حذامي محجوب
ثمة صور لا تحتاج إلى كثير من الكلمات أو الشرح كي تقول إن زمنا كاملا قد تغيّر. إنها الصورة التي تجمع سبع سفيرات سعوديات في عواصم مختلفة من العالم.
صورة ولا أروع منها
سبع نساء، يقفن في مواقع ديبلوماسية يمثلن المملكة العربية السعودية في واشنطن وأوتاوا ووارسو وهلسنكي ومدريد وبروكسل، وستوكهولم، من أعظم عواصم العالم، يحملن إلى خارج وطنهن، كل واحدة من موقعها، اسم بلد لم يعد يريد أن يُعرّف نفسه من خلال الصورة التي رسمت له في الماضي، وإنما من خلال الصورة التي يصنعها بنفسه اليوم.
لكن أهمية هذه الصورة لا تكمن في عدد السفيرات السبع، ولا في مجرد وصول المرأة السعودية إلى أعلى مراتب السلك الديبلوماسي، ولا حتى في أن بعضهن أصبحن وجوهًا للمملكة في عواصم تعد من الأكثر تأثيرًا في صناعة القرار الدولي.
إن أهميتها الحقيقية أنها تختصر، في مشهد واحد، مسافة تاريخية قطعتها السعودية خلال سنوات قليلة.
مسافة انتقلت فيها المرأة من مساحة كان حضورها العام فيها أكثر محدودية، إلى موقع أصبحت فيه شريكًا كاملا في الاقتصاد، وحاضرة في الإدارة، وفاعلة في المؤسسات، وصوتًا للمملكة أمام العالم.
وعندما ننظر إلى هذه الصورة من هذه الزاوية، فإن السؤال لم يعد: لماذا توجد اليوم سبع سفيرات سعوديات؟.
السؤال الأعمق هو: كيف وصلت السعودية إلى اللحظة التي أصبح فيها هذا المشهد ممكنًا، بل عاديا، طبيعيًا؟.
المهم ليس أن امرأة سعودية أصبحت سفيرة، وإنما أن الدولة نفسها أصبحت ترى في المرأة كفاءة قادرة على حمل اسمها وتمثيلها في الخارج، وأن المجتمع بدأ ينظر إلى وجودها في مواقع القرار باعتباره امتدادًا طبيعيًا لمسارها ونجاحها وتألقها العلمي والمهني، وأن المؤسسات فتحت أمامها أبوابًا لم تكن مفتوحة بالاتساع نفسه من قبل.
هنا تبدأ القصة الحقيقية
لم تكن المرأة السعودية يومًا غائبة عن المجتمع، ولم تكن بلا دور أو طموح أو إنجاز بل كانت حاضرة في الأسرة والتعليم والطب والأكاديميات والثقافة والعمل الأهلي والتطوعي، وفي مجالات مهنية عديدة.
كما أن نساء سعوديات كثيرات صنعن مسارات مهنية متميزة قبل التحولات الأخيرة بسنوات طويلة. لذلك فإن الحديث عن الماضي لا ينبغي أن يتحول إلى تصويره وكأنه زمن لم تكن فيه المرأة موجودة. فالذي تغيّر أساسًا هو مساحة الحركة، واتساع المجال العام، وطبيعة العلاقة بين المرأة والمؤسسة والدولة.
فرق جوهري
ولا يقاس الحقيقي فقط بعدد الأشياء التي أصبحت المرأة قادرة على القيام بها، وإنما بالانتقال من سؤال «هل تستطيع فعلا؟»، إلى سؤال أكثر حداثة : «إلى أي مدى تستطيع أن تصل؟».
وهذا، في رأيي، أحد أعمق التحولات التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة. قبل سنوات، كان جزء كبير من النقاش حول المرأة السعودية يدور حول الحواجز التي تفصلها عن بعض أشكال المشاركة العامة والحركة والاستقلال القانوني والمهني.
