د. أنس عضيبات
أقسى ما في الكذب المستمر، أنه لا يقف عند حدود إخفاء الحقيقة، بل يسعى جاداً لإعادة تفصيل الواقع على مقاس المصالح الشخصية، وتبدأ الحكاية بابتداع سردية وهمية وإتقان تمثيلها ببراعة، لتنتهي بمشهد إنساني عبثي؛ حيث يغضب الكذاب منك لأن حدسك البشري بدأ يلتقط هشاشة هذا البناء، ولأنك لم تسايره في تصديقه، كما إنه لا ينقل الحياة كما عهدناها، بل يفرض مسرحية هزلية يكون فيها هو البطل المطلق على حساب الحقيقة.
وحين تتساقط الأقنعة ويسقط رداء الزيف، يرفض الكذاب الاعتراف بزلته، مفضلاً الهروب إلى الأمام عبر تبديل روايته مع كل مأزق، واختلاق الأعذار مع كل سقوط مدوٍ، وما يثير الدهشة حقاً هو وقوفه أمامك بكل هذا الركام من التناقضات، مستهجناً في عينيك علامات الاستنكار لجرأته، كما إن صدمته الحقيقية لا تكمن في انكشاف أمره، بل في شجاعتك التي جعلتك تتطلع في وجه زيفه دون خوف.
لا يؤلم الكذاب اكتشاف كذبته قدر ما يؤلمه أن تُضبط متلبساً بها، ومن هنا تنطلق معركة نفسية مرهقة، يحاول فيها قلب الطاولة بكل سبل المكر، مشككاً في ذاكرتك، ومدركاتك، بل وفيما رأيته بعينيك لمس اليد وحين يشتد عليه الخناق، يجنح نحو الشخصنة والهجوم، متجهاً للطعن في أسلوبك ونواياك، في محاولة بائسة لإزاحة التهمة عنه وإلصاقها بوعيك الذي يحاول عبثاً تشويهه.
ولكن الإنسان، مهما بلغ في فن التمثيل وطال به أمد الادعاء، يظل مكشوفاً للعيان في نهاية المطاف، فالعرب قديماً قالوا: إن «حبل الكذب قصير»، وواقعنا اليوم يضيف أن «للفضيحة أجنحة» الحقيقة بطبيعتها نقية وصلبة، لا تحتاج إلى تكلف أو تبرير، بينما الكذبة تشبه البناء الهش الذي يحتاج دوماً إلى ألف كذبة أخرى تقيم أعمدته وتقيه من الانهيار أمام أول نسمة صدق.
وفي نهاية المطاف، لا يسقط الكذاب لمجرد فضحه في موقف عابر، بل يسقط حين يُعرف بين الناس من فرط وعوده وتناقضاته حينها تفقد الكلمة الخارجة من قلبه أي وزن أو صدى، فلا يعود أحد يمنحه يقينه، حتى في تلك اللحظة النادرة التي ينطق فيها بالصدق الصراح، فلقد حفر الكذاب قبر مصداقيته بيديه، ليصبح رهينة أبدية لسمعة سلَته أثمن ما يملكه المرء: ثقة الناس به.