خالد قاسم أبو بكر
لا يبدو افتتاح المملكة العربية السعودية مكتبًا للتأشير في العاصمة السورية دمشق مجرد خطوة إجرائية لتسهيل إصدار التأشيرات، وإنما يمثل في دلالته الاقتصادية حلقة جديدة في مسار إعادة تنشيط العلاقات بين البلدين، وفتح قنوات أوسع أمام التجارة والاستثمار وحركة رجال الأعمال والبضائع، فالمكتب الذي يستقبل جميع طلبات التأشيرات، بما فيها ما يرتبط بتوصيل البضائع ونقل الركاب، يعالج جانبًا مهمًا من معادلة النشاط الاقتصادي؛ إذ إن التجارة لا تتحرك بالاتفاقيات وحدها، وإنما تحتاج إلى حركة سلسة للأفراد والشاحنات والسلع، وإلى إجراءات واضحة وسريعة تخفض الوقت والتكلفة أمام القطاع الخاص.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من أن العلاقات التجارية السعودية ـ السورية تشهد بالفعل نموًا لافتًا. ووفق البيانات المعلنة بلغ إجمالي التبادل التجاري بين البلدين نحو 1.24 مليار ريال في عام 2024، قبل أن يقفز إلى نحو 2.72 مليار ريال في 2025، بزيادة تقارب 119 % خلال عام واحد، والأكثر دلالة أن الصادرات السعودية إلى سوريا ارتفعت من نحو 558 مليون ريال في 2024 إلى قرابة 1.9 مليار ريال في 2025، بنمو يتجاوز ثلاثة أمثالها، فيما ارتفعت الواردات السعودية من سوريا إلى نحو 820.8 مليون ريال، مقارنة بنحو 684.7 مليون ريال في العام السابق، هذه الأرقام لا تعكس مجرد ارتفاع عابر في حركة السلع، وإنما تشير إلى بداية تشكل مسار تجاري أكثر نشاطًا بين اقتصادين تربطهما الجغرافيا والمصالح المشتركة، كما أن استمرار الحركة التجارية خلال عام 2026 يعزز الانطباع بأن الزيادة التي سجلها عام 2025 ليست بالضرورة ظاهرة مؤقتة.
ففي أبريل 2026، بلغت الصادرات السعودية إلى سوريا نحو 185.1 مليون ريال، مقابل واردات بقيمة 91.8 مليون ريال، ليقترب إجمالي التجارة خلال شهر واحد من 277 مليون ريال. كما بلغت الصادرات السعودية غير النفطية إلى سوريا نحو 203.5 مليون ريال في مايو 2026، وهو مؤشر إضافي على اتساع حركة السلع السعودية في السوق السورية.
ومن هنا تتضح القيمة الاقتصادية لافتتاح مكتب التأشير في دمشق، فكلما أصبحت حركة التجار ورجال الأعمال والناقلين أكثر سهولة، انخفضت تكاليف المعاملات، واتسعت قدرة الشركات على بناء علاقات تجارية مستقرة، وهو ما يمكن أن ينعكس على حجم التبادل التجاري خلال السنوات المقبلة، لكن الأهمية الأوسع تتمثل في أن المملكة لا تتعامل مع التعافي الاقتصادي السوري باعتباره ملفًا منفصلًا عن محيطه العربي، فدعم استقرار الاقتصاد السوري وعودة قدرته على الإنتاج والتجارة يمثلان مصلحة إقليمية، والسعودية بما تملكه من ثقل اقتصادي وقدرات استثمارية ولوجستية تستطيع أن تؤدي دورًا محوريًا في هذه المرحلة.
كما أن سوريا، بحكم موقعها الجغرافي، يمكن أن تتحول إلى حلقة مهمة في شبكات التجارة والنقل بين الخليج وبلاد الشام وشرق المتوسط، بما يمنح التعاون السعودي ـ السوري أبعادًا تتجاوز التبادل التجاري التقليدي إلى النقل والخدمات اللوجستية والطاقة والصناعة وإعادة الإعمار والاستثمار، لذلك، فإن مكتب التأشير السعودي في دمشق يمكن النظر إليه باعتباره جزءًا من البنية التحتية الناعمة للتجارة والاستثمار، فهو لا ينقل البضائع بنفسه، لكنه يسهل حركة من ينقلونها، ولا يصنع الاستثمارات، لكنه يفتح الطريق أمام المستثمرين ورجال الأعمال.
وإذا كانت التجارة بين البلدين قد حققت قفزة تقارب 119 % في عام واحد، فإن الرهان المقبل هو تحويل هذا النمو إلى شراكة اقتصادية مستدامة، تتسع فيها المصالح المشتركة، ويصبح القطاع الخاص محركًا رئيسيًا للعلاقات السعودية ـ السورية.
إن دمشق التي تستعيد تدريجيًا اتصالها بمحيطها العربي، تجد في الرياض شريكًا اقتصاديًا قادرًا على المساهمة في مرحلة التعافي، فيما تجد المملكة في استقرار سوريا الاقتصادي واتساع سوقها فرصة لبناء علاقة تجارية واستثمارية طويلة الأمد، وهكذا، قد يبدو مكتب التأشير في ظاهره مكتبًا لتسهيل إجراءات السفر، لكنه في جوهره يمكن أن يكون أحد الأبواب التي تُفتح من خلالها أبواب أكبر للتجارة والاستثمار والتكامل الاقتصادي بين البلدين الشقيقين.