أما اليوم، فقد انتقل النقاش تدريجيًا إلى مساحة أخرى : كم امرأة في سوق العمل؟ كم امرأة في مواقع القيادة؟ كم امرأة في الإدارة؟ كم امرأة في الحياة الديبلوماسية؟ كم امرأة في القطاعات الجديدة؟ وما الذي تستطيع أن تضيفه إلى اقتصاد يتغير بسرعة وإلى دولة تريد إعادة تعريف موقعها في العالم؟.
إنه انتقال من منطق الإذن إلى منطق الإمكان، ومن هنا يمكن فهم رؤية السعودية 2030 بصورة مختلفة. فالرؤية لم تتعامل مع المرأة باعتبارها ملفا اجتماعيًا منفصلًا عن مشروع الدولة، وإنما ربطت مشاركتها مباشرة بالاقتصاد والتنمية وسوق العمل.
وكان الهدف الأصلي رفع مشاركة المرأة السعودية في قوة العمل إلى 30 في المائة بحلول عام 2030، لكن هذا المستهدف تم تجاوزه بالفعل، بعدما بلغت مشاركة السعوديات نحو 35.4 في المائة في الربع الثالث من عام 2024، وفق مؤشرات «رؤية 2030».
وهنا تصبح النسبة أكثر من مجرد مؤشر اقتصادي، فالمرأة التي تدخل سوق العمل لا تدخل إليه وحدها.
ولم يعد تمكين المرأة قضية اجتماعية فقط، بل أصبح قضية دولة. ولعل واحدة من أكثر اللحظات التي كشفت هذا التحول بوضوح كانت لحظة تعيين الأميرة ريما بنت بندر آل سعود سفيرة للمملكة لدى الولايات المتحدة عام 2019.
إذ لم يكن تعيينها مجرد قرار بتولي امرأة منصبًا دبلوماسيًا رفيعًا، بل حمل رسالة سياسية ورمزية بالغة القوة: المرأة السعودية يمكن أن تكون ممثلة رسمية للمملكة أمام واحدة من أهم دول العالم، وأن تجلس في موقع التفاوض، وتتحدث باسم بلدها، وتدير علاقة ديبلوماسية معقدة، وتكون جزءًا من صورة المملكة في الخارج.
وكانت دلالة الموقع مهمة بقدر دلالة المرأة التي وصلت إليه، فواشنطن ليست عاصمة عادية. والسفير فيها لا يؤدي وظيفة بروتوكولية فحسب، بل يعمل في مساحة تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والأمن والطاقة والاستثمار والإعلام.
وحين ترسل السعودية امرأة إلى هذا الموقع، فهي لا ترسل فقط امرأة سعودية، بل تؤكد أن الكفاءة الديبلوماسية ليست مرتبطة بالنوع، وأن المرأة قادرة على أن تكون جزءًا من الملفات الأكثر حساسية في علاقات المملكة الدولية.
ثم بدأت الصورة تتسع، لم تعد ريما بنت بندر استثناءً وحيدا، حيث ظهرت آمال بنت يحيى المعلمي في كندا، وإيناس الشهوان في بولندا، ونسرين الشبل في فنلندا، وهيفاء بنت عبدالعزيز آل مقرن في إسبانيا وأندورا، وهيفاء الجديع لدى الاتحاد الأوروبي والجمعية الأوروبية للطاقة الذرية، ثم أسيل بنت سلطان الشهيل في السويد، وسفيرة غير مقيمة لدى آيسلندا.
واللافت أن هؤلاء النساء لا يمثلن نموذجًا واحدًا، فبعضهن جاء من مسارات أكاديمية واقتصادية ودولية، وبعضهن تدرج في العمل الديبلوماسي، وأخريات راكمن خبرات في المؤسسات الدولية والعمل الإداري ومجالات أخرى قبل الوصول إلى مواقع التمثيل الدبلوماسي.
