نجلاء العتيبي
ما الذي تستطيعُ مشاهدةٌ واحدةٌ أن تفعله؟
لم يخطر لي هذا السؤال من قبلُ.
كنت أُقلّب ما يظهر على شاشة اللوح الإلكتروني، حتى توقَّفت يدي من تلقاء نفسها، لم يكن بحثًا عن لقطاتٍ أجمل من غيرها، لحظة قصيرة سبقت الكلمات، ثم خرج الحمد لله بهدوءٍ يعرف طريقه إلى القلب دون استئذانٍ، بعده لم تعُد اللغة مستعجلة، فقد أصبحت تنظر كما كنت أنظر.
اعتدنا أن تختصر الشاشات العالم، الجبل يُصبح أصغر مما هو، والبحر يفقدُ اتساعه، والمسافات تنكمشُ حتى تبدو المدن متجاورة، غير أن ما ظهر أمامي لم يقبل هذا الاختصار، بقي داخل إطار صغير، بينما أخذ أثره مساحة لا يحدُّها إطار، عندها تراجعت الشاشة إلى الخلف، وتقدم المكان.
هناك، في جنوب غرب المملكة العربية السعودية، ترتفع شلالات الحبلة داخل منتزه الحبلة في منطقة عسيرٍ، على علو يتجاوز ألفَي متر فوق سطح البحر، تبعد قرابة خمسين كيلومترًا عن مدينة أبها، ونحو أربعين كيلومترًا عن خميس مشيط، معلومات يقرأها كثيرون في ثوانٍ، غير أن الأرقام لا تنقل برودة الهواء، ولا اتساع الأُفُق، ولا الصمت الذي تمنحه القممُ لمن يطيل النظر إليها.
ينحدر الماء من جُرف صخري عميق قرب مركز الواديينِ، بعد أن تجمعه الأمطار الموسمية في أعالي الجبال، لا يندفع بعنفٍ، ولا يتباطأ طلبًا للمشهد، يسلك طريقه كما لو أنه يعرفه منذ أول قطرةٍ هطلت فوق تلك الصخور، يواصل انسيابه، وتواصل الصخور ثباتها، فلا يُنافس أحدهما الآخر، ولا يحتاج أيٌّ منهما إلى أن يثبت حضوره.
استوقفتني هذه العلاقة أكثر من الشلال نفسه.
الماء يتحرَّك.
الصخر يبقى.
وبين الحركة والثبات يُولَد اتزانٌ لا تصنعه يد، ولا يكتمل بتدخل إنسانٍ -سبحان الخالق العظيم- كل عنصر يؤدي دوره كاملًا، ثم يترك للعنصر الآخر حقَّ الظهور؛ لهذا خرج المشهد متماسكًا، لا لأن فيه تفاصيل كثيرة، وإنما لأن شيئًا فيه لم يحاول أن يكون أكثر مما هو.
وعلى حافَّة ذلك الامتداد، بقيتْ قرية الحبلة التاريخية تحرُسُ اسمها القديم، لم يأتِ الاسم من رواية متخيلة، وإنما من حياة عاشها أهلها حين كانت الحبالُ وسيلتَهم للصعود والنزول بين المنحدرات، تحوَّلت الضرورة إلى مهارة، ثم أصبحت المهارة جزءًا من هوية المكان؛ لهذا تبدو القرية امتدادًا للجبل، لا بناءً أقيم فوقه.
كنت أنظر إلى هذا الجمال، بينما كانت الفكرة تكبُرُ في داخلي.
ليس كل ما يلامس الإنسان يحتاج إلى حضورٍ مباشرٍ.
مشاهدة سريعة فتحت بابًا لهذه المشاعر التي أُدوّنها...
لهذا لم أشعر أنني بعيد عن الحبلة، مع أن قدماي لم تطآها؛ فالمسافة بقيت كما هي على الخريطة، غير أنها فقدت معناها في النفس، أحيانًا يسبق الشوق الطريق، وتصل الرغبة قبل الوصول.
أغلقتُ الشاشة.
انتهى الضوء المنبعث منها.
أما تلك اللحظة فلم تنتهِ.
ظلَّت مستقرة في مكانٍ يصعُبُ على الكلمات أن تصفه، وربما لا تبلغه كاملًا، ومع ذلك، يبقى لبعض اللحظات أثرٌ يستحق أن يُروى
ثم عدتُ إلى المشاهدة مرة أخرى.
لا لأتأكَّد من شيء.
ولا لأبحث عن تفصيلٍ فاتني.
عدتُ إليها لأنني شعرت أن الوطن -في تلك اللحظة- لم يكن يُعرّفني بمكان جديد، وإنما كان يُذكّرني باتساعه، وبأن الجمال لا يرفع صوته حتى يُرى، ولا يحتاج إلى زحام العبارات حتى يبقى.
أغلقتُ الشاشة للمرة الأخيرة.
وبقيت جملة واحدة لم أجدْ ما هو أصدق منها:
الحمد لله... ما أجملَكَ يا وطني!
ضوء
«ليس لكل جمالٍ وصفٌ يوازيه؛ أحيانًا يكفيه أن يترُكَ في النفس مساحةً لا تغادرها الكلمات».