د. سجى عارف
القوانين وُضعت لتكون ميزانًا للعدل وسندًا للحقوق وإطارًا ينظّم حياة الناس ويُيسّر معاملاتهم، وهي خلاصة تجارب طويلة ونتاج عقول مشرّعين أرادوا أن تكون الأنظمة حامية للإنسان لا عبئًا عليه، لكن المفارقة التي نعيشها اليوم هي أن بعض اللوائح بدل أن تكون طريقًا إلى الحق أصبحت طريقًا طويلًا إليه وبدل أن تُسهّل باتت تُعقّد وبدل أن تُنصف أصبحت تُرهق من يطالب بحقه.
المشكلة ليست في النصوص؛ فالنصوص في جوهرها عادلة وواضحة ومكتوبة بروح المصلحة العامة، المشكلة تكمن في الذهنية التي تُفسّر النص وفي اليد التي تُطبّقه وفي البيئة الإدارية التي تُديره، فحين يتحول القانون من روح إلى حرف ومن عدالة إلى إجراء ومن حماية إلى عائق، فإننا نكون أمام أزمة لا تُحلّ بتعديل الأنظمة بل بتعديل طريقة التفكير.
ورغم كل ذلك، يبقى القانون أحد أهم أدوات بناء الدولة الحديثة، فالدول لا تنهض بالعاطفة بل بالأنظمة التي تحفظ الحقوق وتمنع التعدي وتضمن المساواة، والقانون حين يُفهم بروحه يصبح قوة حضارية تُشعر المواطن بالأمان وتمنح المؤسسات ثباتًا وتخلق بيئة عمل عادلة.
المشكلة ليست في وجود الأنظمة بل في غياب الفهم العميق لوظيفتها، فالقانون ليس جدارًا بل رافعة وليس قيدًا بل ضمانة وليس نصًا بل فلسفة تقوم على أن الإنسان هو محور كل إجراء.
أصبح التطبيق جزءًا من المشكلة فالنظام الواحد يُمكن أن يكون عادلًا في يد ومعقّدًا في يد أخرى، ويُمكن أن يكون أداة تمكين في مؤسسة وأداة تعطيل في مؤسسة أخرى، وهنا يظهر دور الإدارة الواعية التي تُعيد للنظام روحه بينما الإدارة المتصلّبة تُفرغه من معناه. وفي بعض البيئات تتحول اللوائح إلى مظلة يتوارى خلفها من يخشى اتخاذ القرار أو من يخشى التطوير أو من يخشى أن يبرز غيره، وهنا لا يكون الخلل في النظام بل في الخوف الذي يدير النظام.
والمؤسسات التي تنجح ليست تلك التي تملك أكثر الأنظمة بل تلك التي تملك أوضحها وأقربها للناس، والموظفون الذين ينجحون ليسوا من يحفظون البنود بل من يفهمون روحها، والإدارات التي تنهض ليست التي تُغلق أبوابها بل التي تفتحها للمقترحات وتستمع للمشكلات وتبحث عن الحلول، وسياسة الباب المفتوح ليست رفاهية إدارية بل ضرورة تشريعية؛ لأنها تجعل النظام أداة للحل لا أداة للتعطيل وتجعل المؤسسة كيانًا حيًا يتطور لا غرفة مغلقة تتنفس البيروقراطية.
وكي نعيد للقانون روحه علينا بصدق أن نعيد تعريف فلسفة التطبيق، فالقانون خُلق لخدمة الإنسان لا لإرهاقه، كما أن علينا أن نبسط الإجراءات عبر مراجعة دورية للأنظمة وتحديثها، وأن نعزز ثقافة العدالة الخدمية التي تضع الإنسان قبل الإجراء، بالإضافة إلى تفعيل سياسة الباب المفتوح لتصبح الأفكار والمشكلات جزءًا من التطوير، وتمكين القيادات الواعية التي تفهم أن النظام وسيلة لا غاية، وأخيرًا وليس آخرًا إطلاق قنوات موحدة للحقوق تمنع التلاعب وتختصر الطريق.
فالقانون ليس نصًا يُتلى بل روح تُفهم واللوائح ليست جدرانًا بل جسورًا والمؤسسات لا تُبنى بالبنود بل بالإنسان الذي يطبّقها، وما نحتاجه اليوم ليس أنظمة جديدة بل وعيًا جديدًا يعيد للقانون عدالته وللإجراءات إنسانيتها وللمواطن حقه دون صراخ أو طرق أبواب.