نجلاء العتيبي
منحنى هدوء المساء فرصة لأرى الحي بعيدًا عن عجلة النهار؛ جميلًا في مجموعه، متشابهًا في تفاصيله إلى حدٍّ أثار في نفسي سؤالًا عن المعنى الذي ينبغي أن تحمله بيوتُنا؛ ففي بعض الأحياء، ومنها هذا الحيُّ، تبدو معظم المنازل في صورة واحدة: أسوار حديثة، وواجهات متقاربة، وخطوط هندسية متكررة، حتى بدا الحيُّ، على جماله ونظامه، محتاجًا إلى لمسة تمنحه خصوصيَّته، وتُعيد إلى ملامحه شيئًا من روح المكان.
لا تكمُنُ المشكلة في العمارة الحديثة؛ فهي ثمرةُ زمنها، وتحمل الكثير من الجمال والراحة والابتكار، غير أن الحداثة تصبح أجمَلَ حين تعرف الأرض التي تقف عليها، وتستفيد من ذاكرة المكان دون أن تبقى أسيرة للماضي، فالهوية المعمارية ليست زخارف تُوضع على الواجهات، ولا أبوابًا قديمة تُستعار لإكمال المشهد، وإنما فهم عميق لطبيعة البيئة، وموادِّها، ومناخها، وألوانها، وطريقة أهلها في العيش، واستقبال الضيوف، وصناعة الأُلفة.
المنزل لا يكون بناءً من الإسمنت والحديد فحسبُ؛ بل إنه الوعاء الذي تنمو داخله التفاصيل الصغيرة، وتُحفَظ فيه الذكريات، وتتشكل بين غُرَفِهِ علاقة الإنسان بأسرته ومحيطه، وحين يحمل البيت شيئًا من شخصية أصحابه، وخصائص مدينتهم، يشعر المرء أنه ينتمي إلى عنوان له معنى، لا إلى رقمٍ مكررٍ في صف طويل، قد تصنع نافذة مدروسة، أو فناء داخلي، أو مدخل رحب، أو ظلال محسوبة فرقًا أكبر من عناصر باهظة لا تربطها بالمكان صلة.
لقد عرفت عمارتنا المحلية كيف تجمع بين الجمال والوظيفة قبل أن تصبح الاستدامة مصطلحًا شائعًا، استفادت من اتجاه الشمس، وحركة الهواء، وسماكة الجدران، واتساع الأفنية، واختارت ألوانًا تنسجم مع التراب والسماء والنبات، لم تكن تلك الحلول مجرد شكل تراثي، وإنما خبرة تراكمت عبر أجيال فهمت البيئة، وصاغت احتياجاتها بذكاءٍ، ويمكن للمهندس المعاصر أن يستلهم هذه الخبرة، ثم يُقدّمها بلغة جديدة تناسب حياتنا الحالية، وما تتطلبه من رحابة وتقنية وخصوصية.
ولا تعني الهوية أن تتشابه البيوت وَفْق قالب آخر، فالاختلاف جزءٌ من جمال المدن، فالمقصود أن تنشأ بينها قرابة بصرية هادئة؛ ملامح مشتركة لا تُلغي شخصية كل منزل، وتنوُّع يحفظ للحي انسجامه دون أن يُحوّله إلى نسخ متجاورة، هنا تظهر براعة التصميم: أن يبتكر دون اغتراب، ويجدد دون قطيعة، ويمنح السكان الراحة فيما يترك للمارة مشهدًا يبعث الألفة.
إن جمال العمارة يتجاوز حدود الملكية الخاصة؛ لأن واجهة المنزل تدخل في الصورة اليومية للشارع، والشارع يصنع ملامح الحي، والأحياء مجتمعة ترسم ذاكرة المدينة؛ لهذا يصبح حُسن التصميم مساهمةً في الجمال العام، ومسؤولية ثقافية تشارك في تكوين الذائقة؛ فالطفل الذي يكبر محاطًا بمبانٍ تحمل قصة مدينته، يتعلَّم الانتماء بصريًّا قبل أن يقرأ عنه، والزائر يلتقط هوية المكان من تفاصيله قبل أن يسأل عن تاريخه.
ما أجمل أن تتجه مشاريعنا المقبلة إلى عمارةٍ تجمع الراحة المعاصرة بأصالة الفكرة، وتمنح المهندسين مساحة أوسع للبحث في خصائص مناطقنا المتنوعة، لكل مدينة خاماتها وألوانها وإيقاعها، ومن هذا التنوُّع يمكن أن تولد تصاميم حديثة لا تُشبه سواها، كما يستطيع أصحاب المنازل أن يطلبوا حلولًا تُعبّر عنهم، وأن ينظروا إلى التصميم بوصفه استثمارًا في جودة الحياة، لا مرحلة شكلية تسبق البناء.
وتزداد قيمةُ هذا التوجه حين تشترك فيه البلديات والمكاتب الهندسية والجامعات، فتُدرس العناصر المحلية بوصفها مصادر حيَّة للابتكار، وتُقدَّم نماذج إرشادية مرنة تساعد الناس من غير أن تُقيّد اختياراتهم، ويمكن للمساحات الخضراء، وتنسيق الأرصفة، وتوزيع الإضاءة، ومعالجة الأسوار أن تُكمل لغة المبنى، وتربطه بمحيطه، عندها لا يعود الجمال حبيس الواجهة، وإنما يمتدُّ إلى تجربة الساكن والمارِّ، ويجعل الحيَّ أكثَرَ إنسانية وراحة، وقد يكون أجمل ما تمنحه هذه الرؤية أنها تُقرّب الأجيال من تراثها بطريقة طبيعية؛ تراه حاضرًا ومتطورًا وقادرًا على مواكبة الزمن، فينشأ الاعتزاز به من المعايشة اليومية، لا من الصور والذكريات القديمة وحدها.
حين تأمَّلت الحيَّ مرة أخرى، بقي جماله حاضرًا، ورأيت في تشابه بيوته فرصةً أكثَرَ من كونه نقصًا؛ فرصة لأن نعيد السؤال عن الصورة التي نريد لمدننا أن تحملها في المستقبل، لسنا مُطالبين باستعادة البيوت القديمة كما كانت، وإنما بأن نأخذ منها ما يناسب حاضرنا، ثم نُواصل الحكاية من حيث انتهت، فالمنزل الحقيقي مساحة تسكنها الروح قبل الأجساد، والعمارة الجميلة هي التي تمنح الإنسان مأواه، وتمنح المكان صوته، وتترك للأجيال القادمة ملامح تعرف بها مَن مرُّوا هنا، وكيف أحبَّوا أرضهم، وصاغوا حياتهم فوقها.
ضوء
«البيت ليس مكانًا، بل هو شعورٌ». - سيسيليا أهيرن.