وهذه نقطة تستحق التوقف، فالرسالة لم تعد أن «امرأة تستطيع أن تصبح سفيرة»، بل أصبحت أوسع من ذلك بكثير. فالمرأة السعودية تستطيع أن تبني مسارًا مهنيًا كاملًا داخل مؤسسات الدولة وخارجها، وأن تنتقل من مرحلة إلى أخرى وفق الكفاءة والخبرة.
وهنا تحديدا تكمن قيمة التحول، فالتمكين الحقيقي لا يحدث عندما تصنع الدولة استثناء واحدًا، بل عندما يتحول الاستثناء إلى مسار.
في الماضي كان يمكن أن يُنظر إلى خروج المرأة إلى المجال العام باعتباره انتقالًا من الخاص إلى العام. أما اليوم، فإن المرأة السعودية تدخل المجال العام وهي تحمل معها تعليمها وتجربتها وثقافتها وهويتها، ولا تحتاج إلى أن تتخلى عن كونها امرأة حتى تكون فاعلة.
وهذا أمر مهم، لأن التنمية الحقيقية لا تعني أن يصبح الجميع نسخة واحدة من الآخر، وإنما أن تتسع مساحة الاختيار أمام الإنسان. ولهذا فإن قصة المرأة السعودية لا ينبغي اختزالها في قيادة السيارة، رغم أن السماح لها بالقيادة كان لحظة رمزية هائلة، ولا في السفر أو العمل وحدهما.
هذه القرارات كانت علامات على تحول أوسع : انتقال المرأة من واقع تحكمه مجموعة واسعة من القيود الإجرائية والاجتماعية إلى مساحة أصبحت فيها أكثر استقلالًا في إدارة حياتها ومسارها المهني. ثم جاءت السوق لتختبر هذا التحول، وهنا تظهر الأرقام بوضوح:
ارتفعت مشاركة السعوديات في قوة العمل من مستويات كانت تدور حول 17 في المئة قبل إطلاق «رؤية 2030» إلى أكثر من 35 في المئة في السنوات الأخيرة.
كما أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء أن مشاركة السعوديات بلغت 34.5 في المئة في الربع الثاني من عام 2025، بالتزامن مع انخفاض معدل البطالة بين السعوديات مقارنة بالسنوات السابقة.
ويمكن للمرء أن يختلف حول السياسات، وأن يناقش التحديات، وأن يسأل عن استدامة هذه التحولات، لكن من الصعب تجاهل أن هذه الأرقام تعكس تغيرًا اجتماعيا واقتصاديا واسعا وكبيرا ومهما.
فحين تدخل مئات الآلاف من النساء إلى سوق العمل، لا يتغير سوق العمل وحده.
يتغير عالم البيت ونمط الحياة داخله، وتتغير علاقة الأسرة نفسها بقيمة العمل، وتتغير صورة الفتاة عن مستقبلها، وتتغير توقع ات الآباء تجاه بناتهم. وتنشأ لدى الأجيال الجديدة صورة مختلفة تمامًا عن مقياس ومعنى النجاح المهني للمرأة.
وهنا يصبح التحول أعمق من كل القوانين نفسها، فالقانون يستطيع أن يفتح بابا، لكنه لا يستطيع وحده أن يغير سردية حياة و مخيلة اجتماعية.
والذي يغير المخيلة هو أن ترى الفتاة أمامها امرأة سعودية تعمل، ومديرة سعودية تقود مؤسسة، وطبيبة سعودية تدير مستشفى، ومهندسة سعودية تعمل في قطاع كان حضور النساء فيه محدودا جدا، ورياضية سعودية تمثل بلدها، وديبلوماسية سعودية تتحدث باسم المملكة، وسفيرة سعودية تجلس مع قائد وزعيم ورئيس دولة. عندها لا تعود هذه الأشياء أحلامًا بعيدة، بل تصبح احتمالات طبيعية للمستقبل.
وفي زمن أصبحت فيه صورة الدولة جزءًا من قوتها، يصبح وجود المرأة السعودية في الحياة الديبلوماسية جزءًا من القوة الناعمة للمملكة.
