمية ومبادرات التنفيذ والجهود الميدانية لجعل الأثر البيئي واقعا ملموسا يمكن رؤيته على أرض الواقع وقياسه بالأرقام. كل الشكر والتقدير لكل من ساهم في هذا المسعى الوطني، من الوزارات والهيئات الحكومية والمراكز الوطنية والجامعات والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي، وصولا إلى العاملين في الميدان. إن مثل هذه الإنجازات العظيمة لا تتحقق من خلال قطاع واحد، بل من خلال نظام وطني يعمل برؤية واحدة وهدف واحد: أرض أكثر خضرة، وموارد أكثر استدامة، ومستقبل أكثر أمانا للأجيال القادمة. نفخر بقيادتنا، ونعتز بمؤسساتنا، ونفخر بأبناء وطننا؛ فحين تتكامل القيادة والجهود، تتحول الرؤية إلى إنجاز، ويصبح إنجاز الوطن مصدر فخرا للعالم.
هكذا تتجلى رؤية المملكة على أرض الواقع: أمة لا تستهلك مستقبلها، بل تزرع اليوم ما سيحصده أبناؤها غدا.
** **
وكيل كلية علوم الأغذية والزراعة للشؤون التعليمية والأكاديمية - جامعة الملك سعود