عبد الله سليمان الطليان
في كل عام تُعلن نتائج الطلاب، فتتكرر مشاهد الفرح في البيوت، وتكرم المدارس أبناءها المتفوقين، وتنشر وسائل الإعلام صور الأوائل. وبعد أيام قليلة يطوى المشهد، وكأن التفوق حدث موسمي ينتهي بانتهاء الحفل.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: (هل صناعة التفوق مسؤولية المدرسة وحدها، أم مسؤولية المجتمع بأكمله؟) لقد اعتدنا أن ننظر إلى التعليم على أنه شأن حكومي، بينما أثبتت التجارب العالمية أن المجتمعات التي حققت قفزات علمية واقتصادية لم تجعل رعاية المتفوقين حكرًا على المؤسسات التعليمية، بل حولتها إلى ثقافة عامة يشارك فيها الجميع. ومن هنا يمكن أن نطرح مفهومًا جديدًا هو «الاقتصاد الاجتماعي للتميز»؛ أي أن يصبح تشجيع المتفوقين استثمارًا تشارك فيه مؤسسات المجتمع، كلٌّ بحسب قدرته.
تخيل أن الطالب الذي يحصل على شهادة التفوق لا يعود إلى منزله حاملاً ورقة تقدير فقط، بل يجد أبواب المجتمع مفتوحة أمامه. صاحب البقالة يهنئه ويمنحه هدية رمزية، والمكتبة تقدم له كتابًا، والمقهى يقدم له قسيمة مجانية، والمطعم يخصص وجبة للمتفوقين، والصيدلية تمنحه خصمًا على مستلزماته، وشركة الاتصالات تقدم له باقة تعليمية، والبنك يفتح له حسابًا ادخاريًا بمكافأة تشجيعية، بينما تتبنى الشركات الكبرى المتفوقين بمنح دراسية أو برامج تدريبية.
قد يظن البعض أن هذه المبادرات بسيطة، لكنها في حقيقتها تبعث رسالة عميقة إلى الطالب: (المجتمع كله يقدّر اجتهادك).
إن الدول لا تبنى بالمال وحده، بل ببناء الإنسان. وكل ريال يُنفق على تشجيع طالب متفوق هو استثمار في طبيب أو مهندس أو معلم أو باحث أو رائد أعمال في المستقبل. ولذلك فإن دعم المتفوقين ليس عملًا خيريًا بالمعنى التقليدي، بل هو استثمار طويل الأجل في رأس المال البشري، وهو أغلى أنواع رأس المال.
ولعل أجمل ما في هذه الفكرة أنها لا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة، بل إلى تغيير في الثقافة. فلو شاركت آلاف المنشآت الصغيرة، كل واحدة بما تستطيع، لتحولت مكافأة التفوق إلى تقليد اجتماعي ينتظره الطلاب كل عام، ولأصبح النجاح الدراسي قيمة يحتفي بها المجتمع بأسره، لا مجرد مناسبة مدرسية عابرة.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن الشركات التي ترعى المتفوقين لا تقدم خدمة للمجتمع فحسب، بل تستثمر في الكفاءات التي قد تعمل لديها مستقبلًا. فكل طالب متميز قد يصبح بعد سنوات مهندسًا يطور صناعتها، أو مبرمجًا يبتكر حلولًا رقمية، أو باحثًا يرفع قدرتها التنافسية. لذلك فإن دعم المتفوقين ليس إنفاقًا، بل استثمار يعود بالنفع على المجتمع والاقتصاد معًا.
وفي ثقافتنا الإسلامية، فإن هذا المعنى يجد جذوره في تعظيم العلم وأهله، فقد رفع الإسلام مكانة العلماء، وجعل طلب العلم من أفضل القربات، وربط رفعة الأمم بالعلم والعمل. ومن هذا المنطلق، فإن تشجيع المتفوقين ليس مجرد مبادرة اجتماعية، بل مساهمة في بناء مجتمع قوي قادر على مواجهة تحديات المستقبل.
ولعل الوقت قد حان لتنتقل المسؤولية من نطاق المدرسة إلى نطاق المجتمع. فالغرف التجارية، وجمعيات رجال الأعمال، والبنوك، والشركات، والمتاجر، والمكتبات، وحتى أصحاب البقالات في الأحياء، جميعهم قادرون على أن يكونوا شركاء في صناعة جيل جديد من المبدعين.
إن الأمم المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها تملك الموارد فقط، بل لأنها عرفت كيف تستثمر في العقول منذ سنواتها الأولى. أما نحن، فربما نحتاج إلى أن نبدأ بخطوة بسيطة، لكنها ذات أثر كبير: أن يشعر كل طالب متفوق بأن نجاحه لم يسعد أسرته ومدرسته فقط، بل أسعد المجتمع كله.
عندما يحدث ذلك، لن تكون الجائزة مبلغًا ماليًا أو هدية عابرة، بل ستكون رسالة حضارية تقول لكل طالب: (إن علمك ثروة وطن، وإن تفوقك مسؤولية يشترك الجميع في رعايتها).