فاطمة الجباري
ثمة فرقٌ كبير بين قلبٍ يدخل الصلاة بحثًا عن الراحة، وقلبٍ يدخلها منتظرًا أن تنتهي.
الأول يعرف الطريق إلى السكينة، والثاني ما زال يبحث عنها.
وحين نسمع العبارة الجميلة: «يا بلال، أَرِحْنا بها»، نشعر أننا أمام معنى يتجاوز الكلمات؛ فالصلاة لم تكن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم عبئًا يريد التخلص منه، بل كانت موعدًا مع الراحة، وملاذًا حين تضيق النفس، وبابًا يُفتح كلما أثقلتنا الحياة.
أَرِحْنا بها...
كأن الصلاة تقول للإنسان:
تعال كما أنت؛ متعبًا، مثقلًا، حائرًا، منكسرًا، محمّلًا بأسئلة لا تجد لها جوابًا... تعال، فلست بحاجة إلى أن تشرح كل شيء.
قف بين يدي الله، ودع ما عجزت عن حمله عند بابه.
كم من همٍّ دخلنا به إلى الصلاة، ثم خرجنا ولم يتغير شيء في العالم من حولنا، لكن شيئًا في داخلنا تغيّر!
لم تختفِ المشكلة، لكنها صغرت.
لم ينتهِ الطريق، لكن القلب اطمأن إلى أن الله معنا.
لم تأتِ الإجابة، لكننا تعلّمنا أن نثق بمن يملك الإجابة.
وهنا تكمن روعة الصلاة؛ أنها لا تعدنا دائمًا بأن تتغير الظروف، لكنها تمنحنا قلبًا أقوى على مواجهتها.
ومع ذلك، كم نردد أحيانًا في داخلنا:
متى تنتهي الصلاة؟
نستعجل الركعات، ونستعجل التسليم، وتبقى أجسادنا في الصلاة بينما تتجول أفكارنا في كل مكان.
نؤدي الصلاة، لكننا لا نعيشها.
نقف بين يدي الله، لكن قلوبنا مشغولة بما تركناه خلفنا.
وكأننا نقول دون أن نشعر: أرِحْنا من الصلاة، بدل أن نقول بقلوبنا: أرِحْنا بها.
والفرق بين العبارتين ليس في حرفٍ واحد، بل في حال القلب كله.
فمن عرف الله، عرف أن الصلاة ليست محطة نمر بها خمس مرات في اليوم، وإنما هي المحطات التي نستعيد فيها أنفسنا.
في الصلاة نخلع عن أرواحنا ضجيج العالم.
هناك لا مدير، ولا موظف، ولا أب، ولا أم، ولا مسؤوليات، ولا مواعيد، ولا حسابات... هناك أنت وعبوديتك، وبين يديك ربٌّ يعلم سرك قبل علانيتك، ويسمع دعاءك قبل أن تنطق به.
ولهذا كانت الصلاة راحة.
راحة من الخوف.
راحة من القلق.
راحة من الركض المستمر خلف الدنيا.
راحة من محاولة أن نبدو أقوياء أمام الجميع.
في السجود تحديدًا، يحدث شيء لا تراه العين.
ينخفض الجسد، ويرتفع القلب.
تضع جبهتك على الأرض، فتكتشف أن أعظم ما فيك ليس في ارتفاعك، وإنما في خضوعك لله.
وكم من دمعةٍ نزلت في سجدة، ولم يعرف صاحبها كيف جاءت، لكنها كانت تحمل من الكلام ما عجز اللسان عن قوله.
وكم من قلبٍ دخل الصلاة مكسورًا، فخرج منها أكثر احتمالًا للحياة.
لذلك، ربما لا نحتاج أن نسأل دائمًا:
كيف أجعل الصلاة واجبًا أؤديه؟
بل نسأل أنفسنا سؤالًا أعمق:
كيف أجعل الصلاة موعدًا أشتاق إليه؟
حين نصل إلى هذه المرحلة، لن ننتظر الأذان باعتباره إعلانًا بانتهاء ما بأيدينا، بل باعتباره دعوة للابتعاد قليلًا عن كل شيء، والاقتراب من الله.
سنسمع الأذان بطريقة مختلفة.
حي على الصلاة... حي على الفلاح.
ليست دعوة إلى أداء حركات فقط، بل دعوة إلى النجاة من ضجيج الحياة إلى سكينة الروح.
فيا رب، لا تجعل صلاتنا عادةً تؤدى، ولا حركاتٍ تحفظها الأجساد وتغيب عنها القلوب.
اللهم ارزقنا صلاةً نرتاح بها، لا صلاةً نرتاح منها.
اللهم اجعل في الركوع طمأنينتنا، وفي السجود قربنا، وفي الدعاء أماننا، وفي كل صلاةٍ لقاءً نعود منه إلى الحياة بقلوبٍ أكثر يقينًا بك.
يا بلال، أَرِحْنا بها...
ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يأتي يومٌ لا يسأل فيه:
متى تنتهي الصلاة؟
بل يسأل:
متى أعود إليها؟
فالصلاة التي نبحث عن نهايتها... قد تكون هي نفسها الراحة التي ظللنا نبحث عنها طويلًا..