إن السيدات المحترمات السفيرات السبع يحملن معنى يتجاوز حدود وظائفهن. هن لا يمثلن السعودية أمام العالم فحسب، إنهن يمثلن أيضًا السعودية التي تريد أن يراها العالم اليوم.
السعودية التي لا تريد أن تُختزل في النفط أو الصحراء أو الصورة النمطية التي التصقت بها لعقود، وإنما تقدم نفسها كدولة رائدة، شابة، وطموحة، ومتغيرة، تستثمر في الإنسان، وتعيد تشكيل اقتصادها، وتوسع حضورها الدولي، وتبني قطاعات جديدة، وتفتح مجالات جديدة أمام مواطنيها.
وفي قلب هذه الصورة توجد المرأة، فالمرأة هي المرآة الأكثر حساسية لأي تحول اجتماعي حين تتغير مكانتها، فهذا يعني أن شيئًا عميقًا قد تغير في البنية التي كانت تحدد موقعها، ولذلك لا يمكن فهم التحول السعودي من دون المرأة، كما لا يمكن فهم التحول في وضع المرأة بمعزل عن المشروع السعودي الأكبر.
اليوم، يستطيع العالم أن ينظر إليها وهي تقف أمام أبواب أخرى، لا بوصفها امرأة تبحث عن إذن للدخول، وإنما بوصفها سفيرة تحمل مفاتيح الحوار باسم بلدها.
وهنا تصبح صورة السفيرات السبع أقوى من أي شعار، لأن الصورة تقول شيئًا لا تحتاج إلى كثير من الكلمات لشرحه : إن السعودية لم تعد تنظر إلى المرأة باعتبارها نصف المجتمع الذي ينبغي تمكينه فقط، بل باعتبارها نصف الثروة والطاقة الوطنية التي تحتاج إليها لصناعة المستقبل، وهذه النقلة هي جوهر الحكاية.
فالغاية ليست الوصول إلى رقم معين من السفيرات، ولا الاحتفال في كل مرة تصل فيها امرأة سعودية إلى منصب رفيع.
الغاية الأبعد هي أن يصبح وصول المرأة إلى المنصب الرفيع أمرًا عاديًا لا حدثا استثنائيًا.
لهذا فإن أجمل ما يمكن أن تقوله صورة السفيرات السبع ليس إن: «السعودية لديها سبع سفيرات»، بل إن السعودية تقول للعالم، من خلالهن، شيئًا أعمق: إن المرأة التي كان العالم يتحدث عنها باعتبارها عنوانًا من عناوين التغيير السعودي، أصبحت اليوم واحدة من النساء اللواتي يحملن عنوان السعودية نفسها إلى العالم.
وهنا تبلغ الحكاية ذروتها، فالتحول الأكبر ليس أن المرأة السعودية أصبحت خلف مقود السيارة، ولا أنها دخلت سوق العمل، ولا أنها وصلت إلى السفارة.
التحول الأكبر أنها أصبحت، في مساحات واسعة من الحياة السعودية، صاحبة قرار في حياتها، وصاحبة موقع في مؤسستها، وصاحبة دور في مجتمعها، وصاحبة صوت في العالم.
ومن هذه الزاوية، تبدو السفيرات السبع أقل من أن يكنّ مجرد «قصة سبع نساء»، وأكثر من أن يكنّ مجرد «إنجاز نسائي».
إنهن علامة على قصة وطن يعيد تعريف نفسه، وقصة مجتمع يعيد اكتشاف قدراته، وقصة امرأة لم تعد تنتظر أن يتحدث العالم عنها، لأنها أصبحت تقف أمام العالم وتتحدث باسم بلدها.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التي تختصر التحول السعودي كله:
كان العالم، بالأمس، يسأل السعودية: أين المرأة؟، واليوم، تقف المرأة السعودية أمام كل العالم لتقول: انظر، ها أنا هنا.