د.شامان حامد
لم يعد حضور السعودية في خريطة الذكاء الاصطناعي العالمية مجرد طموح معلن، بل أصبح واقعًا تؤكده تقارير دولية مستقلة، وفق تقرير التنمية في العالم 2026 الصادر عن مجموعة البنك الدولي، تحت عنوان «وعد الذكاء الاصطناعي»، فالمملكة ضمن أكبر عشر دول عالميًا في الاستثمار الخاص بالذكاء الاصطناعي، وأبرزها وجهة جاذبة للكفاءات المتخصصة، ونموذجًا في تكامل البيانات الحكومية. وفي المسار ذاته، رصد مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد استثمارات خاصة بلغت نحو 2.03 مليار دولار داخل المملكة خلال عام 2025، لتحتل بذلك المرتبة العاشرة عالميًا. هذا التقدم ليس وليد اللحظة، بل نتاج بنية تحتية تراكمت بسرعة لافتة؛ إذ قفزت سعة مراكز البيانات في المملكة إلى 467 ميجاوات في الربع الأول من 2026، مقارنة بنحو 68 ميجاوات فقط عام 2021، أي بنمو يقارب سبعة أضعاف خلال خمس سنوات فحسب، ولترسيخ هذا الزخم، اعتمدت المملكة عام 2026 رسميًا «عام الذكاء الاصطناعي»، بالتوازي مع استثماراتها التقنية التي تجاوزت 9 مليارات دولار، وضعتها في المرتبة 14 ضمن المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي لعام 2025، ولا يقتصر الأثر على البنية الرقمية وحدها؛ فقد سجلت المملكة من أعلى معدلات استقطاب خبراء الذكاء الاصطناعي عالميًا، مع نمو القوى العاملة التقنية إلى 426 ألف متخصص، وارتفاع مشاركة المرأة في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات بنسبة 35 في المائة. كما بلغت مساهمة الاقتصاد الرقمي 16 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما احتلت المملكة المرتبة الثانية عالميًا في مؤشر نضج الحكومة الرقمية لعام 2025.
هذه الأرقام مجتمعة تحمل دلالة تتجاوز حدود المملكة، فحين تتحول دولة إقليمية إلى مركز جذب للكفاءات ورأس المال التقني، فإنها تعيد رسم موازين القوة الرقمية في منطقة كانت لعقود مستهلكة للتقنية لا مصدّرة لها. فالمنطقة العربية، التي طالما نظر إليها العالم كسوق واعدة فقط، تجد اليوم في التجربة السعودية نموذجًا قابلًا للمحاكاة في بناء البنية التحتية وتوطين الكفاءات وربط البيانات الحكومية.
وعلى المستوى العالمي، يمنح هذا الصعود المملكة موقعًا تفاوضيًا جديدًا في الحوارات الدولية حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، لا بوصفها مجرد سوق مستهدفة، بل شريكًا في رسم اتجاهات الاستثمار والتقنين معًا. وهذا بالضبط ما يفسر لماذا باتت الرياض اليوم محطة لا يمكن تجاوزها في أي نقاش جاد عن مستقبل هذه الصناعة.